مدلول البيان بين البنائية القرآنية وبين ما قال به الشافعي

فئة :  مقالات

مدلول البيان بين البنائية القرآنية وبين ما قال به الشافعي

سنعمل من خلال هذه المقالة، على تقريب القارئ من مدلول البيان من داخل النص القرآني فقط، كما سنتوقف عند محددات البيان عند الشافعي متسائلين إلى أي مدى ينسجم قوله مع ما جاء في القرآن حول الموضوع. كما أننا نشير إلى أهمية نظرة الجاحظ لموضوع البيان.

·البيان في القرآن:

يرى القرآن في نفسه بأنه الكتاب الذي جاء مظهرا للحق الذي سبقت له الكتب السابقة عنه "التوراة و الإنجيل"، الحق الذي تم إخفاؤه وتبديله من لدن حاملي تلك الكتب الذين أسندت لهم عملية حفظها "وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ " المائدة 33، كما يخبرنا كذلك بأن موضوع حفظه غير موكول للبشر، بقدر ما هو موكول للعناية الربانية "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) " سورة الحجر. ووفقا لهذه المكانة أخبرنا القرآن بكونه الكتاب الوصي على ما قبله من الكتاب قال تعالى: "وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ" المائدة 48 ولا يتوقف القرآن عند هذا الحد، بل يمضي قدما ليكشف لنا عن الآليات التي توسل بها أهل الكتاب في تحريف ما نزل إليهم من ربهم، قال تعالى: (مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) (النساء 46وقال تعالى: (يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ) (المائدة 13) وقال أيضا: (يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) (المائدة 41). ففي الوقت الذي يصف القرآن الكريم نفسه بأنه كتاب محكم خال من أي شكل من أشكال التعارض قال تعالى: "الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ " (هود1) قال تعالى: "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)" سورة النساء. يذكرنا القرآن كذلك بأن الله أخذ ميثاقا على الذين أوتوا الكتاب، من اليهود و النصارى بأن يبينوا الكتاب الذي نزل على كل منهم ولا يكتمونه،[1] لكن لظلمهم نبذوا هذا الميثاق وراء ظهورهم وسعوا في كتمان كل ما نزل عليهم، قال تعالى: إِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ" )آل عمران187(. ونتيجة لهذا الكتمان اختلفوا اختلافا كبيرا حول ما نزل عليهم حقا وما لم ينزل، إذ اضطربت آراؤهم واعتقاداتهم والناس من حولهم، حول الأنبياء وبعثتهم وحقيقة رسالاتهم ودعوتهم... ولرفع هذا الاختلاف وإحقاق الحق، اقتضت حكمة الله تعالى إنزال كتاب القرآن الكريم على رسوله ليبين للناس، ومنهم أهل الكتاب حقيقة ما نزل عليهم من الكتب السابقة التي كتمها أهلها وحاملوها واختلفوا حولها. قال تعالى: " وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" )النحل64(، فمحمد (ص) بين للناس بالقرآن ومن خلال القرآن المذكر بالحق حقيقة ما نزل عليهم قبله، قال تعالى: "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" )النحل/44( فبيانه، هو بيان لما نزل مما لم ينزل؛ فلفظ التبيين في الآية له صلة وطيدة بـ "ما نزل" ؛ أي حقيقة ما نزل وما لم ينزل من قبل القرآن، وإلا لو كان لفظ "التبيين" يعود على الذكر لكان الأصح أن يقول تعالى: "وأنزلنا إليك الذكر ـ لتبينه ـ للناس". لقد أورد الحق جل وعلا مفردة "الذكر" هنا، لأن القرآن مذكر لما قبله من الكتب.

