متى يتصالح الفكر الديني الإسلامي مع الفنون والآداب؟

فئة :  مقالات

متى يتصالح الفكر الديني الإسلامي مع الفنون والآداب؟

في حين استوعبت الحضارة العربية الإسلامية ثنائية الفقيه والموسيقي والفقيه والأديب الحرّ والمبدع، لم تتمكن أيّة حركة إسلامية معاصرة من تقديم نموذج ناضج يوحي بتصالح الحركية السياسية الإسلامية مع الفنون والآداب. إذا صحّ هذا، فإنه ربما يجيز لنا الحديث عن علاقة طردية بين انتشار أفكار التنوير والحداثة مع انتشار الآداب والفنون بين صفوف الناس، وأخذها قسطا مميزا في المناهج المدرسية والجامعية، وفي أصناف الترفيه والتسلية وقضاء أوقات الإجازات الأسبوعية والسنوية.

في المجتمعات المتقدمة، يحتل المفكرون والفلاسفة والفنانون والموسيقيون وأهل الأدب والصحافة المكانة المميزة التي يحتلها المخترعون والعلماء وأهل السياسة والمال، في حين أن هذه المكانة (مكانة الفنانين والمفكرين وأهل الأدب) تتراجع في المجتمعات المتأخرة فكريا وعلميا. ويمكن إقامة رابط أساسي بين انتشار الآداب والفنون في مجتمع من المجتمعات ومدى رسوخ التحرر الاجتماعي واحترام المرأة وانخراطها الفاعل داخل المجتمع أو انتشار المحافظة والتشدد والانغلاق في ذاك المجتمع.

المرجح أن الآداب والفنون بأنواعها العديدة، متى ما ابتعدت عن غايات التعبئة الأيديولوجية والتحشيد القطيعيّ، تسهم في "أنسنة" الأفكار والمشاعر والميول، وتهذيب الذوق وإشاعة التحضر والتمدين والقيم الحضارية وقبول الآخر وتسوية الخلافات معه فكريا لا ماديا، ولنا أن نقارن كيف أسهم التقدم الثقافي والاجتماعي والحداثة المؤسسية والتحضّر العام في دول شرق أوروبا ووسطها قبل تفكك الاتحاد السوفيتي في قيام ديمقراطيات مستقرة في تلك الدول بعد انهياره... والحال في دول ما يسمى بـ"الربيع العربي"، حيث كان ضعف البنى المجتمعية المؤسسية ورسوخ المحافظة والتشدد في بنى الحركات الإسلامية التي قادت تلك الثورات، وكيف أسهم ذلك في العجز عن تقديم نموذج أوليّ أو ملامح نموذج جاذب للإصلاح والديمقراطية والحرية واحترام الإنسان والتعددية الفكرية والسياسية... على الرغم من أن ثلاثة سنوات على هذا الربيع، كانت كافية لوضع بعض أسس هذا النموذج أو النماذج المتنوعة.

لذلك، يبدو منطقياً إقامة المقاربة التي تهجس بها هذه المقالة على الترابط العضوي بين التقدم السياسي والديمقراطي والتقدم الاجتماعي والثقافي. بالطبع، الأمر على علاقة وثيقة بالحرية الفردية وبالابتعاد عن النظرة إلى المرأة من منظور جنسي أو في سياق عقلية وثقافة أبوية ذكورية. ولو راجعنا التقارير الصادرة عن "المنتدى الاقتصادي العالمي" السنوية، ومن ضمنها التقرير الذي صدر قبل أيام، حول "الفجوة بين الجنسين في العالم"، لتبيّن لنا أن الدول العربية تقع في ذيل الترتيب الدولي من جهة المساواة بين الجنسين وتمتع المرأة بالحقوق الاجتماعية والحرية الفردية وحق المشاركة السياسية والتعليم وسوى ذلك.

وعبر التاريخ، يكاد الخلاصيون، دينيون وغير دينيين، يجتمعون على ضرورة القبض على الجسد والبدء بهندسة اجتماعية، تضيّق الخناق على المختلف والمتنوع والمستقل والحرّ، ليسهل عليهم القبض على السلطة وحماية نفوذهم. إذا صحّ هذا الأمر، قد لا يعدو محض مصادفة أن يتزامن، مثلا، إطلاق حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في قطاع غزة هذا العام حملة "ارفع سروالك" و"حماية الرجولة" ممن يحاول "إخفاضها" على حد تعبير الحركة مع انتقاد مسؤولين سابقين إسلاميين في جمهورية مصر العربية في ظل حكم جماعة "الإخوان المسلمين"لفن "الباليه"، ووصفهم له بأنه "فن العراة"،وظهور "حملة تصحيح الحجاب" في بعض المدن العراقية، "تحذر المرأة العراقية من ارتداء الحجاب بطريقة معاصرة، كما تفعل كثير من الفتيات والنساء أو ارتداء الألوان الزاهية والأحذية ذات الكعوب العالية"؟!

الحرية والمرأة والجسد والأخلاق والشك والنقد وإثارة الدهشة... عناصر أساسية في معمار الفنون والآداب الإنسانية، ومن دون تقديم الفكر الديني الإسلامي مقاربات لها متسقة مع العصر والتقدم الحاصل في العالم : علوما ومناهج وأدوات تحليلية، يصعب أن نجد انجذابا من قبل هذا الفكر الديني للفنون والآداب، أو تقديرا لرسالتها ودورها المركزي في صقل وعي الإنسان وبناء الحضارات وتهميش التطرف والعنف.

