حوار مع د. محمد أبو المكارم كاتب وقيادي سابق في جماعة الإخوان المسلمين: الرؤية الجديدة للإنسان أيا كان دينه

فئة :  حوارات

حوار مع  د. محمد أبو المكارم كاتب وقيادي سابق في جماعة الإخوان المسلمين: الرؤية الجديدة للإنسان أيا كان دينه

محمد سلامة أبو المكارم مواليد محافظة الجيزة ــ البدرشين 6/6/1956. طبيب ومفكر إسلامي، له كتاب بعنوان : "تركيبة النفس البشرية ــ حجة ومرجعية"، اختلف مع الإخوان إثر آرائه التي أوردها فيه، واعتزل العمل المؤسسي بعد أن كان مسؤولاً عن شعبة البدرشين الخاصة بالتنظيم الإخواني. تم اعتقاله وهو طالب في جامعة الأزهر، ثم اعتُقل مرة أخرى في عام 1995 وتم تحويله إلى محاكمة عسكرية وحُكم ببراءته، ثم اعتقل في أثناء انتخابات مجلس الشعب عام 2000، وكانت آخر الاعتقالات 31/5/2007.

كنت قياديًا كبيرا في جماعة الإخوان، والآن أنت خارج التنظيم. ما الذي حدث؟

محمد سلامة أبو المكارم : لست على خصام مع الفكرة العامة للإخوان، وإنما حدث خلاف حول الممارسات وبعض الرؤى الفكرية، ولم أشأ أن يتطور الخلاف إلى صراع مع من كافحت معهم مرارا، واعتقلت في سبيل الفكرة، فقررت الاعتزال .

هل هو خلاف فكري تحول إلى خلاف ديني، أدى إلى تناقض في الرؤي والممارسات؟

محمد سلامة أبو المكارم : لقد طرحت في كتاباتي رؤية جديدة للإنسان أيا كان دينه، يستطيع من خلالها التمييز بين الصواب والخطأ، كلامي لم يعجب البعض، وبدأت بذور الخلاف فقررت الابتعاد، ومواصلة رسالتى من خلال كتاباتي ودراساتي.

وهل أنت الآن داخل الجماعة أم خارجها ؟

محمد سلامة أبو المكارم : أنا خارج التنظيم الآن، لكنني لا أستطيع القول إنني خارج الجماعة بشكل كلي، أنا قضيت أكثر من عشرين عاما مسؤول عن شعبة بالجماعة، وهي مرتبة قيادية كبيرة، ومازلت حتى الآن بمثابة الأب الروحي لشباب الأخوان في المنطقة التي كنت أتولى المسؤولية القيادية فيها (البدرشين)، هؤلاء الشباب أنا من تولاهم بالرعاية والتربية على المنهج الإخواني في كل مراحلهم العمرية، كنت الأستاذ والمعلم، وأعتبر نفسي مسؤولا عنهم إلى الآن، الشيخ القرضاوي خارج التنظيم مثلا لكنه ينتمي للإخوان كفكر.

وهل كنت راضيا عن المنهج الإخواني الذي قمت بتربية براعم وشباب الإخوان عليه؟

محمد سلامة أبو المكارم : لا، لست راضيا عنه بشكل كامل، وكانت لي اعتراضات كثيرة.

ولماذا واصلت العمل بمنهج تراه قاصرا؟

محمد سلامة أبو المكارم : لم يكن هناك غيره، وكان لابد لي من مواصلة النضال في سبيل الهدف الأسمى.

هل أفرزت تلك المناهج كوادر لديها القدرة على الحكم وتسيير شؤون البلاد؟

محمد سلامة أبو المكارم : هذه إشكالية كبرى، أتذكر أثناء اعتقالي عام خمسة وتسعين وكنت مع عصام العريان، فسألته هل أعددنا العدة لحكم مصر؟ وهل لدينا كوادر تستطيع الإمساك بمقاليد الأمور أم لا؟ ولم يجب.

وما رأيك و أنت كنت واحدا من المسؤولين عن إعداد تلك الكوادر ؟

محمد سلامة أبو المكارم : لا أحب مهاجمة الجماعة من الخارج، أو الخوض في أمور خلافية.

لماذا؟ ألا يتعارض ذلك مع النهج الديموقراطي وحرية التعبير؟

محمد سلامة أبو المكارم : اسمع، لم نتعود ذلك، الجماعة استهلكت في صراع سياسي طويل، تعرضنا للسجن والاضهاد، أنا نفسي سجنت وتعرضت للمحاكمة العسكرية، كان الانشغال الأكبر بالنضال ضد النظام المستبد، ولم يكن الاهتمام بالمناهج وإعداد الكوادر على المستوى نفسه.

وما رأيك في أداء الإخوان في إدارة البلاد بعد وصولهم للحكم؟

محمد سلامة أبو المكارم : كان حكم مبارك مستبدا، وكان الإخوان هم البديل في حال سقوط النظام، باعتبارهم القوى الأكثر شعبية وتنظيما، كان التواجد في الشارع واضحا، وكانت هناك شعبية للجماعة رغم القهر السلطوي. وعليه، فقد اعتمد الإخوان على القاعدة الشعبية وعملوا على تنميتها، لكن الوصول للحكم يتطلب الخروج إلى قاعدة جماهيرية أوسع والانفتاح على أفكار أخرى، كان لابد من الخروج إلى الجميع، واعتماد خطاب سياسي شامل يخاطب الكل، وهو ما لم يحدث، أصبحت إدارة البلاد مهمة ثقيلة جدا والرؤية مضطربة.