ومما سبق، يتضح أن ما نزل في كتاب القرآن الكريم هو تبيين وبيان لما قبله من الكتاب؛ فالقرآن الكريم يضم "تراث جميع الأنبياء"؛ قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ")البقرة 159 (كما أن آيات القرآن بينات وليست في حاجة إلى مبين قال تعالى: "وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقرآن غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ" )يونس15.( وقوله تعالى: "الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ")يوسف 1(.وقوله أيضا "وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ" )الحج 16(. والأكثر من هذا كله أن القرآن مبين للآيات والحجج والبراهين؛ قال تعالى: "ما الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيات ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ" )المائدة 75( وقوله تعالى: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ" )البقرة 219( وغيرها من الآيات التي تحمل هذا المعنى. الراجح من خلال الآيات أن القرآن الكريم يكتفي بذاته دون غيره في عملية البيان، فهو ينزه نفسه عن أي نقص كيفما كان، قال تعالى: "هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ " )آل عمران 138 ( وقال تعالى: "وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَـؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ" )النحل89(. وجاءت وصية رب العالمين لرسوله الكريم؛ بقوله: " لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقرآنهُ. فَإِذَا قرآناهُ فَاتَّبِعْ قرآنهُ.ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ" )القيامة 16- 19( والسؤال الذي يعترضنا هنا، كيف لكتاب يضم بداخله رؤية استرجاعية نقدية في بيان ما قبله من الكتاب أن يقبل أن تجرى عليه عملية "بيان و تبيين" من خارجه؟

وحتى يدرك الإنسان هذا البيان الذي يضمه القرآن، أنعم الله عليه بنعمة علم القرآن وعلم البيان قال تعالى: "الرَّحْمَنُ.عَلَّمَ الْقرآن. خَلَقَ الْإنسان. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ" )الرحمن1-4 ( فكلما سعى الإنسان إلى تدبر القرآن وتمعنه إلا وأفاض عليه القرآن ببيانه، فبالقرآن يتبين الإنسان الفرق بين الكفر والإيمان والفرق بين الجهل والنور وبين الجنة والنار، ويدرك بيان آيات الله في الآفاق والأنفس، وتتجلى له حكمة الله في خلقه ويحصل له التمييز بين ما هو إنساني و ما هو حيواني، ويسعى إلى الارتقاء في ذرى الإنسانية. إن الآية السالفة وضعتنا بين سياقين أساسيين للبيان:

áبيان القرآن: الكتاب الذي ضم تصورات و رؤى عن مواضع تتعلق بالكون والإنسان، وبعالمي الغيب والشهادة... وقد ألح على النظر وتفعيل ملكات السمع والبصر والفؤاد.

áبيان الإنسان: القادر دون غيره من الخلق أن يتبين الظواهر والأشياء، ويعي القوانين التي وراءها و يوظفها في حياته، وتتشكل له تصورات وآراء حول عالم الغيب وعالم الشهادة.

ولهذا، فموضوع البيان هو موضوع جدل بين الإنسان والقرآن، إذ احتفظ القرآن ببيان ذاته لكون آياته بينات ومبيّنات، حتى لا يحتكر أحد عملية تبيينه أو ينسبها لنفسه، و في الوقت ذاته، أقر بأن الإنسان يتصف بخاصية البيان دون غيره من الخلق، وقد يعود إن شاء إلى القرآن ليعرض عليه تجاربه البيانية، في البحث في أصل الكون وبدء الخليقة مثلا، أو في فهم النفس البشرية وغير ذلك من المواضيع التي تشغل العلم وكان للقرآن فيها كلمته. إن القرآن لا يريد من الإنسان أن يكون عالة عليه بطمس ملكة البيان لديه، فعملية البيان هذه عند الإنسان في بعض تجلياتها الكبرى لا تكون إلا بحثا في عالم المحسوسات بما قبله وما بعده، مع العلم بأن القرآن يجعل من الأشياء في الحقيقة آيات الله، إذ لا يمكن إدراك طبيعتها الرمزية إلا من قبل العقلاء؛[2] فالنظر إلى البيان من خلال هذا المنظور سيخرجه من دائرة اللفظ والمعنى ببيان نص بنص آخر دونه، إلى دائرة البحث في الظواهر والأشياء... والوعي بسياقات المفردات ومآلات النصوص. إن الإنسان في حاجة ماسة إلى بيان القرآن، بينما القرآن يرى نفسه بأنه في غنى عن بيان الإنسان. أما بيان الرسول (ص) فهو بيان بالقرآن، ومن أجل القرآن تبليغا إلى الناس كافة؛ قال تعالى: " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ " )المائدة 15( و قال تعالى: " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " )المائدة 19(، لأن كتاب القرآن الكريم أكبر من وعي الأنباء وأكبر من الكون و الأسرار التي يضمها، فهو كلمة العلي القدير، الخالق لهذا الكون والإنسان، والباعث للأنبياء والرسل والعليم الخبير بعالم الغيب والشهادة. فالقرآن الكريم مهيمن على الحركة الكونية بما فيها الإنسان قال تعالى: "قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا" )الكهف 109( وقال تعالى: "وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " )لقمان27 (. يتضح مما سبق ومن السياق الكلي للآيات من داخل البنائية القرآنية كون القرآن ينفرد بتصوره الخاص عن مدلول البيان، فهو كتاب مبين ومبيِّن، و آياته بينات و مبيّنات، وهو ليس في حاجة إلى من يبين آياته وكلماته، أو شيء من هذا القبيل، إذ يجعل من نفسه كتابا في غنى عن عملية البيان التي تفيد شرح ما هو مجمل أو فيه لبس وغير ذلك، كما جعل من عملية البيان شيئا لا يخرج عن نطاقه البنائي ككتاب مفتوح عن الكون والإنسان. فما هو مدلول البيان عند علماء الأصول على رأسهم المقعد الأول لهذا العلم، الإمام الشافعي؟

