لاتسامح النسق: من أجل نقد ثقافي

فئة :  مقالات

لاتسامح النسق: من أجل نقد ثقافي

حظيت الدراسات النقدية بشيوع واسع في التسعينات، وقد جاءت بعد انحسار النظريات النقدية النصوصية والألسنية وتحولات ما بعد البنيوية. وإذا كانت الدراسات الجدلية قد أعلنت موت النص، والدراسات البنيوية قد أعلنت موت الإنسان، فإن الدراسات الثقافية لم تعد تنظر إلى النص بما هو نص، ولا إلى الأثر الاجتماعي الذي قد يظن أنه من إنتاج النص، بل صارت تأخذ النص من حيث ما يتحقق فيه وما يتكشف عنه من أنظمة ثقافية، وأنماط تعبيرية وإيديولوجية وأنساق تمثيلية، تمارس شتى أنواع الهيمنة والتحكم في المتلقي الفردي أو الجماعي، بطرق متخفية، وترسم تمثلاته الذهنية وآفاقه التأويلية جغرافيًا، وتسلبه حريته، وترسخ قيمًا ومقولات وسلوكات قد تكون ضد الإنسان وضد وجوده، أي التأسيس لنسق ثقافي لا إنساني، وغير متسامح. واشتهر النقد الثقافي، باعتباره مبحثًا حيويًا داخل الدراسات الثقافية، بما أحدثه من تغيير مهم في منهج تحليل الخطاب، واستثمار المعطيات النظرية والمنهجية لحقول معرفية متداخلة كالسوسيولوجيا والتاريخ والسياسة والفلسفة والآداب ويرتكز النقد الثقافي على أنظمة الخطاب وأنظمة الإفصاح النصوصي كما هي لدى بارت ودريدا وفوكو وغيرهم من رواد الدراسات الثقافية. كما يولي النقد الثقافي أهمية كبيرة لدور المؤسسة العلمية والثقافية، كيفما كانت، في توجيه الخطاب والقراء نحو نماذج وأنساق وتصورات يتأسس معها الذوق العام وتتخلق بها الصياغة الذهنية والفنية، وتصبح معيارًا يحتذى أو يقاس عليه.([1])1 وقد برز في العالم العربي والإسلامي النقد الثقافي بشكل خجول، ولا يزال في بدايته أمام هيمنة المؤسسة وجبروتها وقوة دفاعاتها. وقد برز في هذا المجال ثلاثة رواد هم إدوارد سعيد وعبد الجواد ياسين وعبد الله الغذامي، مما فتح مجالات جديدة للخطاب النقدي العربي وسمح بتنويعه وإكسابه فعاليات القراءة والتحليل والنقد؛ نقد الدراسات العلمية، ونقد الخطاب النقدي القائم مؤسسة وانحيازات. وبتعميق هذا الخيار النقدي سيتطور منهج قراءة الثقافة العربية كفعل حي. وسنعتمد إسهامات أولئك الرواد للوقوف على معنى النقد الثقافي والتعريف به وسط القراء في العالم العربي والإسلامي، كما سنقف عند دور هذا النوع من النقد في الكشف عن الأنساق الثقافية الإسلامية والتي تعيق أية رغبة حقيقية في التأليف وتحقيق عمل جماعي مشترك نافع قائم على الحرية في الإبداع والفعل المنتج.

