متوالية الخلل في الإسلام السياسي والمجتمعات المهمشة!

فئة :  مقالات

متوالية الخلل في الإسلام السياسي والمجتمعات المهمشة!

الدعوة والمفاصلة والسياسة تمثل ثلاث روايات منشئة لجماعة الإخوان المسلمين، واليوم فإن هذه الروايات تحرك صراعا وجدلا داخليا في الجماعة وفي المجتمعات والسياسة والحكم، وتربك الإخوان والناس أيضا.

والحال، أنه سؤال عن تعريف الجماعة وهويتها ومواقفها الناشئة عن ذلك يشغل الإخوان المسلمين منذ منتصف خمسينيات القرن العشرين، ويفسر الانشقاقات والعنف والتطرف والأزمات الفكرية والسياسية، وظلت الجماعة تهرب من السؤال إلى الأمام، فتنشئ إشكاليات وتعقيدات جديدة على نفسها وعلى المجتمعات والدول...

فقد نشأت جماعة الإخوان المسلمين في أواخر العشرينيات جماعة دعوية وإصلاحية، وظلت حتى أواخر الستينيات، تنشئ فهما وخطابا إسلاميا إصلاحيا، يستوعب التراث الفكري القائم وتنشئ حوله رؤية للدعوة الإسلامية، ثم بدأت تتحول بعيدا عن مسارها الفكري الدعوي المؤسس، وتشكل فهمها حول كتب سيد قطب وبخاصة معالم في الطريق وفي ظلال القرآن وما حولهما وما تفرع منهما من كتب وشروحات وملخصات، وبدأت الجماعة تعيد تشكيل نفسها وفكرها على أسس الأفكار والرموز "القطبية" لجديدة؛ المفاصلة مع المجتمع والدولة واستعلاء الإيمان والتميز عن الجاهلية، والتي أنشئ لها تعريف جديد مختلف عما استقر عليه من فهم وتعريف على مدى القرون الماضية، ثم دخلت غمار الحياة السياسية مشاركة ومعارضة وفق قواعد اللعبة السياسية المتاحة... وصارت حزبا سياسيا (إسلاميا) يحمل مزيجا متناقضا من الفكر الإسلامي التقليدي، والصحوة الإسلامية الثورية والانفصالية التي أسسها سيد قطب والمودودي، والعمل السياسي وفق مداخله القانونية من العمل النيابي والنقابي...

عندما نشأت الجماعة في أواخر العشرينيات، لم تكن تشارك بشكل مباشر في السياسة، وقد كانت الأحزاب السياسية تعمل في مصر بحرية كاملة، وتشكل الحكومات وتتداول السلطة فيما بينها سلميا، وكان باستطاعة الإخوان المسلمين أن يشكلوا أنفسهم في حزب سياسي يشارك في الانتخابات النيابية ولكن الجماعة بقيادة البنا لم تفعل شيئا من ذلك، لأنها وببساطة كانت تعتبر نفسها جماعة تؤثر في الحياة السياسية والعامة، ولم تكن ترى نفسها حزبا سياسيا!

ويؤكد القانون الأساسي للجماعة الذي كانت تعمل بموجبه، والذي كان أساسا للقوانين الأساسية في دول وأقطار أخرى غير مصر وكما أقر عام 1948 قبل وفاة البنا بفترة وجيزة على أن الإخوان المسلمين هيئة إسلامية جامعةتعمل على شرح دعوة القرآن وعرضها يوافق روح العصر، وجمع القلوب والنفوس على هذه المبادئ، وتنمية الثروة القومية وحماتيها وتحريرها والعمل على رفع مستوى المعيشة، وتحقيق العدالة الاجتماعية والتأمين الاجتماعي لكل مواطن والمساهمة في الخدمة الشعبية ومكافحة الجهل والمرض والفقر والرذيلة وتشجيع أعمال البر والخير، وقيام الدولة الصالحة، ومناصرة التعاون العالمي.

وحددت الجماعة لأجل تحقيق أهدافها وسائل قائمة على الدعوة : بطريق النشر والإذاعة، والتربية وتمكين معنى التدين العملي، والتوجيه بوضع المناهج الصالحة في كل شؤون المجتمع؛ والتقدم بها إلى الجهات المختصة، ومقاومة الآفات الاجتماعية، وإرشاد، وشغل أوقات الفراغ بما يفيد وينفع.

