مارتن لوثر على ضوء التحليل النفسي

فئة :  مقالات

مارتن لوثر على ضوء التحليل النفسي

كان عالم النفس الأمريكي الدكتور إريك إريكسون قد نشر عام 1968 كتاباً عن المصلح الديني الكبير تحت عنوان: "لوثر شابّاً". وقد أصبح كلاسيكياً فيما بعد من حيث براعة منهجه في تفسير آلية تشكّل الشخصيات العظمى في التاريخ، وكيف أنها تولد مرّتين لا مرّة واحدة، على عكس الناس العاديّين. ثم ترجمه الفرنسيون لاحقاً بإشراف المؤرخ الشهير فيرنان بروديل تحت عنوان: "لوثر قبل أن يصبح لوثراً"[1]. ولقي هذا الكتاب ضجّة كبيرة أثناء صدوره لدى أوساط المؤرّخين والمحلّلين النفسانيين بشكل خاص. وحظي بتعليقات كثيرة وردود فعل صاخبة، أحياناً متحمّسة وأحياناً متحفظة. ما هي الأطروحة الأساسية التي بنى عليها إريكسون كتابه كلّه؟ إنها تتلخّص في ما يلي: جميع البشر يعانون من أزمة نفسية حادّة قليلاً أو كثيراً نتيجة الانتقال من مرحلة الطفولة إلى مرحلة النضج، وتبلغ هذه الأزمة ذروتها في مرحلة المراهقة؛ أي في حوالي الثامنة عشرة أو العشرين من العمر. لهذا السبب تكون مرحلة المراهقة صعبة وعنيفة في معظم الأحيان، ولكنّ عموم البشر يجتازونها بسلام، وحدها الشخصيات الاستثنائية تجد صعوبة في عملية الانتقال هذه، ولذا فإنّ هذه العملية تطول لديها كثيراً، وبشكل غير طبيعي. أحياناً تستمر عشر سنين أو حتى عشرين سنة إضافية. إنها لا تستطيع أن تترك عالم الطفولة تماماً، ولا تستطيع أن تلتحق بعالم الناضجين تماماً، وهكذا تظلّ تتذبذب أو تتمزّق أو تتأرجح بين بين. إنها تدخل في أزمة تناقضيّة حادّة مع ذاتها، أزمة قد تطول سنوات عديدة قبل أن تنتهي بالحلّ. فإذا انتهت على خير قلنا إنّ الشخصية استثنائية أو عبقرية، إلخ... وإذا انتهت على شر؛ (أي إذا انتحر الإنسان أو جنّ) قلنا إنّه شخص مريض أو مأزوم ولا علاج له.وهنا، على هذه الشعرة الرقيقة جداً جداً، يتمايز العبقري عن المجنون. كلّ ما فعله إريكسون هو أنه طبَّق هذه النظرية على شخصية لوثر قبل أن يصبح ذلك المصلح الديني الكبير الذي نعرفه، وحلَّل عقده وأزمته النفسية التي عانى منها منذ المراهقة الأولى، حتى بلغ الثلاثين عاماً تقريباً، بل قارن بين أزمة لوثر وأزمة داروين وفرويد وبعض الشخصيات الكبرى الأخرى. ففرويد أيضاً عانى من أزمة حادّة قبل أن يتوصّل إلى اكتشافه الكبير في أواخر القرن التاسع عشر. ولم يكن هذا الاكتشاف إلا التحليل النفسي ذاته: أي استكشاف تلك القارة المعتمة، الخطرة، المترجرجة، الغائصة في أعماق اللاوعي. هكذا نجد أنّ الاكتشافات الكبرى في التاريخ تجيء عادة بعد مخاضات عنيفة وأزمات تناقضيّة حادّة مع الذات. إنها تنتج عن شخصيات عصابيّة ـ أو حتى مرضية- لا تستطيع أن تشفى إلا بعد أن تحقق اكتشافها الكبير أو تضرب ضربتها الكبرى. بالطبع هناك شباب حسّاسون جداً ويعيشون نفس نوعية الأزمات التي تعيشها الشخصيات الاستثنائية، ولكنهم لا يستطيعون التوصّل إلى حلّ فيموتون وسرّهم معهم. إنهم يفضّلون الانعزال والصمت الأبدي على دخول حلبة التاريخ. كم من المواهب الحقيقية قُتلت أو ماتت، وهي في عمر الزهور؟ هؤلاء الأشخاص لن نعرف عنهم شيئاً، لأنهم لم يتركوا أثراً أو بصمة على صفحة التاريخ. ولكنّ هذا لا يقلل من أهميتهم أو من مثاليتهم وعذابهم. لقد كانوا من المثالية والبراءة، حيث إنهم فضلوا عدم التلوُّث بهذا العالم، والامّحاء كلياً من الوجود.