أطروحة النقد الثقافي؛ من نقد النصوص إلى نقد الأنساق

طرح المفكر إدوارد سعيد في كتابه "العالم والنص والناقد" (1983)، مصطلح "النقد المدني" (Secular Criticism)؛ هذا النقد الذي يزاوج بين نقد المؤسسة ونقد الثقافة، ومساءلة الخطاب النقدي ذاته، مع انفتاحه على المهمش وإقحامه في المتن، والتخلي عن كل الانتماءات والتحيزات التي قد تعرقل عمل الناقد المدني وتسيء إلى مقارباته وإلى حريته، إلا أن هذا المصطلح لم يكتسب شهرة مثل ما اكتسبها نقده لخطاب الاستشراق رغم إصرار إدوارد سعيد على العودة إلى المفهوم في جل أعماله والتذكير به وبأهميته في التحليل والدراسات الثقافية، وبأهمية المصطلحات التي يقترحها في نقده الثقافي.([2])2 ويعد كتابه "الثقافة والإمبريالية" موسوعة في النقد الثقافي، نقد سجل المحفوظات الغربي، برغبة في الاستنهاض والاستنفار والمقاومة.([3])3 وفي المقابل اقترح الباحث عبد الله الغذامي مصطلح "النقد الثقافي" كآلية تحليلية للأنساق الثقافية العربية. هذه الأنساق التي ترسخ التجزيء وتباعد بين عناصر الأمة الفكرية والسلوكية، بل وثبت كل عناصر التعصب والانتماء الضيق والتعامل بعنف وقسوة مع المخالف، وبث روح الاحتراب واللاتسامح في شخصية المسلم المعاصر. وتنطلق أطروحة النقد الثقافي عند الغذامي من أن الثقافة العربية والإسلامية يتحكم فيها بناء نسقي متكامل العناصر ومتداخلها، يخلق حسًا استسلاميًا مسلوب الحرية و غير نقدي لدى جمهور الثقافة.([4])4 وانطلق الغذامي من مجال الدراسات الأدبية والنقدية لاختبار المفهوم الجديد والوقوف على كفاياته الإجرائية والتحليلية والنقدية؛ فالنقد الثقافي هو بديل متجاوز للنقد الأدبي والذي ظل يرزح تحت قيود المؤسسة-النسق. أما النقد الثقافي فيعيش حالة تحرر واستقلال عن هذه المؤسسة-النسق، بل ويخضعها هي ذاتها للنقد والمساءلة.

يتميز النقد الثقافي، بنظر الغذامي، عن النقد الأدبي بكونه يحقق أربع نقلات إجرائية؛ في المصطلح ذاته، وفي المفهوم، وفي الوظيفة، وفي التطبيق. فنقلة المصطلح تشمل عناصر الرسالة أو الوظيفة النسقية، والمجاز والتورية الثقافية ونوع الدلالة والجملة النوعية والمؤلف المزدوج. وأهم شيء ملفت للنظر في هذه النقلة الاصطلاحية هو إدخال الوظيفة النسقية إضافة إلى الوظائف الست للغة، كما حددها رومان ياكوبسون، في النفعية والتعبيرية والمرجعية والمعجمية والتنبيهية والشاعرية أو الجمالية.([5])5 فإضافة الوظيفة النسقية يسمح لنا بتوجيه النظر نحو الأبعاد النسقية التي تتحكم فينا وفي خطاباتنا. والكشف عن هذه الوظيفة هو مبدأ أساسي من مبادئ النقد الثقافي، بل هي منطلقه النقدي وأساسه المنهجي؛ ويتحول النص عندها، من مجرد تجلّ أدبي إلى حادثة ثقافية، أي نص، كيفما كان انتماؤه الحقلي والتخصصي. كما يقدم النقد الثقافي قراءة جديدة لبعض المفاهيم النقدية كالمجاز، وينظر إليه من منطلق أن الاستعمال فعل عمومي جمعي وليس فعلاً فرديًا، أي أن المجاز يصبح عندها فعلاً ثقافيًا فيتوسع مجاله ويخرج من ضيق الخطاب البلاغي المحدود، بل ويصبح مفهومًا محوريًا في البديل الجديد أي "النقد الثقافي" عوض النقد الأدبي. هذا الأخير حكمته المقولات البلاغية القديمة التي لم تكن تتجاوز عمليات التفسير والشرح والتلخيص، فانحصرت البلاغة العربية في الجمالي البحت ولم تتجاوز جماليات اللغة، وحرمت من القدرة على أن تكون أداة نقد أو قراءة أنساق الخطاب وكشف معضلاته. وإذا كان النقد الأدبي ينحصر في ضبط علاقة النص مع إنتاج الدلالة بنوعيها الصريح والضمني، فإن النقد الثقافي يركز على الدلالة النسقية التي ترتبط من خلال علاقات متشابكة نشأت مع الزمن لتكون عنصرًا ثقافيًا أخذ بالتشكل التدريجي إلى أن أصبح عنصرًا فاعلاً ، لكنه وبسبب نشوئه التدريجي تمكن من التغلغل غير الملحوظ وظل كامنًا هناك في أعماق الخطابات، وظل ينتقل ما بين اللغة والذهن البشري فاعلاً أفعاله من دون رقيب نقدي لانشغال النقد بالجمالي أولاً، ثم لقدرة العناصر النسقية على الكمون والتخفي ثانيًا.([6])6 ويشتغل النقد الثقافي وفق مفهوم "الجملة الثقافية" متجاوزًا المفهوم الذي تكرس مع النقد والبلاغة الكلاسيكيين وهو "الجملة النحوية" و"الجملة الأدبية"؛ فالجملة الثقافية، بنظر الغذامي، مفهوم يمس الذبذبات الدقيقة للتشكل الثقافي الذي يفرز صيغه التعبيرية المختلفة.([7])7

