مخطوطات قمران والفكر الآسيني

فئة :  مقالات

مخطوطات قمران والفكر الآسيني

يُعتبر البحث الأركيولوجي والتاريخي من أهم العلوم في باب المعرفة الإنسانية المفتوح على مجموعة من الاكتشافات والحقائق المبثوثة هنا أو هناك، وتزداد أهميته في عالمنا المعاصر، والفكر يتطور بشكل كبير بسبب تسارع مسلسل العولمة الصناعية والثقافية والعلمية، وبسبب هذا الكم الهائل من الثورة التكنولوجية التي خولت لإنسان اليوم سبر أغوار المجهول بكل تجلياته. عرف هذا المجال كغيره من المجالات الإنسانية مدّاً وجزراً وحركات امتداد وانحسار في فترات متفاوتة، وساهمت الحرية العلمية والفكرية في البلاد الغربية بشكل كبير في الدفع به من أجل أن يأخذ مساره الطبيعي، بغض النظر عن نتائج البحث سلباً أو إيجاباً.

لم يقف البحث الأركيولوجي مقتصراً على دراسة الإنسان بشكله التاريخي، بل تجاوز ذلك إلى أبعاد أخرى كانت في القرون الوسطى تعتبر زندقة، لا يمكن أن يسلم منها أي متجاوز لهذا الخط الأحمر إلاّ ورقبته مفصولة عن جسده، ولعلّ أهمّ معطى من هذه المعطيات التي تمّت دراستها هو الاكتشافات الدينية أو التنقيب الديني عن الكتب أو المخطوطات، أو الأماكن، أو كلّ الإشارات المتعلقة بالدين من قريب أو من بعيد. وللأسف الشديد، فالبحث بهذا الشكل لم يعرف بعدُ طريقه بشكل كبير إلى العالم الإسلامي، نتيجة مجموعة من الظروف التاريخية والثقافية المؤسسة أساساً من ثقافة ترى في البحث العلمي ضرباً لمصداقية النص، وليس تزكية أو طرحاً له بدرجة من الدرجات. كلّ هذه العوامل تتحقٌّق وفق سيرورة معينة تعيد التاريخ ولا تستفيد من قوانينه وضوابطه، عبر دينامية معينة تقفز عبر التراكم الإنساني إلى آفاق يكون فيها البحث مؤسِّساً لتنمية الإنسان من جميع نواحي الحياة، وليس تكريساً لثقافة لم يجْنِ منها الإنسان إلا اصطداماً حقيقياً بمقرّرات الدين أو الثقافة الدينية، وبالتالي العودة إلى الصراع الأبدي بين العلم والدين في العقل السلفي.

كانت هذه مقدّمة أحاول من خلالها الولوج لموضوع اليوم عبر مدخل هذا البحث الأثري في أساسياته، ألا وهو اكتشاف مخطوطات قمران أو كتابات البحر الميّت كما يطلق عليها البعض، فما هي هذه المخطوطات؟ وعلامَ كان يدل هذا الاكتشاف الأثري؟ ومن هم كتَبَتها؟

1- مخطوطات قمران وبداية الاستكشاف:

قبل الحديث عن مخطوطات قمران لا بأس من أن أضع القارئ داخل التصور الجغرافي لما يُسمى بخربة قمران، فهذه الأخيرة تقع في الشمال الغربي للبحر الميت وتبلغ مساحتها (2) كلم مربع، موقعها يطلّ على جبال المؤاب الأردنية، وتقع منذ سنة 1967تحت قبضة الاحتلال الإسرائيلي الذي حوّلها إلى مرافق سياحية يجلب منها الكثير من الأرباح.