إذاً لا تعرف الجماعة غير خطاب واحد موجه إلى العامة، مما جعلها في صدام مع النخبة المثقفة.

محمد سلامة أبو المكارم : نعم، وذلك يرجع إلى الخلل المنهجي الذي تحدثت عنه، كنت أربي الشباب على منهج ألمس كل نقاط الخلل فيه، فتكون النتيجة هي شعوري بأنني لا أفعل شيئا، لكن الانشغال الدائم بالصراع السياسي مع النظام حال دون تطوير منهجيات إعداد الكوادر.

لكنك مازلت تنتمي للفكرة العامة للجماعة رغم خلافك معها، كيف ذلك؟

محمد سلامة أبو المكارم : أنا حاليا أرفض مبدأ الانتماء، أنا أنتمي لما أراه، فكرة حسن البنا كانت مناسبة لوقته، لكن هناك الكثير من أفكاره يمكن اعتبارها أفكار تاريخية انتهت بانتهاء زمانه، لكني أؤمن بالحلم، وبالسياق العام للفكرة .

أية فكرة ؟ هل تقصد الخلافة مثلا ؟

محمد سلامة أبو المكارم : وما العيب؟ الخلافة أمل، لكن هناك فهما خاطئا لها، الخلافة ليست تصديرا للعنف، أو اعتماد سياسة الغزو، لو حدثت الخلافة عام ألفين وخمسين مثلا، فهذا يعني أن الناس كانت مهيأة لها قبل حدوثها. ما المانع لو قامت خلافة إسلامية إذا كانت الأوضاع مهيأة لذلك وقبل بها الناس؟

ألا ترى أن هذا خيال؟ ألا ترى أنك ترتد إلى الوراء بفكرة الخلافة، وأن الأوضاع لا تسمح بهذا الخيال؟

محمد سلامة أبو المكارم : حتى لو كان خيالا، ما المانع من تطوير هذا الخيال، فتصبح الدول الإسلامية ولايات يحكمها حاكم واحد، مثل الولايات المتحدة؟

لكن الوضع مختلف، هناك تنوع عرقي وديني في الولايات المتحدة، والمرجعية دستورية، بينما أنت تجعل من الدين مرجعية وقومية.

محمد سلامة أبو المكارم : الخلافة في نظري أمر سياسي يقوم على قبول الدول بالدخول في وحدة سياسية، لا أراها كيانا دينيا، بل كيان سياسي يعتمد على التهيئة والقبول أولا وأخيرا، أنا أراها حلما مثاليا يعتمد على قراءة تنازلية للواقع.

بحكم موقعك القيادي السابق في جماعة الإخوان، هل ترى أن الجماعة أصبحت كيانا اجتماعيا مغلقا على أبنائها؟

محمد سلامة أبو المكارم : لا، الإخوان يتعاملون في الحياة اليومية مع غيرهم .

هل يتصاهر الإخوان مع غيرهم؟

محمد سلامة أبو المكارم : أجل، يحدث في أحيان كثيرة أن يقوم "أخ" بالزواج من غير إخوانية، وتصبح آنذاك في مرتبة زوجة أخ، ويمكن ضمها للجماعة إن أرادت .

وهل يستطيع الزواج من يسارية مثلا أو ليبرالية؟

محمد سلامة أبو المكارم : لا، طبعا، الخلاف الفكري لا يتحمله بيت، لابد أن تكون زوجة الأخ موالية على الأقل، سلفية مثلا، بل يمكن أن يتزوج أجنبية أو حتى مسيحية شريطة ألا يحط الزواج من مكانته الاجتماعية داخل الجماعة وخارجها، هناك الكثير من العناصر الواجب توافرها، ولا يستطيع أحد داخل الجماعة أن يحيد عنها، وحتى في الأسر العادية لابد أن يقوم الزواج على التوافق، هو ليس مغلقا، لكنه منفتح بضوابط .

هل يمكن للمارسة السياسية أن تجعل الجماعة أكثر انفتاحا على الآخر؟

محمد سلامة أبو المكارم : نعم، بل ستجبرها على ذلك، وسيتم تقديم تنازلات والوصول إلى تفاهمات، وإلا انفجر الوضع، وخرجت الأمور من بين أيديهم. الوصول إلى الحكم يختلف تماما عن النضال السياسي، وهو بالتالي يفرض على الحاكم قناعات جديدة لم تكن في حسبانه من قبل، هذا الانفتـاح قـادم لا محـالة .

ما رؤيتك للمستقبل القريب؟

محمد سلامة أبو المكارم : كل الأمور تدفع إلى ثورة جديدة، لكنها ثورة فكرية ستقوم بإعادة هيكلة العقل، ستأخذ وقتا، لأن الأنساق الفكرية تستغرق وقتا طويلا في التطور، لكنها قادمة لا محالة، وقد تخرج إلى آفاق لا يحسب أحد حسابها.