ثم اكتسحت الجماعة أفكارا ثورية انفصالية ترى المجتمع المحيط جاهلية يجب اقتلاعها، ولكنها ظلت تمارس الثورة والانفصال بالأساليب الإصلاحية والدعوية، تعمل وتنشط في المساجد والجمعيات والمدارس والصحافة والإعلام بمحتوى متشدد انفصالي يتناقض مع هذه الوسائل، صار الإخوان دعاة إلى العنف والثورة، أو احتجاجيون ينقلون الاحتجاج إلى المؤسسات والأوعية التي أنشئت للعمل على أسس قانونية وإصلاحية، ولم يعد مفهوما كيف يستخدمون وسائل ومؤسسات يفترض أنهم لا يقتنعون بجدواها، بل ويصرحون أنها ترقع "الجاهلية" وتطيل عمرها، ويحتمون بقوانين يفترض أنهم لا يؤمنون بها.

ثم تحولوا بأوعيتهم الإصلاحية ومحتواها الانفصالي والمتطرف إلى المجالس النيابية والنقابات المهنية، وصاروا نوابا ومهنيين وسياسيين دون أن يتخلوا عن المفاصلة مع المجتمع والدولة، يعتقدون أنهم يغيرون الدولة والمجتمعات بأدواتها ومؤسساتها ليبنوا على أنقاضها دولتهم.

لم يعد الإخوان المسلمون جماعة دعوية تأثيرية، تسعى إلى التأثير في المجتمعات والأفراد والدولة كما يفترض أن تفعل الجماعات، ولا تحولوا إلى حزب سياسي يشارك في العمل السياسي بفلسفته وأدواته المفترضة، ولكنهم صاروا جماعة تمارس السياسة، ولم يتخلوا عن الفكر الانفصالي المتناقض مع المشاركة، فصاروا يمارسون المشاركة بمحتوى مضاد ينقلب عليها.

هذا السلوك المعقد في الدعوة إلى التطرف والانفصال بأدوات ومؤسسات قانونية وإصلاحية لم يمزق الجماعة فقط، ولكنه أيضا امتد إلى المجتمعات في علاقتها بالدين والسياسة وتفاعلها معهما، وأفرغ الديمقراطية والعمل السياسي من محتواه، فلم يعد بفضل الإخوان المسلمين معنى أو قيمة لتحسين الحياة والارتقاء بها وتحقيق العدالة والحريات تسعى إليها المجتمعات، ولكن التنافس السياسي صار يقاس بمعايير مختلفة عنه، فيختار الناس لتمثيلهم في البرلمان أو ليقودهم في السياسية من يصلي الفجر في المسجد أو يحسن تلاوة القرآن، أو لأنه لا يشرب الخمر ولو كان يدمر أو يفشل المؤسسات والخدمات العامة أو يفسد العلاقة بين الدولة والمجتمع والأسواق أو يسلم شؤونهم ومصيرهم إلى جهلة وفاشلين أو مستغلين فاسدين أو يعملون لأجل مصالح وغايات متناقضة مع أهداف المجتمعات وتطلعاتها!

الخلل والتناقض المشار إليهما كثيرا في أزمة الإخوان المسلمين مع الدين والسياسة، لا تخص الإخوان وليست مشكلتهم وحدهم، هم لم يصنعوا الأزمة، ولعلهم كانوا من نتاجات هذه الأزمة ومتوالياتها، وإن أسهموا في جعلها (الأزمة) أكثر متانة ورسوخا!

والحال إن ظاهرة صعود الإسلام السياسي تؤشر على حالة أخرى أشد عمقا وتأثيرا، مثل ظواهر أخرى تكتسب إجماعا في تفسيرها وإن كانت غير مختلفة، قوة وتأثيرا المحاكم في الصومال بسبب غياب الدولة، وصعود الروابط القرابية في المدن.

الأزمة الكبرى والأصلية هي تهميش المجتمعات والمدن والأسواق وإلحاقها بالسلطة، ويمكن القول ببساطة ووضوح، إن ذلك يفسر الانهيار الأخلاقي والقيمي في السلوك والتفكير والسياسة والإدارة وغياب العدالة والقانون، والفجوات الاجتماعية والاقتصادية، وضعف التعليم ومؤسساته ومخرجاته، وما ينشأ عنه من ضعف في العمل والإنتاج والكفاءة والمنافسة؛ فالأسواق والموارد هي هدية الله أو الدبلوماسية الإلهية التي تنشئ الفضائل والقوانين والقيم والتقدم والسلام والاستقرار؛ لأنه وببساطة تنشأ المجتمعات والقيم والقوانينوالأفكار والنظريات والثقافات والاختراعات والعلاقات والروابط حول المصالح والأعمال والموارد والأسواق.

