محمود محمد طه... مأساة مفكر فى زمن الردة

فئة :  مقالات

محمود محمد طه... مأساة مفكر فى زمن الردة

أحيت الساحة الفكريّة العربيّة منذ شهور ذكرى وفاة واحد من أكثر المفكرين الذين أثارت أفكارهم جدلاً واسعاً فى محيطينا العربي والإسلامي؛ فمع صباح يوم 18 يناير كان قد مر تسعة وعشرون عاما على إعدام المفكر السوداني محمود محمد طه، زعيم حزب الجمهوريين، والذي أعدمه نظام الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري، بعد أن أدانته إحدى المحاكم السودانية بجريمة الردّة عن الإسلام، ليكون أوّل كاتب يُقتل متّهما بالردّة بموجب حكم قضائي فى عصرنا الحديث.

ليس الغرض تقريظ حياة طه وأفكاره، يكفينا أن نردّد معه "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء"، وهو الحديث النبوي الذى كان يردّده طه، ويكثر الاستدلال به دوما، ويحفظه عن ظهر قلب عملاً وقولاً، ليدفع حياته في النهاية ثمنا لتلك الغربة القاسية.

شكّل محمود محمد طه تحدياً أخلاقيّاً في مواجهة وعّاظ السلاطين وفقهاء السلطة، ومحترفي التجارة بآلام الشعوب وتطلّعاتها، ولم تكن حادثة إعدامه سوى شاهد حي على مأساة بشريّة ستكلّل بحبل المشنقة، الذي لم يرحم شيخوخة الرجل بعد أن تخطّى عامه الخامس والسبعين، في مفارقة بدت غريبة أن يدعو طه ضمن أفكاره الغزيرة إلى الاستعصام بحبل السماء، فيكون هذا الحبل بوّابته إلى رحاب أرحب!!.

موقف طه من قوانين شتنبر ونضاله السياسي

ولد محمود محمد طه في مدينة رفاعة بوسط السودان في عام 1909، ثم ما لبث أن توفّيت والدته، وهو في سن السادسة من عمره، غير أنّ والده لمّا يلبث أن التحق بوالدته في عام 1920، ليكمل حياته دونهما، وذلك قبل أن يتمّ تعليمه بحفظ القرآن فيما يشبه "الكُتّاب"، الذي كان يعلم الأطفال بعضاً من قواعد اللغة العربية وأصول البلاغة، إلى أن التحق بالمدرسة النظامية، ليكمل تعليمه العالي بعدها بكلية "غُردون"، حيث درس الهندسة وتخرج منها في سنة 1932.

عاش طه وقد تجذّر في وعيه شعور بالقهر خلّفه الاستعمار الإنجليزي الذي احتل ّ بلاده في مطلع القرن العشرين ضمن سياسة أوربا الاستعمارية في الشرق، وكان الراحل قد انخرط في صفوف الحركة العمالية مدافعاً عن العدالة الاجتماعيّة، وهو ما استدعى غضب سلطات الاستعمار عليه، فأصدرت قراراً بنقله من عمله إلى مدينة كسلا شرق السودان عام 1937.

تُعدّ تجربة تأسيس الحزب الجمهوري أولى التجارب الناضجة التي أنجزها طه في عام 1945، مع بعض من رفاقه ذوي الميول التقدّميّة، وأصدروا أدبيّات ركّزت على الدعوة إلى النظام الجمهوري في السودان، ليواجه طه ولأوّل مرّة السجن، بعد أن أمرت السلطات بالقبض عليه وحبسه عاما بسبب رفضه التعهّد بحسن السلوك وترك العمل بالسياسة، إلاّ أنّ طه لم يلبث سوى خمسين يوماً في السجن بسبب ضغوط رفاقه الجمهوريّين، والتي تكلّلت بصدور عفو شامل عنه من الحاكم العام البريطاني، غير أنّ من هم مثل طه لا يمضون دون أن يكونوا سوط الحق الذي يلهب عرش السلطان، فبعد شهور قليلة من الإفراج عنه، قاد محمود محمد طه في عام 1946 حركة شعبيّة احتجاجاً على اعتقال السلطات لإحدى السيدات التي أجرت عملية ختان لابنتها، فما كان من السلطات إلاّ أن أصدرت حكماً عليه بالسجن عامين.