إن التحرر من هيمنة اللغوي، بمفهومه البلاغي-الجمالي الضيق، هو تحرر من النسق وإكراهاته ولاتسامحه، وحدّ لسلطة ذات الهيمنة الضاربة والمتحكمة في الناقد، توجه ذوقه وأحكامه ومقاربته وتسلبه حريته. فالنقد الثقافي يحول مهام القارئ-الناقد من مجرد صنائع ثقافية تتحكم فيها الأنساق المغلقة وتوجه حركتها، إلى عناصر فاعلة ومنتجة وفاحصة لكل نص وفق انضباطات منهجية صارمة. ولا يمكن تحقيق هذا دون الانتباه إلى ما يسميه الغذامي بـ"المؤلف المزدوج"، والازدواج يكون بين المؤلف المعهود، سواء أكان ضمنيًا أم أنموذجيًا أم فعليًا. والمؤلف الآخر، وهو الأخطر، أي الثقافة ذاتها، أو ما يسمى بـ"المؤلف المضمر"، وهو المؤلف النسقي وفق نظرية النقد الثقافي، فهو حاضر في لا وعي المؤلف المعهود، يمارس كل أشكال التحكم والهيمنة والتوجيه، أو ما سماه بعض الباحثين بالقاهرية، وهي التي تأسر العقل المسلم المعاصر، سواء قاهرية الماضي (السلف) أو قاهرية الحاضر (الغرب)، وتعيق كل عمليات التحرر والإبداع والنقد.([8])8 وتتحقق الوظيفة النسقية في أي نص، من خلال ميل الثقافة إلى تمرير أنساقها تحت أقنعة ووسائل خفية؛ كالحيل الجمالية والأخلاقية... وعندها يتنازع النصَّ نسقان؛ أحدهما مضمر نقيض لآخر علني، يحمل من القيم الجمالية والأخلاقية ما يسمح له بغرس قيم الثقافة-النسق. ولا بد من أن يكون مقروءًا وواسع الانتشار، وبذلك يمكن الوقوف من خلال آلية النقد الثقافي على ما للأنساق من فعل مؤثر وضارب في الذهن الاجتماعي والثقافي، بما يرسخ الأحادية والعنف واللاتسامح. إن النسق من حيث هو دلالة مضمرة ليس مصنوعًا من مؤلف ما، ولكنه منكتب ومنغرس في ثنايا الخطاب، مؤلفه الأول هو الثقافة ذاتها، يتحرك في حالة تخف دائم ويستخدم أقنعة كثيرة، ويقتحم العقول والأزمنة. ومن شدة تأثيرها وامتدادها في القارئ، أي قارئ، نلحظ كيف يقبل الجمهور على استهلاك الثقافة-النسق، والطرب لها، ولو كانت ضد ما يؤمن به عقليًا؛ كالحرية والإبداع غير المحدود. ويرى الغذامي أنه كلما رأينا منتجًا ثقافيًا أو نصًا يحظى بقبول جماهيري عريض وسريع فنحن في لحظة من لحظات الفعل النسقي المضمر والمكثف الذي لا بد من كشفه والتحرك نحو البحث عنه، والوقوف على حبكته النسقية الفاعلة.([9])9 ويظهر ذلك كثيرًا في نوع من الكتب الدينية، وفي الأشعار والأغاني والأزياء والحكايات والأمثال والنكت. إن النقد الثقافي هو نظرية في نقد المستهلك الثقافي، أي الاستقبال والتلقي، للوقوف على الشروط التي يخضع فيها قارئ لنص ما أو خطاب ما لتغييب العقل وفقدان الحرية، وتغليب الوجدان وعزل اللغة عن الفكر. فالنقد الثقافي ممارسة نقدية متطورة ودقيقة وصارمة، يبحث في علل الخطاب ويستخرج الأنساق المضمرة، كما هي في خطاب الشعر مثلاً أو في خطاب العلوم الدينية، مما طبع ذاتنا الثقافية والإنسانية بعيوب نسقية فادحة ما زلنا نتحرك بحسب شروطها ومتطلباتها، بل إن الغذامي يذهب إلى أن الشعر (وهو ديوان العرب) مثلاً ليس إلا جرثومة متسترة بالجماليات، أفرزت نماذجها في كل تجلياتنا الثقافية والاجتماعية. كما أن النسق الفقهي، أي العلوم الدينية، ولَّد هو الآخر نماذجه ورعاها وعززها عبر التاريخ، وكل هذا يعيق تحرر الشخصية المسلمة، ويمنعها من التواصل والفعل الصالح والمتسامح في الحياة، فتميل إلى نوع من الانطواء الأناني، أو احتقار الآخرين، سواء داخل الدائرة الإسلامية أو خارجها، فتتعقد مسالك التأليف والتواصل والحوار بين المسلمين أولاً، وبين الناس أجمعين ثانيًا، وتُغتال كل قيم التسامح و التأليف والتعارف والتعاون بين الناس، مما يحبل به القرآن الكريم وتزكيه التجربة النبوية.