هذه النخب والقيادات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي هيمنت على الموارد والنفوذ والفرص كيف ستقدر العدل وفرصها قائمة على الظلم؟ وكيف تحترم القوانين وتلتزم بها، وهي من غير تجاوز القوانين وانتهاكها تخسر كل مكتسباتها؟ وكيف تؤيد الإصلاح وتسعى إليه، وهي لولا الفساد لم تكن شيئا مذكورا؟ وقل الشيء نفسه عن الوظائف والعطاءات والتوريدات، وتنظيم وإدارة الطاقة والماء والاتصالات والمهن والحرف والمستشفيات... إنها تتحول في غياب القانون، والذي لا ينشئه ولا يحميه إلا مجتمعات مستقلة متمدنة إلى أعمال وتجمعات بدائية ينظمها البقاء والبداءة! ويصبح العقل الباطن والذاكرة المحركة للمسؤول والسفير والمدير ورجل الأعمال والمهني والحرفي هي قيم يغلب عليها سلوك البقاء والشعور بالتهديد؛ شخصية قاطع الطريق والخارج على القانون. وبطبيعة الحال، ستكون منظومة السلوك والعلاقات مستمدة من الخوف الدائم على الحياة والمصائر؟

هل يأتي انتقاد الإخوان في تقييمهم ومراجعتهم بأنهم لم يشغلوا بالإصلاح كما يفترض أن يكون أم لأنهم جزء من السياق العام نفسه، يعيد إنتاج الأزمة في طبعات وحالات أشد قسوة ورسوخا؟

في شغل الإخوان بالدعوة والتأثير، فإن ذلك يعني ببساطة أنهم جماعة تراهن على الناس والمجتمعات، وأنها تستمد تأثيرها من مجتمعات فاعلة ومستقلة، ولذلك فإن جهدها وطاقتها سوف تكون في مساعدة المجتمعات والناس على التنظيم الاجتماعي الذي يرتقي بروابطهم وتشكلاتهم، لتكون حول القانون والموارد والأعمال والمصالح، وليست تجمعات عشائرية ودينية في مدن كبيرة ومعقدة تقوم على الأسواق والمصالح والمهن والتنظيم الشبكي للمرافق والخدمات والسلع والتعليم العالي والمتقدم!!

ولكن في انتقال الإخوان إلى العمل السياسي تأييدا أو معارضة أو مشاركة أو حكما، فإنهم يوظفون تشكيلاتهم الاجتماعية والدعوية، وما اكتسبوه من ثقة وتأييد لأجل بناء السلطة السياسية أو معارضتها وليس لأجل بناء المجتمعات وتمكينها، ثم إنهم يستخدمون خطابا دعويا استنهاضيا وإصلاحيا لإدارة منظومات أكثر تعقيدا من المؤسسات والبرامج والتشريعات، فهم يقحمون أدوات وأفكارا في غير مجالها وعملها، ويدخلون أنفسهم في تجارب لم يستعدوا لها ولا تجمعوا لأجلها ابتداء، لا يختلف ذلك عن محاولة عشيرة أو نقابة مهنية أو عمالية للمشاركة السياسية وتشكيل الحكومة أو المشاركة فيها أو معارضتها!

الحلقة الأخرى في متوالية المتاهة التي أدخلنا الإخوان وأنفسهم فيها هي مظنة أن تطبيق الشريعة موكول بهم وحدهم، وأنه لا يمكن تطبيقها أو قيام دولة إسلامية بدونهم، وأن أية دولة قائمة اليوم ليست إسلامية!! فبعد أن أدخلوا أسلوب الجماعات والنقابات في العمل السياسي، فقد أقحموا الدين في عملية إجرائية محددة، وهي أنه لا وجود للدين بدونهم! وأن الدين هو ما يؤيدون ويرونه، وأن ما يعارضونه ليس من الدين! وصارت الأزمات تعالج بأزمات جديدة؛ الإخوان لمواجهة الفساد والجيش لمواجهة الإخوان... وداوني بالتي كانت هي الداء!