وفي نهايات القرن الماضي، صدر في باريس كتاب ينحو في الاتجاه نفسه، وذلك بعنوان: العبقرية والجنون[2]، وهو من تأليف أحد الاختصاصيين في الطبّ النفسي والأنثربولوجيا. وبرهن هذا الباحث بكلّ وضوح على وجود علاقة بين العبقرية والعُصاب النفسي؛ فمعظم العباقرة في مجال الأدب والفن والمجالات الأخرى أيضاً كانوا مصابين نفسياً، وإن بأشكال مختلفة ومتفاوتة، ولم ينجوا من مرضهم إلا عن طريق الإبداع. والفرق الوحيد بين العبقري والمجنون هو أنّ الأول يستطيع أن يلجم جنونه عن طريق الإبداع، عن طريق إنجاز عمل خارق، في حين أنّ الثاني لا يستطيع أن يتوصّل إلى ذلك، رغم كلّ محاولاته اليائسة، فيسقط كليّاً ويغطس في ليل الجنون.

وقد تحدّث عن ذلك مرّة الفيلسوف الفرنسي الماركسي لويس ألتوسير الذي خنق زوجته هيلين في لحظة جنون هائجة، ولذلك أنصحكم بعدم تدليل زوجاتكم أكثر من اللزوم، تحدّث لويس قائلاً إنّه هو وميشيل فوكو كانا مصابين نفسياً في شبابهما الأول، وأنهما كانا يمشيان على سلك رقيق جداً، ويمكن أن يسقطا في فوهة الهاوية في أيّة لحظة. ولكن ميشيل فوكو نجا في نهاية المطاف، في حين أنه هو؛ أي ألتوسير، غطس كلياً في غياهب الجنون. وقال إنّه عندما قرأ مقدمة فوكو الرائعة والبركانية النيتشوية لكتابه: تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، عرف أنّ صديقه قد نجا. هكذا نلاحظ، أنّ فوكو لم يستطع أن يتخلص من خطر الجنون إلا عن طريق ضربة إبداعية خارقة، عن طريق تكريس أطروحة ضخمة له، والتحديق به وجهاً لوجه.

وهنا تكمن عظمة فوكو وعبقريته، لقد استخدم السلاح نفسه الذي نصحنا به أبو نواس في بيته الشهير: وداوني بالتي كانت هي الداء... وعموماً، إذا ما استعرضنا أسماء كبار المبدعين في التاريخ وجدنا أنّ معظمهم كانوا "مصابين" بشكل خطير قليلاً أو كثيراً. نذكر من بينهم لوثر بالطبع، ولكن هناك أيضاً بيتهوفن وشوبير وبودلير وديستويفسكي وكافكا ونيتشه وجيرار دونيرفال وموباسان ورامبو وغوته وعشرات غيرهم. لا يمكن أن تغيّر العالم أو أن تبدع إبداعاً خارقاً وأنت شخص عادي كبقية البشر. ينبغي أن تتميّز بتركيبة نفسية خاصّة. وعموماً، فإنّ كبار المغيّرين في التاريخ كانوا يتميّزون بصفة أساسية: ألا وهي استعدادهم للتضحية بأنفسهم من أجل القضية إذا لزم الأمر. انظروا حالة النبي محمد أو لوثر نفسه أو المسيح أو سقراط، بل حتى جان جاك روسو في العصور القريبة. فالكثيرون يعتبرونه بمثابة نبي العصور الحديثة... فقد خاطر بنفسه من أجل قناعاته، ووضع روحه على كفه، وضحّى بطمأنينته الشخصية بعد أن همّوا بقتله أكثر من مرة.

