مأزق الفكر أمام متخيّل الإسلام السياسي

فئة :  مقالات

مأزق الفكر أمام متخيّل الإسلام السياسي

انتعشت الحركات السياسية الإسلامية داخل سياق من الفشل العام اقتصاديًا، واجتماعيًا، وسياسيًا، وثقافيًا. فشل طال مختلف النماذج التي عملت الأنظمة العربية على اختبارها، سواء استمدتها من الشرق أو من الغرب، وقد كانت الأنظمة تجد لاختبار هذه النماذج سندًا إيديولوجيًا محليًا ودعامة في التراث باستمرار.

فقد سلك المجتمع السياسي، في كافة الأقطار العربية، سياسات أفرزت تناقضات مجتمعية، وانشطارات فكرية عميقة في الأنسجة الاجتماعية والفكرية، ولدت، هي بدورها، أشكالاً متعددة من الرفض والكفر بالحاضر وبالقيم الرائجة. فمن الناس من يعثر على خلاصه في الهجرة أو النفي، بكل ما يحمله ذلك من انكواء ومعاناة، ومنهم من ينخرط في متخيل جمعي يقول بوعد أخروي، ويتبرم من الموجود بسبب الانكسارات والإحباطات المتراكمة، ويدعو إلى استئناف نموذج ذهبي يجعل من الماضي مستقبل الجميع وخلاص الناس. ومنهم من لا يزال متشبثًا بثوابته الإيديولوجية العامة، لا محيد له عنها بالرغم من التحولات العالمية والارتجاج التراجيدي الذي أحدثته انتفاضات" وثورات ما سمي، باطلاً، بـ"الربيع العربي".[1]

ليست مقاربة المتخيل بالأمر البديهي، لأن تعبيراته ورموزه ودلالاته لا تستجيب للصرامة العقلانية دائمًا، كما أن تعريف المتخيل ليست عملية سهلة؛ فقد يتجرأ المرء على تعريف بعض مكونات المتخيل، مثل الرمز والأسطورة والرسم الخيالي...إلخ، ولكننا لا نعثر على تحديد دقيق لمعنى المتخيل، ولا سيما أن التحديد عملية تفترض ما يتجاوزها دائمًا، كما أن المتخيل يحيل على مجال متموج باستمرار.

إن دراسة مختلف تجليات المتخيل، سواء كانت ذات مضامين أدبية دينية سياسية، أو تعبر عن بعض رموز المخيلة الشعبية، تستهدف، في العمق، الكشف عن كلام المجتمع، ورصد الدينامية الخاصة للرموز والحكايات والإدراكات المختلفة التي تولدها جماعة معينة، سواء في زمنيتها العامة، أو عند الهزات التاريخية والسياسية الكبرى.

ويستدعي التفكير في المتخيل، من ناحية أخرى، البحث في المكونات الثقافية، وفي السياق المعرفي والتاريخي الذي يحصل فيه هذا التفكير، ومن ثم فإن دراسة هذا المجال من التعبيرات الرمزية الإنسانية، تستجيب لمقتضيات ومستويات النظر بقدر ما تؤثر على وضعية ثقافية بعينها.

ويجوز القول بأن الانكباب على بحث أشياء المتخيل يوحي بأزمة في الفكر وانسداد في النظر، ولا سيما الفكر العقلاني. وإذا كان الفكر العربي الحديث قد واجه، وما يزال يواجه، مسألة العقلانية والحداثة داخل مجتمع تقليدي مازالت فئات عريضة فيه لم تتحرر من معتقداتها المحبطة للمبادرة وللفعل الإبداعي، فإن هذا الفكر لم يعش، في بداياته، التناقض الجذري بين العقل والإيمان أو العلم والدين، كما حصل للفكر الغربي الحديث. استبعدت عقلانية ديكارت كل اهتمام بالخيال والمخيلة، لأنها "مصدر تشويش" على قواعد التفكير العقلاني. أما الفلاسفة اللاحقون، فإنهم أدخلوا التفكير في الصورة ضمن عنايتهم العامة بالفن والإبداع؛ أي إذا كانت المخيلة "سيدة الخطأ والضلال" عند ديكارت، فإنها أصبحت، عند كانط مثلاً، عنصرًا في عملية اكتساب المعرفة في سياق الانتقال من الإدراك إلى الفهم. ولكي لا ندخل في تفاصيل تطور حضور الصورة والخيال في البناء الفكري الغربي، نقول إن الإقصاء العقلاني الديكارتي، وامتداداته المختلفة لعنصر المخيلة في المعرفة، تقلص بشكل كبير مع اكتشافات العلوم الإنسانية، ولاسيما على صعيد التحليل النفسي والأنثربولوجيا، والتاريخ، والسياسة، حتى تمكن الغرب، بتناقضاته واختلافاته، من خلق تركيب فكري وسياسي يسمح له بشروط تسمية الذات وتسمية الآخر.

ويبدو أن من الأسباب العميقة التي كانت وراء نشأة العلوم الإنسانية في القرن التاسع عشر، في شكلها المنهجي، رغبة نخب المجتمع الصناعي المتنامي في فهم توازن واختلالات التحولات الجذرية التي أحدثتها اكتشافات العلم والإحاطة بالظواهر السوية والمرضية للبنيات الاجتماعية، والنفسية، والسياسية، والتاريخية للمجتمعات الغربية.