كانت بداية الاكتشاف الأولى لمخطوطات قمران في عام 1947، وتقول الرواية إنّ مكتشفها هو أحد البدو الرعاة الذي كان يبحث عن شاة ضالة، فلما ألقى بحجر، وهو في طريق بحثه عن ضالته ارتطم الحجر بشيء محدثاً صوتاً دفعه إلى محاولة اكتشاف مصدر الصوت، وقد دخل بالفعل إلى إحدى المغارات الموجودة هناك، حيث عثر على العديد من الجرار البالغة علو قدمين طولاً وحوالي عشر بوصات عرضاً، وتحوي بداخلها العديد من المخطوطات المصنوعة من جلد رقيق ملفوفة في كتّان. تمّ العثور هناك على حوالي أحد عشر مخطوطاً بِيع بعضُها إلى تاجر ببيت لحم، باعها هو الآخر إلى أستاذ بالجامعة العبرية، والأخرى المتبقية اشتراها رئيس أساقفة دير القديس مرقس السرياني الأرثوذكسي.

لم يتوقّف البحث هنا أمام هذا الاكتشاف التاريخي المهم، بل أُرسلت النسخإلى المعهد الأمريكي للدراسات الشرقية بالقـدس؛ ليكتشف أنها نسخة كاملة من سفر إشعياء أحد أنبياء العهد القديم، يرجع تاريخ كتابتها إلى حوالي مائة سنة قبل الميلاد، أما الكتّان الذي كان يلف هذه المخطوطات داخل الجرار، فلقد أجريت عليه البحوث العلمية بمعهد الدراسات النووية بالولايات المتحدة الأمريكية الذي أكّد رجوع هذا الكتان إلى ما بين 167ق.م إلى 233 م حسب مقياس جيجر.

كانت هذه هي بداية الكشف الأثري لهذه المخطوطات واللفائف التي سُمّيت بلفائف البحر الميت، واستمرت البحوث وتوالت بعدها على المنطقة مسحاً وتنقيباً، ليكتشف المنقبون سنة 1957 أحد عشر كهفاً تضم 400 مخطوط، يضمّ الكهف الرابع منها أكثر من عشرة آلاف قصاصة لمجموعة من أسفار العهد القديم إلاّ سفر إستير،واستمرت الرحلة، وما يزال البحث متواصلاً حتى اليوم.

وهذه كتب مرتّبة حسب عدد المخطوطات الموجودة:

Nombre de manuscritsLivres
39 Psaumes
33 Deutéronome
25 Hénoch 1
24 Genèse
22 Isaïe
21 Jubilés
18 Exode
17 Lévitique
11 Nombres
10 Petits prophètes
8 Daniel
6 Jérémie
6 Ezéchiel
6 Job
4 Samuel 1 & 2

2- المغارات والبحث الأثري:

بدأ التنقيب رسمياً في هذه البقعة الجغرافية من الأردن سنة 1949، وتواصل البحث إلى سنة 1952، حيث أسفر التنقيب الأثري عن اكتشاف جرّة سليمة تماثل في الحجم والشكل الجرار التي اكتشفها الراعي أول مرّة،ووجدت في الكهف الأول بمنطقة قمران، كان هذا الأمردافعاً للكثير من الباحثين للربط بين من كانوا يسكنون هذه الكهوف والمغارات من جماعات دينية، وبين المخطوطات التي وجدت في الكهف الأول. كما تمّ العثور على مقبرة متصلة بالخربة بها هياكل عظمية لرجال ونساء،وتم اكتشاف برج كبيرومبنى رئيس للجماعة يشغل مساحة 12قدماً مربعاً تقريباً في الجانب الشماليمنحجرةالطعام والمطبخ، وإلى الجنوب الغربي كانت توجد خمس حجرات، عُثر في إحداها على بقايا مقاعد رخامية، وتم العثورعلى محبرتينمنالعصرالروماني إحداهما من الخزف والثانية من النحاس الأصفر. ولم يقف البحث عند هذا، بل تواصل إلى حدّ العثور على قمينة للفخار، كما عثر على مراحيض وأحواض مياه وخزانات...

وهذه أهم المغارات:

- المغارة 1: تم اكتشافها سنة 1949؛ أي بعد سنتين من الاكتشاف الرئيس للفائف البحر الميت، وقد بدأ التنقيب في شهر فبراير من خلال بعثة من الباحثين قادها G L Harding, Roland de Vaux, Ibrahim El-Assouli,عن متحف Rockefeller، انتهت باكتشاف أكثر من 600 قصاصة مرتّبة إضافة إلى قطع خشبية وفخارية.