ولما عمل د. عبد الله الغذامي على اختبار نظريته في النقد الثقافي في مجال الأدب العربي، شعرًا ونثرًا، وقف على العلل النسقية التي تجعل الخطاب الثقافي العربي خطابًا منافقًا ومزيفًا، غير واقعي وغير حقيقي وغير عقلاني.([10])10 هذا الخطاب الذي تنشط فيه شخصية محورية وحيوية هي شخصية الشحاذ والكذاب والمنافق والطماع. ويرى الغذامي أن الشعر العربي كان مسؤولاً على ترسيخها من خلال أنساقه المضمرة. وقد استطاع الغذامي رسم المعالم السلبية للشخصية العربية برغم المعارضات التي تعرض لها، كقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير من أن يمتلئ شعرًا»،([11])11 وقول بعضهم إن الشعر مزية العقول، وبابه الشر وإذا دخل في الخير ضعف أو لان، بحسب الأصمعي. إلا أن هذه المعارضات لم تتطور إلى مستوى نظرية ثقافية ناقدة للخطاب العربي وكاشفة لأنساقه ومضمراته، أي على الأقل لم تصل إلى مستوى إنشاء علم علل في نقد الخطاب الشعري، فظل الشعر أحد مصادر الخلل النسقي في تكوين الذات وفي عيوب الشخصية الثقافية التي أصبحت نمطية من خلال شخصية الشحاذ البليغ (الشاعر المداح)، وشخصية المنافق المثقف (الشاعر المداح أيضا)، وشخصية الطاغية (الأنا الفحولية)، وشخصية الشرير المرعب (الشاعر الهجاء). لقد كرس الشعر العربي قيمًا في البغي والاستكبار والفخر بالأصل القبلي؛ فعمرو بن كلثوم يتباهى بالظلم والتسلط ،والشاعر الحكيم زهير بن أبي سلمى يقول: ومن لا يظلم الناس يظلم. فالخطاب النسقي الثقافي ورث قيم القبيلة التي زرعها الشعر وخلَّدها، وتحولت إلى قيم فردية، بل أصبحت قيمًا نمطية للشخصية الثقافية للإنسان العربي. وبما أن النسق هو نسق التأثير لا نسق الإقناع فإن النفس العربية والإسلامية قد جرى تدجينها لتكون نفسًا انفعالية تستجيب لدواعي الوجدان أكثر من استجابتها لدواعي التفكير، بل صارت الذات العربية، وربما الإسلامية أيضًا، كائنًا شعريًا، تسكن للشعر ولا تتحرك إلا بسبب المعنى الشعري الذي تطرب له غير عابئة بالحقيقة، وما كانت الحقيقة يومًا قيمة شعرية.([12])12 وهذا ما أصاب الذات العربية والإسلامية بنوازع التقوقع والانطواء، مما وفَّر للدراسات النقدية والاجتماعية، المحايدة حينًا والمتحيزة أحيانًا كثيرة، مبررات الإساءة للشخصية الإسلامية وتصويرها تصويرًا نمطيًا وعصابيًا.([13])13 ولم يقل دور النثر عن دور الشعر في ترسيخ النسق وإفراز نماذجه ولاتسامحه، برغم محاولات بعض الفلاسفة الأدباء الخروج عن النسق كأبي حيان التوحيدي، ولكن القاعدة التي ترسخت هي أن النثر العربي لم يكن هو الآخر خطابًا حرًا وعقلانيًا، بل كان مادة أساسية في التربية الذوقية والثقافية وفق النسق وحدوده، وهذا ما تجسده المقامات مثلاً، حيث تضافرت حبكات الكذب والبلاغة والشحاذة لتكون قيمًا في الخطاب الثقافي، وهذا ما نلحظه اليوم في الخطاب السياسي والحزبي والإعلامي وهو خطاب مصبوغ بالكذب والزيف، تتحكم فيه الأنا المتوحدة والملغية للآخر، فإما هجاء أو مدح أو أنانية متفحلة؛ وهذا ما يرسخ قسوة الخطاب الفحولي المتوحش وعنفه، بصوته الواحد، وجنسه الخطابي الواحد، ونمطه الثقافي الواحد. وجرى تدوين النسق وترسيخه، في إطار عمليات ضخمة للتدوين، تدوين النسق الكبير، من خلال جمع أنساق صغيرة، كالنسق الشعري والنسق الفقهي، وفق شروط المؤسسة الثقافية. إن النسق الشعري كان مسؤولاً، بنظر الغذامي، عن عيوب الشخصية الثقافية الإسلامية، إذ هو الذي اخترع الفحل، في إطار شعر المديح الذي رسخ كل أشكال الأنانية والجنون الذاتي واللاتسامح. والفحل يأتي على رأس الهرم الطبقي، ويصبح ذاتًا نمطية متعاظمة لا مكان فيها للآخر، ولا حرية؛ فجرير يعتبر نفسه هو الدهر، والفرزدق يعتبر نفسه هو الموت، وعمرو بن كلثوم يقول:

لنا الدنيا ومن أمسى عليها
بغاة ظالمين وما ظلمنا
ألا لا يجهل أحد علينا

ونبطش حين نبطش قادرينا
ولكن سنبدأ ظالمينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا

فتضخم الذات وإلغاء الآخر، هو السلوك الدارج عند الشخصية النسقية، قديمًا وحديثًا، وذلك كله من سلالة ثقافية واحدة. لقد انتقل النسق وترحل من الشعر إلى الخطابة ومنها إلى الكتابة ليستقر بعد ذلك في الذهنية الثقافية للأمة ويتحكم في كل خطاباتنا وسلوكاتنا.([14])14 وتحول حراس النسق سواء من الشعراء أو الفقهاء إلى فصيلة بشرية متعالية على شروط الواقع والعقل وحتى الحق، في حين لا مقدس فوق النقاش في المعرفة الدينية أو في أي نوع من أنواع المعارف.([15])15 وهؤلاء الحراس ما زلنا نراهم في كافة البنيات الفكرية والاجتماعية والسياسية والإعلامية. فالنسق يعبر كل الحدود ويمتد في كل الأزمنة. فالمتنبي صور الشاعر كالملك الجبار الذي يأخذ ما بدا له قهرًا وعنوة. والفقيه يصبح حبر العلوم، والعلامة النحرير، وغيرها من أساليب التضخيم والإكراه الرمزي على القارئ والمتلقي؛ إنها شخصية الفحل المتفرد، شاعرًا أو فقيهًا، والتي تحولت إلى أنموذج الطاغية والمستبد. وزاد هذا الأنموذج النسقي ترسخًا بفعل التربية الثقافية التي عززت فكرة الماضي والأوائل، وآلية الحفظ في التعامل مع إنتاجهم؛ فما لدى الأوائل هو أرقى من كل ما يمكن أن يفعله اللاحقون، وهذا ما جاء مشروع التدوين الثقافي ليحميه ويحفظه، فانتشر الحفظ وضاع التأويل، وكثر التفسير والشرح وقل الكشف والنقد. وساهم هذا كله في تخليق أصنام ثقافية، فتضخمت أنا الفحول، وأعطوا وصفات متعالية، ونُزِّهوا عن النقد، وبُرِّئوا من العيوب. فتشكل الأنموذج الذهني الثقافي للطاغية بكل مبرراته الأخلاقية لسلوكه الأناني والمتجبر والمتعالي، لا يقيم اعتبارًا للآخر، ووسيلته مع المخالف هي سحقه وإقصاؤه واحتقاره، وهذا ضد لقيم القرآن الكريم التي جعلت الكلمة السواء قاعدة مشتركة مع كل الناس، كما أن القيم الأخلاقية الإسلامية العظمى منفتحة على الإنسان من حيث هو إنسان، هذه القيم التي تحث على الأسلوب السلمي الإنساني في معالجة العلاقة مع الإنسان المختلف كأسلوب من أساليب التسامح و التعارف والتأليف والتعاون.