يركّز إريكسون في أطروحته عن لوثر على المسألة التالية: كان لوثر يعاني من عقدة نفسية تجاه أبيه بسبب خشونة هذا الأخير معه ومعاملته القاسية له عندما كان صغيراً، ولم يستطع أن يتحرَّر من هذه العقدة إلا بعد أن خاض معركة هائلة وشرسة مع نفسه. وقد انعكست هذه العلاقة على صورة الله نفسه، فقد أصبح يراه أيضاً بشكل مرعب ومخيف على صورة الأب.[3] ولم يستطع أن يتخلَّص من هذه الصورة إلا بعد أن توصّل إلى كشفه اللاهوتي الكبير، وتخلَّص من التديُّن المظلم والعابس للقرون الوسطى. ولذا فيمكن اعتبار لجوئه إلى الدير بمثابة اللجوء إلى مستشفى روحي بدلاً من اللجوء إلى مصحّ عقلي؛ لأنّ المصحات العقلية لم تكن موجودة في ذلك الزمان. لقد أتاحت له فترة السنوات العشر الأولى من إقامته في الدير أن يصفّي حساباته مع نفسه، أن يهدّئ من روعه ولو قليلاً، أن ينزل إلى أعماق أعماقه لكي يدرك سرّ المرض الذي ينخر فيه والداء العضال. ولكنّ هذه الفترة الهادئة من حياته والمنسحبة كانت بمثابة الهدوء الذي يسبق الإعصار. فهذا الرجل الهادئ، الوديع، المنسحق تحت وطأة آلامه النفسية، من كان يتوقّع أنه سيصبح بعد عشر سنوات فقط أحد كبار الانقلابيين في التاريخ؟ هذا الرجل الذي يخجل من نفسه، بل يخشى حتى من ظلّه، من كان يعتقد أنّه سيصبح بعد سنوات قليلة أكبر خطيب في عصره وأكبر محرِّر ـ أو محرِّك- للجماهير؟

للبرهنة على أطروحته، يتوقف إريكسون مطوّلاً عند حادثة أساسية للوثر بعد دخوله إلى الدير، وهي تكشف عن سرّ أزمته وعلاقته المرعبة مع أبيه؛ فعندما كان يردّد بعض التراتيل الدينية مع زملائه من الرهبان الآخرين سقط فجأة على الأرض، وهو يرغي ويزبد، وسمعوه يتمتم بكلام غامض غير مفهوم لم يدركوا منه إلا العبارة التالية: ليس أنا ! ليس أنا ! ليس أنا !... في الواقع أنّ أحدهم كان قد تلا أمامه ذلك المقطع من الإنجيل الذي يتحدث عن رجل جاء إلى المسيح، وهو يجرّ ابنه المصاب بالصرع. يقول المقطع: "وإذا رجل من الجمع صاح: يا معلّم، أسألك أن تنظر إلى ابني فإنه وحيدي، يحضره روح فيصرخ بغتة، ويخبطه حتى يزبد، ولا يفارقه إلا بعد أن يرضّضه. وقد سألت تلاميذك أن يطردوه فلم يستطيعوا... فانتهر يسوعُ الروحَ النجسَ، وأبرأ الصبي، وردّه إلى أبيه، فدهشوا جميعاً من عظمة الله".