وقد اكتسب الغرب قدرة على تشريح الذات ونقدها، والكشف عن المتخيل فيها لخلق شروط التوازن، وقدرة على دراسة الآخر وإدراك اختلافاته، سواء تم ذلك بتوجيه الإيدولوجيا أو العلم. ويتوفر الغرب إذن، على رصيد مادي ورمزي من إنتاجات وإبداعات الحضارات المختلفة عنه ويحوز، اعتمادًا عليها، على تصورات يتداخل فيها الواقعي بالمتخيل. وهو بذلك، وكما يقول هشام شرابي يعرفنا اعتمادًا على مناهج دقيقة، و" يُعرفنا كما يشاء، وهو بقدرته الفائقة على تسمية الأشياء؛ إذ يسمينا، يحدد ماهيتنا )من نحن وما نحن( وبالتالي يقرر موقفه منا وأسلوب معاملته لنا. وفي كل الأحوال، هدفه بالنسبة للآخر، هو أن يخصيه، بالمعنى الفرويدي للكلمة، كشرط للهيمنة عليه كليًا".[2]

فمنذ بداية القرن التاسع عشر والغرب يعمل على إجهاض كل محاولات النهوض العربية الإسلامية إلى الآن، وفي كل مرة يجد الوسائل الملائمة لإدامة التأخر التاريخي العربي، الأمر الذي أفرز، عبر امتدادات وتعرجات الزمن العربي الحديث، ظواهر فكرية وسياسية تمكن الفكر العربي من التقاط بعض أسبابها ومكوناتها بطرق عقلانية، وفلتت منه مستويات متعددة من هذه الظواهر، ولاسيما ما يتعلق بالتعبيرات الانفعالية والعاطفية لمختلف الخطابات العربية أو التجليات الرمزية والمتخيلة للصيغ والمواقف التي تتخذها هذه الفئة أو تلك إزاء الوقائع العربية.

إن عملية الخصي التي يقوم بها الغرب للعرب والمسلمين "تتم بطرق وأساليب غير مباشرة من خلال العلاقات الاقتصادية والسياسية، بواسطة الثقافة والإعلام. من هذا المنظور تبدو الردة البطركية الجذرية )الخمينية( على أنها الردة الوحيدة الفعالة والقادرة على حماية الهيئات السياسية، وعلى مجابهة هذه الهجمة ووضع حد لعملية الخصي التي يمارسها الغرب ثقافة وقوة وإعلامًا".[3]

جاءت مختلف فصول محنة الخليج، كما الاصطدامات المتوالية، وتعبيرات ما نعت بـ"الحراك العربي"، لتعطي لهذا الوصف كل دلالاته التراجيدية، وأقصى درجات العنف والعداء، وكشفت عن أوهام وتخيلات وادعاءات وأكاذيب وانفعالات، وبدأ العالم العربي وكأنه كان في حاجة إلى زلزال من حجم ما حدث في تونس ومصر سنة 2011 لكي يسقط، أكثر مما يحتاج إلى نموذج، ويسقط الفكر في نوع من الحيرة وصعوبة في الاشتغال، ويعيش الفكر العربي، وكأنه في وضعية شبه توقف تام. حتى إن التفكير في القلق الوجودي العام الذي يستحوذ على نفوس الناس لم يتم التعبير عنه بعد. وبقدر ما تتغير الأمور وتشتد الوقائع نلاحظ انسحابًا للفكر، وبدت المقولات التي اشتغل عليها الباحثون والمفكرون، بمختلف نزعاتهم وميولاتهم متجاوزة. فإما أن تجد اجترارًا غير خجول للموضوعات والمقولات السابقة، وإما حيرة فكرية مبعثها كون الضربات التي يتلقاها الكيان العربي تبدو، في كلّ مرة، أكبر وأهول من حدود التصور، حيث لم تعد تسمح الوقائع وموازين القوى بإعادة إنتاج كلام عن القومية العربية، والوحدة وفلسطين...إلخ، اعتمادًا على المقولات السابقة عن محنة الخليج إلى الآن، بل هناك من المثقفين العرب من بدأ يردد شعارًا رفع من طرف بعض المستعربين الأوروبيين، مفاده أن الانشقاق الهائل الذي يحصل يسمح بالقول بنهاية " العالم العربي" كيانًا وامتدادًا ثقافيًا وسياسيًا.

إن عمليات الخصي المتلاحقة، واشتداد الأحداث، والتوقف عن التفكير، والحيرة الوجودية، هي حالات متداخلة ومتشابكة أدت بفئات من المثقفين وغيرهم إلى الوقوع في الإحباط، وإلى اجترار خطاب يدعو إلى الخلاص برفضه الحاضر، وتكسير مؤسساته ومرتكزاته، وإعادة تكوين مقومات الذات باستحضار عِبر الماضي القدسي ونماذجه الطاهرة من شوائب الزيف والضلال؛ أي إدخال الدين في السياسة، وترشيد السياسة اعتمادًا على تعاليم الدين، وإضفاء ما يلزم من أبعاد أخلاقية على الممارسة السياسية.

يتعلق الأمر برفض تام للواقع، وبإرادة عارمة للقوة تتطلع إلى تكسير مقوماته التي لم تؤدّ إلا إلى انسداد الآفاق، والنظر إلى المستقبل اعتمادًا على نماذج لا زمنية للماضي، وذلك بصياغة خطاب سياسي رومانسي يستقطب، باسم مرجعيةٍ قدسيةٍ ونهجٍ خطابيَ استنكاريَ، فئات واسعة من المهمشين والعاطلين والناقمين، وبعض شرائح الفئات الوسطى.


[1]- انظر في هذا الصدد كتابنا: الديمقراطية المنقوصة، ممكنات الخروج من التسلطية وعوائقه، منتدى المعارف، بيروت، 2013

[2]- هشام شرابي، كيف نفهم الغرب؟ في كتاب "الثقافة العربية في المهجر"، دار توبقال للنشر، الدارالبيضاء، 1988، ص 26

[3]- هشام شرابي، المصدر السابق، ص 26