([16])16 عندها يصبح الدين بتعريف فيتغنشتاين، هو الشعور بالأمن بين الناس في العالم.([17])17 وهذه السمات كانت في أغلبها شعرية، كنا ننظر إليها بمنظار المتعة الجمالية، أو كانت فقهية ننظر إليها بمنظار الأخلاق والشرع، وكأن لا شيء غير ذلك، غير أن ما فيها أفدح بكثير من مجرد الجمالية أو الأخلاقية. هذا ما لعب فيه فن المديح دورًا كبيرًا، فأصبحت العلاقات بين المادح والممدوح هي أنموذج السلوك ونظام الخطاب في الحياة الثقافية كلها، فظهر المثقف الشحاذ وانتشرت ثقافة الاستجداء شعرًا ونثرًا، ووقع تحول رهيب في المنظومة الأخلاقية العربية والإسلامية، بل تشكلت "حكومة للبلاغة"، لا تقبل في منتداها إلا من كان وفيًا ومخلصًا للثقافة-النسق. نسق لا يمكن التخلص منه إلا بعمل شجاع ومتواصل، وهذا ما يحققه النقد الثقافي في كشف مضمرات النسق ورموزه كالمتنبي وأبي تمام ونزار قباني وأدونيس في الشعر العربي، وهي النماذج التي اشتغل عليها عبد الله الغذامي، ونماذج الفقهاء وثقافة التقليد التي تحتل حياتنا اليومية عبر الإعلام . فالمتنبي وأبو تمام ونزار وأدونيس ساهموا جميعًا، قديمًا وحديثًا، في تعزيز النسق وترسيخه وغرسه في الضمير الثقافي تحت ستار البلاغة والمجاز ودعاوى التجديد والخروج على النسق مما أوهمنا بحداثتهم! لما أصبنا نحن المتلقين بداء العمى الثقافي الذي يبثه النسق نفسه. لقد رسخ الشعر العربي (ديوان العرب) بنظر الغذامي كل معاني الرفث الثقافي، بواسطته تم تزييف المداحين لكل القيم، فصار معهم الأبلغ هو الأكذب وهو الأظلم وهو الأكثر ذاتية وأنانية وتعاليًا ودوسًا على قيم العمل والفعل. فحل العقل الصنيع محل العقل الذاتي، بتعبير ابن المقفع.([18]) 18 فمن خلال شعر المدح فقدت الصفات قيمتها الحقيقية وصدقيتها وعمليتها، لأن الخطاب المدحي يعتمد الكذب والمبالغة، باتفاق بين كافة أطراف عملية المدح، والمؤسسة الثقافية ترعى ذلك وتباركه؛ فالصفات تمنح للممدوح مقابل المقايضة المصلحية الفردية. بهذا كله ترسخ في ذهنيتنا " الفحل " شاعرًا وفقيهًا كعناصر مطلقة وأصنام بلاغية وأخلاقية، تولدت عنها صيغ أنموذجية مكرورة اجتماعيًا وسياسيًا وفكريًا وحرستها المؤسسة الثقافية وحرمت الاقتراب منها نقدًا أو كشفًا.