عندما سمع لوثر هذا المقطع ارتجف رعباً وسقط أرضاً كما قلنا، لأنه تذكر قصة شهيرة جرت له مع أبيه اتهمه فيها بالاختلال العقلي أو بالجنون. ولذلك راح يردّد بشكل هستيري تقريباً: ليس أنا، ليس أنا... لكأنّه يريد أن يردّ التهمة عن نفسه، أن يقول: أنا لست مجنوناً، أنا لست هذا الشخص المصاب بالصرع، والذي جاء لكي يبرّئه المسيح... من المعروف أنّ والده لم يرضَ إطلاقاً عن دخوله إلى الدير، ولم يقبل بالأمر الواقع إلا على مضض. كان يريده أن يصبح قاضياً أو موظفا كبيراً في جهاز الدولة براتب محترم. وقد وصل الأمر إلى حدّ التهديد بالتبرؤ من ابنه كليّاً وقطع كل علاقة معه. ولكنه اضطر إلى التراجع عن ذلك فيما بعد، مثل كلّ الآباء الذين يظلون متعلقين بأبنائهم على الرغم من كل شيء. فبعد مرور أكثر من سنة أو سنتين على دخوله إلى الدير، جاء وقت تنصيبه (أو سيامته) ككاهن. وكانت العادة أن يدعو الشاب بهذه المناسبة عائلته وأصدقاءه المقرّبين لحضور الحفل المهيب في الكنيسة بالإضافة إلى الشخصيات الرسمية من دينية ودنيوية. وبالتالي فقد اضطر لوثر لدعوة أبيه، وهو خائف من ردود فعله، لأنه يراه لأولّ مرة منذ دخوله إلى الدّير قبل عدة سنوات، فجاء هانز لوثر على حصان ومعه عشرة من الخيّالة وجلب الكثير من الأطعمة والهدايا للاحتفال بالمناسبة. وفرح لوثر بذلك واعتقد أنّ أباه قد أذعن للأمر وقبل بخياره أخيراً بأن يصبح كاهناً ولم يعد ناقماً عليه. ولكنّ المفاجأة سرعان ما حصلت لاحقاً. فبعد انتهاء الشعائر الدينية والاحتفال الرسمي جلس الجميع بمن فيهم رئيس الدير والشخصيات الرسمية على مائدة الغداء الكبيرة، وكان لوثر يجلس إلى جانب والده، وفجأة قطع الوالد المأدبة، وتوجّه إلى كبار اللاهوتيين والشخصيات الحاضرة بالكلام التالي: يا سادة، إني أناشدكم: ألم يجئ في الكتاب المقدّس بأنه ينبغي على الولد أن يطيع والديه؟ إني أشهد أمامكم أنّ ابني مارتن قد خذلني وخذل أمّه، وتخلّى عنا ونحن في سنّ متأخرة، فقد كنا نتوقع أن يعيلنا بعد أن صرفنا عليه وعلى دراسته كلّ جهدنا وعرق جبيننا، ولكنه فضّل الانسحاب من مسؤولياته والالتحاق بالدير وتركنا وحدنا... فردّ عليه ابنه قائلاً بأنّ الصاعقة التي نزلت عليه وكادت تودي به كانت علامة مرسلة من السماء، وأنه لا يستطيع أن يعصي أمراً جاء من فوق، وعندئذ احتدَّ أبوه، وقال له: أخشى ألا تكون علامة من الشيطان ... وأصابت هذه الكلمات من لوثر مقتلاً. والواقع أنه عندما سقط في باحة الدير مغميّاً عليه وهو يردّد: ليس أنا، ليس أنا، كان يريد أن يقول: أنا لست ممسوساً، أنا لست مريضاً، أنا لست مذنباً. أنا لست شيطاناً. كان يريد أن يردّ التهمة عن نفسه، ولكن كم من مرّة راح يشكّ في نفسه وفي رسالته؟ ألم يحصل له ذلك مراراً وتكراراً، عندما كانت تمرّ به لحظة ضعف أو يأس مطبق؟ ثم ألا يشعر هو أيضاً بأنّ الشيطان يناوشه، بأنه يسكنه من الداخل ويقضّ عليه مضجعه في أحيان كثيرة؟ كيف يمكنه أن ينكر ذلك، وهو يعاني ما يعانيه من تأزّمات نفسية حادّة ورهيبة؟ والغريب أنه حتى بعد أن أصبح ذلك المصلح الديني الكبير الذي نعرفه، حتى بعد أن أصبح أشهر شخص في ألمانيا، فإنه أحسّ بالحاجة مرة أخرى إلى تبرير نفسه أمام أبيه. يقول له في مقطع من رسالة مشهورة سجّلتها كتب التاريخ: "ألم تكن تفضّل أن تفقد مائة ابن على أن تخسر هذا المجد؟ من يستطيع أن ينكر أني الآن في خدمة الكلمة ـ أي في خدمة الله-؟"[4]. بالطبع، فإنّ والده الذي يعرف نقاط ضعفه عندما كان صغيراً لم يخطر على باله لحظة واحدة أنّ ابنه سيصبح يوماً ما زعيم ألمانيا ونبيّها الأوحد.