والمرجّح أن الشرط الشارط لوقوع هذا الانجذاب هو مغادرة الحَرفية والميتافيزيقية والتقريرية والتسليم واليقينية في هذا الفكر ونزوعه أكثر، بدلا من ذلك، إلى التأويل والتحرر من سطوة التاريخ والاجتماع البشري المتغير على النص الديني، ما جعل هذا النص، وفق ما تقرأه الحركات الإسلامية والعقل السلفي السائد، مرتهنا لشروط ثقافية واجتماعية تم تأبيدها بفعل الإكراهات السياسية والفقهية.

في كتابه "الإصلاح الجذري: الأخلاقيات الإسلامية والتحرر" قدّم الباحث طارق رمضان،أستاذ الدراسات الإسلامية المعاصرة في كلية اللاهوت في جامعة أوكسفورد، طرحاً جادّا حول علاقة الإسلام بالفن والترفيه. فالإسلام في الحقيقة لا يفصل الفن والتسلية والترفيه عن الأخلاق بالمطلق، لكن ما من توجيه إسلامي يبرر وجوب التضييق على الفن باسم الأخلاق وخنقه وتحريمه. والترفيه يشمل المطالعة والموسيقىوالرياضة والرسم والدراما والخيال والسياحة الروحية والتأمل...، وهذا كله ليس شيئا تافها.

ويرى رمضان، وهو يقارب الفارق بين رؤية الدين ورؤية الفن، أن عالم الفنون عالم من الأسئلة بدلا من أنْ يكون عالما من الإجابات، ويجب ألا يختزل هذا العالم بنقل الإجابات الدينية فقط. فالتعبيرات الفنية تسبق تلك الإجابات، وهي تسعى للتوصل إلى جوهر العاطفة ومعناها وتصويره. ومن ثم، فإن أية محاولة لاختزالها برسالة دينية لن تُرضي الناس، وذلك لأن الفنانين يطرحون الأسئلة، والإيمان يزودهم بالإجابات، ومن المهم أنْ يتيح الإيمان للقلب حيزا يمكنه من التعبير فيه بحرية وكرامة عن أسئلته البسيطة والإنسانية والمؤلمة، والتي ربما لا تكون جميلة دائما، ولكنها ليست بشعة بالمطلق بالتأكيد؛ أي أن الإيمان، في رأي رمضان، بحاجة إلى الفن؛ لأن مثل هذه التعبيرات تمكّنه من امتلاك العمق والجوهر والكثافة. وهذه نقطة مهمة في تأطير العلاقة بين الفن والإيمان والأخلاق، وذلك عبر تأكيد أن وظيفة الفن ليست إشعال الغرائز وعبادة الجسد، كما ليس وظيفته في الآن ذاته أن يقدّم رسالة دينية أو يقوم في جوهره على إجابات نهائية وحاسمة. ومقاومة "عولمة الغرائز"، وهي قيمة نبيلة ومهمة في عصرنا، لا يكون بالارتماء في أحضان أفكار ورؤى وفتاوى تحيل الحياة إلى جفاف ووجوم وجدية تنهك العقل والروح وتفسد العاطفة وتقمع الجمال، وتجعل السعادة مفهوما خشنا تأباه النفس السوية والذوق الرفيع. ولذلك من المهم عند مقاربة أخلاقيات الترفيه والفنون، وأن الغاية منهما ليس إطلاق العنان للغرائز، أن نؤكد أيضا أن الأصل في الأشياء الإباحة لا التحريم، ونؤكد عدم الخوف من الحرية، بل تأسيس الترفيه والفن على الثقة بالنفس البشرية، والبعد عن عقدة تأثيمها الدائم، كما تفعل أدبيات الحركات الإسلامية بعامة.

المسلمون، كما يرى رمضان، حائرون اليوم بين اتجاهات فكرية إسلامية متشددة تحرّم كل شيء وتجعل الحياة جافة لا تُطاق، وبين تسلية دون قيم أو أخلاق أو تهذيب أو أهداف سوى إشعال الغريزة بأي ثمن، وهي وصفة بائسة، ولا يقل عن بؤسها منْ ينادي بحياة دون تسلية وفن وحرية.

إن مهمة الفنون إثارة الأسئلة والشكوك وخلق الدهشة، وإثارة الجدل ومعانقة اللا مطروق والإضاءة على التفاصيل الصغيرة في حياتنا. وليس كل ما في الحياة من ألفها إلى يائها ينبغي أن يعبّر عن فلسفة أو يندمج في إيديولوجيا؛ فالحياة أوسع من أنْ تُختزل في أيديولوجيا أو فكرة.

ولذا من المهم للفكر الإسلامي المعاصر وللتجارب الإسلامية أنْ تسمع لقول النقاد الذين يرون أن علاقة الإسلاميين مع الثقافة والفن والأدب "مليئة بالروادع الذاتية، وأنّ الجانب الفردي أو الشخصي في التجربة الإسلامية يبدو مصادرا أو متواريا"، وهو جانب لا يكتمل فن أو ترفيه دون الإعلاء من شأنه والثقة فيه، مثلما لا يكتمل إيمانٌ دون تجربة ذاتية خاصة، تعبّر عن اقتناع عميق يسمو بالنفس ويهذبها ويحررها.

وثمة من يرى أنّ الديّن، في غياب مقاربات فكرية تتجاوب مع حرية الإنسان وعقله ودوره المركزي في هذه الحياة "ربما يفقد مرونته وقدرته على التحوّل بموجب الحاجات (العصرية المتغيرة) إلى قيم أخلاقية جديدة، أو أكثر كونية مثلا. وقد ينعزل عن الحداثة إلى درجة أنه يقصي نفسه عن الدينامية الاجتماعية التي تقود إلى هذه التحولات، حيث لا يتمكن من التجاوب معها، ولا من التصدي لها ومقاومتها".