·البيان عند الشافعي

يعتبر الشافعي أول من قعَّد لمفهوم البيان في مجال الثقافة الإسلامية من خلال كتاب "الرسالة" إذ جعل للبيان خمس درجات:

1.بيان لا يحتاج إلى بيان وهو "ما أبانه الله لخلقه نصا".

2.بيان في بعضه إجمال، فتكفلت السنة ببيان ما يحتاج منه إلى بيان.

3.بيان ورد كله في صورة المجمل و قد تولت السنة تفصيله.

4.بيان السنة، و هو ما استقلت به هي نفسها، ومن الواجب الأخذ به لأن الله " قد فرض في كتابه طاعة رسوله (ص) والانتهاء إلى حكمه، " فمن قبل عن رسول الله فبفرض الله قبل ".

5.بيان الاجتهاد و يؤخذ بالقياس على ما ورد فيه نص من كتاب أو سنة.[3]

تكشف لنا هذه المستويات من درجات البيان عن الأهمية المحورية التي تأخذها السنة في العملية البيانية عند الشافعي، فالسنة تستحوذ على كل مستويات البيان إلى درجة يصح فيها القول لا بيان إلا مع السنة، والواقع أن تكريس السنة شريكة في المصدر كما في الجوهر للكتاب، وبالتالي في الأهلية التشريعية، يقوم لكل مشروع الشافعي في الرسالة مقام العمود الفقري، وكل ما يتبقى من كتاب الرسالة بعد ذلك هو محض تفاصيل و لحم لكسوة ذلك العظم.[4] لقد أفلح الشافعي في وضع أصل، لعملية البيان تدور في إطاره ولم تنفك عنه أبدا كما أراد لها، فالأصل غالبا ما يتفرع عنه فرع. وكثيرا ما يدور الفرع في دائرة الأصل ولا يخرج عنه في أي شيء، وتكون العلاقة بينهما في هذه الحال، علاقة اتباع بدل إبداع، ومن ثـمّ، فالشافعي يعرف البيان بقوله : "البيان اسم جامع لمعاني مجتمعة الأصول متشعبة الفروع"[5] فعملية جلب المعنى مقيدة بأصول ثابتة لا تخرج عليها العملية البيانية، ومن المعلوم أن هذا الهيكل الذي وضعه صاحب الرسالة للعملية البيانية، قد تحول إلى أصل بنيت عليه أصول الفقه، العلم الذي يتوسل به لفهم الشريعة، فلم يخرج جمهور علماء الأصول عن الأصل الذي وضعه الشافعي في كتابه الرسالة، الكتاب الذي تحول بحق إلى أصل، بني عليه علم أصول الفقه كله، وربما أن هذه هي أهم المعيقات التي تعيق هذا العلم اليوم عن أية محاولة تجديدية، إذ يعد الخروج على ما قرره الشافعي بمثابة هدم لعلم الأصول من أصله.[6] بعد كل هذا يحق لنا القول إن ما أسس له الشافعي وكل من سار على دربه في موضوع البيان، لا ينسجم مع السياق الكلي والمنهجي للآيات القرآنية، ومن ثم فالشافعي رحمه الله قد خط مسلكا من التفكير أفضى إلى الحد من دور القرآن في العملية البيانية سواء تعلق الأمر بالأحكام التي جاء بها أو تعلق الأمر بكل المواضيع والقضايا التي عرضها من خلال آياته وسوره. وننبه القارئ إلى ما قام به الجاحظ (ت255 هـ)، وهو من أهم المعاصرين للشافعي، الرجل لا يقل أهمية في عصره عن الشافعي، فهو اعتزالي المذهب وقريب من أهل الرأي؛ ورجل كهذا بالضرورة تكون له وجهة نظر عن طبيعة كيفية التعامل مع المرجعية الإسلامية، فقد اهتم في كتبه ورسائله بالتنظير لمختلف عناصر الخطاب: المتكلم والنص والمتلقي، وله اهتمام بالغ بالخطاب الإقناعي بدعوته لمناظرة الخصوم بالحجة، ونرى أن عنوان كتابه "البيان والتبيين" ليس من قبيل الصدفة، ونرجح بأنه من باب بسط النظر في موضوع البيان الذي سبق الشافعي أن قال فيه برأي. لقد حصر الجاحظ أصناف الدلالة بقوله: "جميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ، خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد: أولها اللفظ، ثم الإشارة، ثم العقد، ثم الخط، ثم الحال التي تسمى نصبة".[7]