إنّ أكثر ما يثير الحزن في نفس المفكر أن يتمّ تشويه أفكاره على يد جلاّديه من أرباب السلطة لينالوا منه، وكان ذلك ضمن مسيرة النضال التي خاضها طه ضد كهنوت الدين والسياسة، ولم يكن الحكم عليه في عام 1968 بتهمة الردة أمام المحكمة الشرعيّة، سوى المحصّلة النهائيّة لتلك الحرب التي دارت رحاها بين معسكر السلطة الغاشمة، وبين كلمة حق يصدع بها المثقف في وجه الظلم والعدوان، غير آبهٍ بحياته؛ وإذن لم يكن غريبا أن يرفض طه الامتثال لأمر الحضور إلى المحكمة التي حكمت عليه غيابيّا بالردة عن الإسلام وكفّرته، غير أنّ ذروة الصراع ستصل إلى نقطة اللاعودة بقوانين شتنبر 1983، وهي القوانين التي أصدرها نظام جعفر النميري زاعماً بموجبها تطبيق الشريعة الإسلامية على أفراد المجتمع السوداني، إذ اندفعت محاكم الطوارئ التي أنشأها النميري في بتر أيدي السودانيين وأرجلهم في قضايا سرقات لم تستوف حتى الأركان الموجبة لحدّ التطبيق، وتعمدت تلك المحاكم جلد الشخصيات المعارضة لنظامه المتهاوي على الملأ وذلك لضمان إذلالها، كما جرى في ذلك الوقت التشهير بالناس في أجهزة إعلام الدولة بحجّة ما أسماه قضاة النميري "الشروع في الزنا"، وبموجب تلك التهمة الشاذة أصبح من حق رجال الشرطة توقيف أيّ رجل أو امرأة ومطالبتهما أن يثبتا أنّهما محرمان، أي أنّ علاقتهما تقع ضمن من لا يحق لهما الزواج شرعاً، أو يبرزا وثيقة زواجهما، ومن يفشل في إثبات ذلكتطاله تهمة "الشروع في الزنا"، وهي التهمة التي ابتكرها نظام نميري بغرض إرهاب الناس وإلهائهم عن الفشل الذريع الذى أصاب سياسته، رغم أنّ تعاليم الإسلام حرمت التلصّص على الناس والتجسّس على حياتهم الشخصية.

طه مرتدّا عن الإسلام!!

تصدّى الأستاذطه مع رفاقه وتلاميذه إلى هذه المهزلة التي ترتكب باسم الدين، وقاموا بإصدار منشور حمل عنوان "هذا أو الطوفان"، هاجموا فيه "قوانين سبتمبر" تلك التي هدّدت الوحدة الوطنيّة وشوّهت الدين وجعلت من الإسلام فزّاعة، ونجح المنشور في الوصول إلى كافّة قطاعات المجتمع السوداني، وهنا لم يكن أمام النميري ونظامه بديل عن إسكات هذا الصوت وإلى الأبد، فسارعت قوّاته بالقبض على الأستاذ طه وتقديمه مع أربعة آخرين من رفاقه إلى المحاكمة، لأنّه تجرّأ وأصدر منشوراً معارضاً لأمير المؤمنين!، وكان نميري قد أخذ البيعة من عدد من الجهات الرسمية في السودان وعلى رأسهم قضاة المحاكم والفقهاء الذين كان من بينهم الدكتور حسن الترابي، لتنصيبه أميراً للمؤمنين.

جرت وقائع المحاكمة بشكل عجول وهزلي، وبالإضافة إلى تهمة تكدير السلم العام والخروج على "أمير المؤمنين"، أضيفت التهمة التي تم استخراجها من دفاتر القضاء، والتي تعود إلى ما قبل ذلك بسبعة عشر عاماً، عندما أدين طه في عام 1968 بالردة عن الإسلام، لتكتمل فصول المحاكمة العابثة بمهزلة قضائيّة لم يسبق لها مثيل، قامت فيهامحكمة الاستئناف بافتراض أنّ الشخص المُدان قد تقدّم باستئناف إليها، وتبرّعت بإضافة تهمة جديدة لم يُحاكم المتّهمون وفقها أصلا، بل وقامت باقتراض حكمٍ صدر قبل سبعة عشر عاما من محكمة أخرى ليست بذات اختصاص بنص الدستور نفسه الذي كان موجوداً وقتها!!.

الجدير بالذكر هنا أنّ محاكمة طه لم تستغرق سوى ثلاثة عشر يوما، منذ أن تمّ اعتقاله في 5 يناير والحكم عليه بالإعدام في 18 من الشهر نفسه، كما يجدر أن نقول إنّ الأستاذ طه ورفاقه رفضوا الاعتراف بشرعيّة تلك المحكمة، وقد جاء إعلان المقاطعة على لسان الأستاذ طه في كلمة ألقاها في أوّل أيّام محاكمته، صارت بعد ذلك أغنية يتغنّى بها الشعب السوداني عندما خرج ليسقط نظام النميري بعد أربعة أشهر فقط من قيامه بإعدام طه، يقول الأستاذ طه: "أنا أعلنت مراراً رأيي فى قوانين سبتمبر من أنّها مخالفة للشريعة وللإسلام، وأنّها وضعت لإرهاب الشعب وإذلاله، وهدّدت وحدة البلاد".