إن تشكل ظاهرة الفحل في الثقافة العربية، سواء كان شاعرًا أو فقيهًا أو حاكمًا أو مثقفًا، سمح بإسكات الآخر، ونشوء أعراف ثقافية متحكمة في مواصفات الخطاب، فتولدت الممنوعات الثقافية واخترع داء الصمت ورغب فيه حينًا، وفرض أحيانًا كثيرة. وسُوِّق الصمت، بنظر الغذامي، كقيمة عليا تفوق الكلام وتفضله([19])19. وهذا كله من أجل الخضوع للفحل والتسليم لكل مواصفاته وطاقاته الأسطورية؛ حتى لو أخطأ فخطؤه صواب مجازي؛ إذ يجوز له ما لا يجوز لغيره، فهو أمير الكلام، يتصرف في اللغة كيف يشاء، وهو الفقيه المجتهد، والمرجح، وهو الناطق باسم السماء وباسم الناس، تحرسه الثقافة بكل وسائل الحماية، وتتخذه أنموذجًا للقدوة الاجتماعية والفكرية ونسقًا يثبت ويترسخ؛ فقيم العنف رسخها النسق الثقافي بإغرائه الجمالي وحجاجيته الاصطلاحية، خصوصًا بعد تحويل (النحن القبيلة) في الثقافة العربية إلى الذات الفحولية المفردة والمستبدة والتي أزهرت فأخرجت أنموذج "الطاغية". ولم تستطع بعض المجهودات الذكية خرق النسق بتقوية ثقافة الهامش برغم المبررات التي اصطنعها الجاحظ لنفسه، فكتب عن السودان والبرصان والنساء والجواري والحيوان.. ولم تفلح كل أشكال التمزيق والتضييق والطرد التي مارسها الجاحظ على المتن الثقافي-النسق- المركز. إننا في حاجة اليوم إلى ترسيخ نظرية فاعلة في النقد الثقافي تلاحق النسق وتكتشف آثاره وتفضح علاماته ولاتسامحه. هذا النسق الذي يعيق كل تحرر أو إبداع في الذات، ويرسخ النزعات الأنانية، ويمنع أية عملية تواصل أو تلاحم بين عناصر الذات-الأمة، ليغرق في الذات-الأنا، وحتى الاختلاف لا يستوعبه إلا في إطار الوحدة الوهمية المشبعة بروح التعصب وادعاء الأفضلية، مما أحدث ثقوبًا كبيرة في فلسفة الاختلاف الإسلامية؛ ذلك أن الاختلاف الذي أقره القرآن الكريم ليس أبدًا اختلاف أفضلية أو استعلاء قبلي أو مذهبي، بل هو آية من آيات الله العظمى في النفس والكون.([20])20 وذهب بعض الفلاسفة الدينيين المعاصرين، في التفاتة جديرة بالتأمل العميق، إلى أن فلسفة التأليف الإسلامي تقتضي عدم النظر إلى العالم باعتباره خطًا واحدًا مستقيمًا ومئات الخطوط معوجة ومتكسرة، بل يتوجب النظر إليه كمجموعة من الخطوط المستقيمة تتقاطع وتتوازى وتتطابق. ثم أليس هذا هو معنى إشارة القرآن الكريم للأنبياء بأنهم على "صراط مستقيم"؟ أي أن كل واحد منهم على أحد الصراطات المستقيمة وليس "الصراط المستقيم" الوحيد.([21])21 ويضيف الفيلسوف عبد الكريم سروش أن الله تعالى هو الذي بذر التعددية والاختلاف في العالم؛ فبعث أنبياء مختلفين، وكان له تجل لكل واحد منهم، وأرسل كل واحد منهم إلى مجتمع.([22])22 وبهذا نفسر هذا التشرذم الذي تعيشه أمتنا، وهذا الزمن الرديء الذي تتخبط فيه. فهذا النسق المجزئ لذاتيتنا ظل متجذرا في وعينا وتمثلاتنا الذهنية، وعناصره الفكرية تمر من دون نقد حتى شكلت أساسًا ثقافيًا وذهنيًا متحكمًا يعيق الإبداع والحرية وكل عمليات التأليف بين عناصر الأمة. وما زال رموز النسق قديمًا وحديثًا، سواء في الشعر أو الفقه والمعرفة، أو الثقافة بشكل عام، يجدون تجاوبًا وجدانيًا عامًا داخل الفضاء العربي الإسلامي، يمارسون كل عمليات الزيف والتضليل والضغط، تحت دعاوى الهوية أو السلفية أو الحداثة.. مكرسين خطابات سحرية تركز على الذاتية والمطلقية والتعالي والانا المتضخمة، وتحويل القيم من بعد إنساني إلى بعد ذاتي مصلحي ضيق تحكمه السلطة والقوة واستذلال الفرد للحصول على مآرب شخصية حقيرة. لم يكن الشعر العربي يومًا تعبيرًا عن الذات الشاعرة القلقة، ولكن كان تعبيرًا عن النسق المهيمن الذي يمارس عنفه ولاتسامحه على الذهن، كما لم يكن قطاع واسع من المعرفة الإسلامية تعبيرًا عن طموحات الإنسان المسلم في التحرر والفعل التاريخي المؤثر، بقدر ما كان تعبيرًا عن مصالح ذاتية وفئوية وحزبية متخفية تحت غطاء الشرعية أو العلوم الشرعية أو القدسية، أو غيرها من الأغطية، مما يقتضي إزالتها وممارسة النقد الثقافي عليها.