- المغارة 2: تم اكتشافها سنة 1952، من طرف مجموعة من البدو، ليست ضخمة، وتحوي مجموعة من القصاصات تمّ العثور عليها هناك، وبيعت للمعهد الأركيولوجي الفلسطيني والمدرسة الكتابية (biblique)والأركيولوجية الفرنسية بالقدس.

- المغارة 3: تم العثور عليها في 14 مارس من السنة نفسها 1952، وتحتوي على مجموعة من المخطوطات ولفائف نحاسية.

- المغارة 4: تم اكتشافها من طرف Roland de vaux مدير المدرسة الكتابية والأركيولوجية الفرنسية، وتضم هذه المغارة أكثر من 500 نص مخطوط، نشرمنها 100 مخطوط بعد خمسين عاماً من الاكتشاف.

3- جماعات قمران والفكر الآسيني:

في الكهف رقم 1 تم العثور على مخطوطات من بينها ما سُمي بـ"نظام الجماعة"، تحتوي على السير العام لتلك البيئة الخاضعة لشروط وعقائد وعادات معينة من طرف جماعات إنسانية كانت تسكن هذه الكهوف. أوضحت هذه المخطوطات ونظامها أنّ الجماعة تتكون من مجموعة من الكهنة يحيون حياة مشتركة،وفق طقوس معينة يترأسّهم مؤسس الطائفة الذي يُدعى"المعلم البار". كان هذا الأخير صاحب سلطات دينية عديدة يبسطها على نظام الجماعة، بصفته مرسلاً من الله، ليعلن الدينونة في شعب إسرائيل، ويفسّر الكتاب المقدس بما لم يستطع الرسل أنفسهم أن يبلّغوه للناس، والتبشير بنجاة جماعة قمران من الدينونة لارتباطها بالحرفية التوراتية والمعلم البار. كان هذا التوجّه الديني ينذر بمعارضة شديدة من بعض التيارات الأخرى، لعل أبرزها ما أشارت إليه الوثيقة نفسها من وجود ما سُمّي بالكاهن الشرير الذي مثّل المعارضة الحقيقية لتوجّهات المعلم البار في مراحل تشكّل الجماعة.

كان قانون الجماعة قانوناً صارماً يخضع له كلّ راغب في الدخول إليها، من خلال المرور والخضوع لطقوس معينة يتمّ تسليمه فيها العضوية بعد ثلاث سنوات.آمنت طائفة قمرانبإقامة الحكم السماوي على الأرض، وظهر ذلك من خلال كتاباتهم حول فكرة المسيا وفكرة الانتظار نظراً لارتباطهم الوثيق بالتوراة. كما عرفت الجماعة عنايتها الكبيرة بالجانب الطقسي خاصة المتعلق بالطهارة عبر طقوس معينة، واحتل هذا الأمر حيزاً كبيراً في الفكر القمراني،إضافة إلى العناية بدراسة التوراة ومعاهدته بشكل كبير.

ربط العديد من الباحثين بين طقوس جماعة قمران والفكر الآسيني، هذه الجماعة اليهودية التي لم يوردها العهد الجديد مقارنة بأخرى كالصدوقيين والفريسيين، وكلمة الآسينية آرامية تعني الطبيب أو المداوي، واستوطنت شمال غرب البحر الميت، كما سلف القول، بحسب بعض الباحثين في الفترة ما بين القرنين 2 ق.م و1 ق.م، وهم جناح متطرّف من الفريسيين وقفوا ضدّ التجارة وانسحبوا من الحياة العامة.قسَّم الآسينيون الناس إلى فريقين: البقية الصالحة من جماعة إسرائيل، وأبناء الظلام، وعاشوا على عملهم بالزراعة لا يتناولون إلاّ ما أعدّته أيديهم من الطعام،وحرّموا الذبائح وحرّموا على الأغلبية منهم الزواج. إلاّ أن البعض الآخر من الباحثين لا يرى أنّ الفكر الآسيني هو من كان وراء كتابات قمران بدرجة من الدرجات، لوجود تفاوتات فكرية مع جماعة قمران كممارسة القمرانيين طقوس الزواج وتقديم الذبائح.