في الواقع إنّ كل مأساة لوثر ـ وكلّ عظمته أيضاً- تكمن في كلمة واحدة: التبرير؛ أي تبرير الذات؛ بمعنى: كيف يمكن أن أبرّر نفسي؟ كيف يمكن أن أتخلّص من عقدي وأوجاعي؟ كيف يمكن أن أتخلّص من عقدة الذنب الرهيبة التي تسكنني؟[5] والواقع أنّ لوثر لم يستطع تبرير نفسه إلا بعد أن قدّم لأمّته وللمسيحية كلّها أكبر خدمة يمكن أن تحلم بها. كلّ العالم الحديث قام على فكرة التبرير والتخلص من الخطيئة الأصلية التي تحتلّ مكانة كبيرة في العقيدة المسيحية. فعندما أشعر بأني نظيف، وطاهر، وبريء، فإني أستطيع أن أنطلق لكي أفتح العالم، لكي أحقق وجودي على هذه الأرض، لكي أعيش بشكل طبيعي لا أكثر ولا أقل. ما نفع الحياة إذا كنت ملاحقاً بكابوس الذنب والخطيئة من البداية إلى النهاية؟ ولكنّ الشيء الغريب العجيب هو أنّ مدشّني الحداثة الأوروبية في معظمهم كانوا أناساً لا يشعرون بالطمأنينة في هذا العالم، كانوا يشكّون في مشروعية وجودهم أو في ضرورة هذا الوجود. نذكر من بينهم جان جاك روسو الذي دشَّن الحداثة السياسية والتربوية والأخلاقية في القرن الثامن عشر. فقد كان يشبه لوثر أيضاً من هذه الناحية: ناحية اتهام الذات، تعذيب الذات، جلد الذات، محاسبة الذات... ولم ينجُ من هذه العقدة إلا بعد أن كتب "الاعترافات"، بل حتى بعد أن كتبها ظلّ ملاحقاً بهاجس تبكيت الضمير. لم ينجُ منها إلا بعد أن كتب "إميل"، و"العقد الاجتماعي"، وبقية المؤلفات التي أضاءت للبشرية الأوروبية مجاهيل الطريق، وفتحت آفاق المستقبل على مصراعيها. نعم لقد دُفِع ثمن الحداثة غالياً في أوروبا. ومن يعتقد أنّ الحداثة جاءت على طبق من ذهب، أو أنها كانت نزهة في واد من الزهور؛ فهوواهم ومخطئ. في الواقع إنّ الشخصيات العظيمة، مثل لوثر وروسّو وغيرهما لم تنجز أعمالها الكبرى إلا لتبرير ذاتها، لتبرير وجودها على هذه الأرض. كانت تشعر دائماً بأنها غير مبرَّرة، وأنها ينبغي أن تقدّم خدمة كبرى للبشرية لكي تصبح مبرَّرة. كانت مجبرة على الإبداع غصباً عنها إذا جاز التعبير وإلا فإنها سوف تنتحر أو تجن.