([1]) ينظر: النقد الثقافي، قراءة في الأنساق الثقافية العربية، عبد الله الغدَّامي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2000م: 34.

([2]) ينظر: الثقافة والإمبريالية، إدوارد سعيد، نقله إلى العربية وقدم له كمال أبو ديب، دار الآداب، بيروت، الطبعة الأولى، 1997م: 47.

([3]) نفسه: 12.

([4]) النقد الثقافي: 60.

([5]) ينظر: الأسلوبية والأسلوب، عبد السلام المسدي: 154.

([6]) ينظر: النقد الثقافي: 72.

([7]) النقد الثقافي: 73.

([8]) ينظر: «حول الخطاب الإسلامي المأسور؛ قاهرية السلط المعرفية»، ميمون النكاز، مجلة المنعطف، فصلية فكرية ثقافية تصدر بالمغرب، العدد 11، 1416هـ/ 1995م: 4-5.

([9]) ينظر: النقد الثقافي: 80.

([10]) ينظر: النقد الثقافي: 93.

([11]) هذه رواية ابن حبان في صحيحه، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، 1414هـ/1993م: 13/ 93، 95. وأخرجه الشيخان كذلك (ينظر: صحيح البخاري، تحقيق: مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير-اليمامة، بيروت، الطبعة الثالثة، 1407هـ/1987م: 5/ 2279، صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، دون تاريخ: 4/ 1769).

([12]) ينظر: النقد الثقافي: 105.

([13]) تنظر العلاقة مع الغير من منظور علم النفس الاجتماعي في: القصد في الغيرية، بحث حول التجارب العربية الإسلامية، عبد الوهاب بوحديبة، الوسيطي للنشر، دون تاريخ: 19 وما بعدها. وينظر أيضا: «القصد في الغيرية، تجارب في التعددية في التجارب العربية الإسلامية»، عبد الوهاب بوحديبة، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، السنة السابعة، العدد 22، شتاء 1423هـ/2003م: 221-250.

([14]) ينظر: النقد الثقافي: 123.

([15]) ينظر: «الصراطات المستقيمة»، عبد الكريم سروش، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العددان 20-21، السنة 1423هـ/2002م: 137.

([16]) ينظر: «الكلمة السواء قاعدة للتعايش»، محمد حسين فضل الله، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العددان 20-21: 23، 33، 37.

([17]) ينظر: «التدين العقلاني، مقاربات في السمات والمرتكزات المعنوية للتدين»، مصطفى ملكيان، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العددان 20-21: 9.

([18]) ينظر: النقد الثقافي: 189.

([19]) نفسه: 205.

([20]) ينظر: «الأصول المنهجية لفقه التعارف والتعاون وثقافة التعايش»، حوار مع طه جابر العلواني، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد 22: 24.

([21]) ينظر: «الصراطات المستقيمة»: 150.

([22]) ينظر: «الصراطات المستقيمة»: 144، 145.