الرسالة الثانية للإسلام

يرى الأستاذ طه أنّ الآيات التي نزلت في صدر الدعوة الإسلاميّة بمكّة تمثّل أصل القرآن. ففي هذه الآيات يبدو الإسلام ديناً متسامحاً ينبذ الإكراه، وهي الآيات التي بدأ بها النبي دعوته في مكّة، ومثالها "وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ"، "فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ"، ويرى الأستاذ طه أنّ المدعوّين إلى تلك الآيات كانوا أقلّ قامة من ذلك الخطاب المتسامح، فهم قد رفضوا الدعوة وناوؤوها بالحرب والعصيان، وضيّقوا على الدعاة وعذّبوهم حتى الموت، وتآمروا على حياة النبي نفسه بالقتل، حتى اضطرّوه إلى الهجرة، ومن هنا ظهرت الحاجة إلى آيات الفروع، وهي آيات الجهاد التي مثّلها "وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ"، ثم كان الحديث النبوي "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألاّ لا إله إلا الله..."، ويستمر الأستاذ طه في تطوير أفكاره حتى يصل إلى أنّ نسخ أصول القرآن بفروعه في القرن السابع الميلادي لم يكن إلغاءً نهائيّا لأحكامه، وإنّما كان مجرد إرجاءٍ لتلك الأحكام لادّخارها للمستقبل،والسبب الذى يراه في ذلك هو النزول عند حاجة ذلك المجتمع وطاقته، مشيراً إلى أنّه لو كان النسخ نهائيّا لأصبح أحسن ما في ديننا منسوخاً بما هو أقلّ منه؛ أي أنّ السماح وهو خير من الإكراه، يكون قد نُسخ إلى الأبد بحكم أقلّ منه، منبّها إلى نقطة مهمّة تفضي إلى أنّ الأحسن في الشرائع ليس أحسنَ في ذاته، وإنّما يُقاس بملاءمته لحاجة المجتمع وظرفه التاريخي، وهذا ما حدث بالنسبة إلى آياتالفروع التي نزلت في المدينة، ونسخت آيات الأصول التي نزلت في مكة، نسخا مؤقّتا فرضه السياق التاريخي للقرن السابع الميلادي، بما لا يعني تعميمه إلى الأبد خارج ذاك السياق، ولذلك فإنّ زماننا بحسب الأستاذ طه هو زمان بعث آيات الأصول حيث "لا إكراه في الدين".

سمّى الأستاذ طه هذا التصور المفضي إلى استعادة روح الآيات المكّيّة بـ"الرسالة الثانية من الإسلام"، وهي عنده الرسالة الأصل، وقد كتب طه مؤلّفا حمل الاسم نفسه ضمّنه بضع عناوين جاء من بينها "الجهاد ليس أصلا في الإسلام"، و"عدم المساواة بين الرجال والنساء ليست أصلا في الإسلام"، و"الحجاب ليس أصلا في الإسلام"، و"تعدد الزوجات ليس أصلا في الإسلام"، وبذلك ألقى الضوء على كثير من آيات الأحكام التي لم تعد مناسبة لمتطلبات العصر الحديث وتطوّر قيمه الروحية والجماليّة، قاصداً من ذلك أن ينوّه بالطاقة الكامنة في التشريع الإسلامي، والتي تستطيع أن تستوعب المتغيّرات الجديدة إذا تمّ بعث "الأصول" دون "الفروع" التي شكّلت شريعة القرن السابع الميلادي، وهي الدعوة التي قضى فيها الأستاذ طه عمره ليثبت أنّ النصوص التي جرى تطبيقها في القرن السابع الميلادي ذات طبيعة مرحليّة، ولذلك هي لا تصلح لمسلمي اليوم، ويرى أنّ المخرج كامن في الانتقال من نص فرعي في القرآن خدم غرضه حتى استنفذه، إلى نصّ أصلي ظل مرجأًومدخرا إلى حين يحين تطبيقه، وها هو قد حان وقته اليوم، بشرط أن نتحرّك من شريعة الفروع وفقهها الذى تبعها طيلة القرون التالية فجر البعثة نحو إحكام آيات الأصول المنسوخة، بما أنّها القادرة على استيعاب طاقات الحياة المعاصرة وحاجاتها.

هذه ومضة سريعةعن واحد من الذين قدّموا حياتهم فداءً للكلمة، أملا في أن يلتفت المثقّفون إلى أفكاره، لا فقط بإعادة إحيائها، وإنّما أيضا بوضعها على مِحكّ النقدوإعادة تقييمها، بعد أن عانى الرجل عقوداً من التجاهل حتى كادت تنزوي ذكراه، ولا يسعنا ونحن نختم كلمتنا عن الشهيد الأستاذ محمود محمد طه، إلاّ أن نستعير ما قالته الصحفية "جوديث ميلر"، المراسلة السابقة لصحيفة "نيويورك تايمز" في الشرق الأوسط، ضمن شهادتها التي ضمّها كتابها "لله تسعة وتسعون اسما"، (God Has Ninety Nine Names )عن واقعة إعدام طه عندما كانت مُوفدة عن الصحيفة لتغطية الواقعة، حيث كتبت "أحسست أنا أيضاً أنّ طه لم يُقتل بسبب يتعلّق بنقص في قناعاته الدينيّة، وإنما بسبب من نقصهم هم".