يرى الدكتور إريكسون، وهنا تكمن النقطة الأساسية الثانية من أطروحته، أنّ الشخصيات الاستثنائية في التاريخ تولد مرّتين لا مرّة واحدة، وذلك على عكس بقية البشر؛ فهي تولد أولّ مرة من بطن أمّها كما يولد جميع البشر، ولكنها تولد مرّة ثانية عندما تتحرّر من عقدتها النفسية الرهيبة وتتوصّل إلى اكتشافها الكبير، وبالتالي فهناك الولادة البيولوجية، وهناك الولادة الروحية. لذلك قال لوثر بعد أن جاءته اللحظة، لحظة الكشف الأعظم: شعرت وكأني أولد من جديد، شعرت وكأني أدخل الجنة من أوسع أبوابها... وقال روسّو بعده بمائتي سنة تقريباً الكلام نفسه. قال واصفاً لحظة الكشف التي طرحته أرضاً، وهو سائر على طريق غابة فانسين: بدءاً من تلك اللحظة أصبحت رجلاً آخر. لقد انهالت عليّ آلاف الأنوار من كلّ الجهات... وقد شهد ديكارت أيضاً لحظة الإلهام الصاعق قبل أن يتوصّل إلى الحقيقة والمنهج الصحيح ليلة العاشر من نوفمبر عام 1619. لنختصر الفكرة: هناك أناس يولدون مرة واحدة في حياتهم؛ بمعنى أنهم يتأقلمون بدون صعوبة كبيرة مع عصرهم، ويشعرون بالارتياح مع الفكر المحيط والإيديولوجيا السائدة، ولا يشعرون عموماً بأيّ تناقض يذكر بينهم وبين أنفسهم أو عصرهم. وهناك أشخاص ذوو أرواح مريضة أو منقسمة على ذاتها، وبالتالي فهم يبحثون عن ولادة ثانية تمحو آثار الولادة الأولى وتزيل التناقض الكائن بينهم وبين أنفسهم ثم بينهم وبين العصر. ولكنهم لا يستطيعون أن يزيلوه إلا بعد أن يغيّروا أنفسهم ويغيّروا العصر في آن معاً بضربة معلم لا يعلم سرّها إلا الله. لا يستطيعون أن يتصالحوا مع أنفسهم إلا بعد أن يقيموا الدنيا ويقعدوها ويشعلوا الحرائق في كل مكان. لوثر كان من هذا النوع، وكذلك محمد من قبله، والمسيح أيضاً. كلّهم كانوا انقلابيين من أعلى طراز، كلّهم اصطدموا بسلطات عصرهم وعقائده الراسخة أو دين الآباء والأولين. وباختصار شديد: كان ينبغي عليهم أن يدمّروا لكي يعمّروا أو لكي يعيدوا بناء العالم من جديد، وهم إذ يولدون ثانية يساعدون على تشكيل المجتمع بصيغة أخرى؛ أي بالصيغة التي تناسبهم وتناسب حركة التاريخ والمستقبل. هكذا نجد أنّ الانهيارات الداخلية تتوازى مع الانهيارات الخارجية، وتؤدي في نهاية المطاف إلى ولادة مزدوجة وسعيدة على صعيد الخاص والعام في آن معاّ. لكنّ هذه اللحظات نادرة في التاريخ ولا تحصل إلا في المنعطفات الكبرى. حقاً لقد كان لوثر نبيّ الألمان وموحّد قوميتهم ولغتهم، مثلما كان محمد نبي العرب وموحّد قوميتهم ولغتهم ونافخ الروح فيهم، حتى استطاعوا دخول التاريخ والتغلب على أكبر إمبراطوريتين في ذلك الزمان: الساسانية والبيزنطية. لوثر أيضاً نفخ الروح في الألمان وأشعرهم بهويتهم وكيانيتهم وعبقريتهم. أقول ذلك على الرغم من أنه لا نبيّ بعد محمد، فهو خاتم الأنبياء وآخر مؤسّس للأديان السماوية. ولكنّي أستخدم كلمة نبيّ هنا وأطبّقها على لوثر بالمعنى الفضفاض الواسع للكلمة، فهو لم يؤسّس ديناً جديداً، وإنما إصلاحاً كبيراً داخل المسيحية. ولكنّ الجميع يعترفون بأنه كان قائداً روحياً كبيراً، وأنه جمع في شخصه بعض الصفات التي لا يتميّز بها عادة إلا الأنبياء الملهمون. ولولا ذلك لما استطاع أن ينتصر على روما البابوية التي كانت تمثل آنذاك أعتى قوة دينية أصولية في تاريخ الغرب، بل والعالم. شيء جنوني، شيء لا يكاد يصدق، إذا ما تموضعنا ضمن معطيات ذلك العصر وظروفه. والواقع أنّ معاصري هذا "الحدث ـ الزلزال" ما كادوا يصدّقون أعينهم عندما رأوا لوثر يتغلب على البابوية وينجو من مخالبها في نهاية المطاف، ويؤسّس مذهباً ضخماً يكاد يشبه ديناً جديداً، هو: البروتستانتية. الجميع صعقوا بهذا الانتصار ورأوا فيه تأييداً من السماء، ولهذا السبب ارتفع لوثر تقريباً إلى مرتبة الأنبياء. فجميع المصلحين قبله فشلوا في مهمتهم، وقضت عليهم محرقة الفاتيكان ومحاكم التفتيش الرهيبة. انظروا حالة المصلح التشيكي العظيم جون هوس من جملة آخرين، فقد كان تقيّاً نقيّاً ولكنه فشل، فألقوه طعمة للنيران. ولكن ألم يمهّد فشل جون هوس لنجاح لوثر؟ كم من المحاولات ينبغي أن تتكسّر على صخرة الطغيان اللاهوتي والظلام الأصولي لكي تنجح محاولة واحدة[6]؟ هذه الملحمة الكبرى، ملحمة الإصلاح الديني في أوروبا، هي التي نأمل الكشف عنها من خلال هذا الكتاب إذا ما أوتيت القوة والعزيمة للسير به حتى نهاياته.


[1]- انظر كتاب إريكسون: لوثر قبل لوثر. التحليل النفسي والتاريخ. باريس 1968

Eric H.Erikson :Luther avant Luther

Psychanalyse et Histoire

Flammarion.1968

[2]- انظر كتاب فيليب برينو: العبقرية والجنون. باريس، 1997

- Philippe Brunot: Le génie et la folie, Paris 1997.

كنت قد استلهمت هذا الكتاب، عندما كتبت مقالة مطولة بعنوان: بين العبقرية والجنون: دراسة فلسفية. يمكن الاطلاع عليها في موقع جماليا،أو في موقع جهة الشعر، الذي يشرف عليه الشاعر الكبير قاسم حداد في البحرين.أرجو من القاريء الكريم ألا يطلع على هذه المقالة في المواقع الالكترونية الأخرى. لماذا؟ لأنها مليئة بالأخطاء المطبعية التي تشوه النص إلى حد كبير. باختصار شديد أرجوه عدم الاطلاع عليها إذا كانت صادرة تحت عنوان: "بين العبقرية والجنون" فقط. عندما تكون صادرة تحت العنوان الكامل: "بين العبقرية والجنون: دراسة فلسفية"، يمكنه الاطلاع عليها، لأنها مصحّحة تماماً وموثوقة. هذا الكلام لا يعني إطلاقا أية إدانة للمواقع الالكترونية الأخرى التي نشرتها بكثرة عن حسن نية ولكن قبل أن أصححها وأنقحها. وبالتالي فالذنب ليس ذنبها.

3ـ ينبغي العلم بأن هذه هي صورة الله بالنسبة للعصور الوسطى المظلمة مسيحية كانت أم إسلامية . وحدها العصور الحديثة استطاعت الخروج من هذا التصور الكالح والمكفهر لله، وأحلت محله التصور المتفائل الواثق المشجع على الانخراط في العالم. نقول ذلك على الرغم من أنّ كل سور القرآن الكريم تبتديء بالآية التالية: بسم الله الرحمن الرحيم. ولكن صورة المنتقم الجبار حلّت محلها في التعليم الديني التقليدي القائم على الترهيب عموماً والوعظ والزجر. وبالتالي، فالخوف من الله بل والرعب منه هو الذي ساد وليس الثقة به والايمان به. وهنا كانت تكمن مشكلة لوثر قبل أن يتوصل إلى اكتشافه اللاهوتي الكبير وتعود اليه السكينة والطمأنينة والثقة المطلقة بعدالة الله ورحمته. ولكن كم تعذب وكم تقلب ذات اليمين وذات الشمال قبل أن يتوصل الى هذه الصورة الجديدة لله؟ لقد ذاق الأمرّين، وكاد أن يهلك وتزهق روحه قبل أن يصل إلى شاطيء الأمان..وهنا بالضبط تكمن عظمة لوثر.

[4]- انظر كتاب إريكسون السابق الذكر، ص.53

5ـ لو أنه كان مذنباً لهان الأمر، ولكنه لم يرتكب أي خطأ أو خطيئة ومع ذلك يشعر كأنه أكبر مذنب في التاريخ! وهنا تكمن المشكلة العويصة.

أن تشعر بالذنب دون أن تكون قد ارتكبت أي ذنب، فهذا يعني أنك مرهف الضمير وشديد الإحساس. إنه علامة خير لا علامة شر. وحده الشخص القذر أو المجرم لا يشعر بأي تأنيب للضمير، حتى لو ارتكب أكبر الجرائم. ولكن المشكلة هي أنّ الشعور بالذنب إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده: أيّ يشلك شلاّ، ويدمّرك من الداخل تدميراً. وهذه المشكلة الرهيبة المستعصية لم تحلّ إلا بعد أن قدّم لوثر خدمة جليلة لقومه وللعالم المسيحي كله. عندئذ سيتوصل إلى تبرير نفسه على هذه الأرض. عندئذ سينتصر على نفسه، على عقده وأوجاعه، ويصبح أعظم شخصية في تاريخ ألمانيا. وعندئذ سيجيء والده لكي يعتذر له، لكي ينحني أمامه بعد أن أصبح مصلح المسيحية ومطهّرها من الفساد البابوي والطغيان الكهنوتي. من يعلم كم كانت دهشة الوالد كبيرة ومفخرته أكبر بابن كهذا؟

6ـ الشيء نفسه ينطبق على حالة العرب في زمن البعثة. كم من الأنبياء الكذبة فشلوا قبل أن تنجح النبوة الحقيقية الوحيدة لدى العرب: قصدت نبوة محمد؟ انظروا مسيلمة الكذاب مثلاً أو سجاح..هذا لا يعني إطلاقاً أنّ جون هوس كان مصلحاً كاذباً، وإنما يعني أنه جاء قبل الأوان أو قبل أن تنضج الظروف ففشل، في حين أنّ لوثر ظهر في اللحظة المناسبة فنجح. على أية حال هذا هو أحد التفسيرات التي يمكن تقديمها للمسألة. وفوق كلّ ذي علم عليم.