1 ـ بيان باللفظ: اللفظ نفسه.

2 ـ بيان بالإشارة، فهي قد ترافق اللفظ و تساعده أحيانا.

3 ـ بيان بالخط: فهو معروف، أي الكتاب. ويقرأ بكل مكان ويدرس في كل زمان.

4 ـ بيان بالعقد: فهو الحساب، وأهميته لا تخفى، فلولا الحساب لم يتمكن الإنسان من تقسيم الزمان إلى سنين وشهور وأيام، ولا عرف كيف ينظم تجارته وأمور حياته.

5 ـ بيان بالنصبة: "فهي الحال الناطقة بغير لفظ والمشيرة بغير اليد. وذلك ظاهر في خلق السماوات والأرض وفي كل صامت وناطق وجامد وتام و مقيم وظاعن وزائد وناقص. فالدلالة التي في الموات الجامد كالدلالة التي في الحيوان الناطق. فالصامت ناطق من جهة الدلالة و العجماء معربة من جهة البرهان. وبذلك قال الأول سل الأرض فقل: من شق أنهارك وغرس أشجارك وجنى ثمارك؟ فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا".[8]

وبهذا، فأشياء العالم كلها دالة تبين بذاتها لمن تبينها واعتبرها، بأخذ العبرة منها عبورا إلى ما بعدها، وهذا لا يتأتى إلا بالفكر والنظر، الذي نص عليه القرآن الكريم في أكثر من موضع . إن البيان لدى الجاحظ له صلة بفلسفة اللغة، وبالقدرات العقلية والذهنية لدى السامع و المتلقي، والكاتب والقارئ، والمرسل والمرسل إليه، على حد سواء. فكلا الطرفين يشتركان في عملية البيان و التبيين؛ أي الدلالة على المعنى والإيضاح. وهذه العملية لا تكتمل إلا بتوظيف علم الحساب. ومن المعلوم أن لهذا العلم بين سائر العلوم ، أهمية قصوى في تطور الإنسان، وفي بناء الحضارة؛ فأهم الثورات العلمية في تاريخ البشرية، تتصل بهذا العلم، فلولا علم الحساب لما تمكنت البشرية من تبين المساحات والأشكال الهندسية والمسافات والمقادير...الخ و ما تمكنت الإنسانية من الإحاطة بجغرافية الأرض. أما الإشارة، فتتأتى من خلال فك رموز الأشياء والظواهر. وهذا كله لا يصدق إلا بتفعيل الفكر والنظر في الموجودات، وتبقى اللغة هي الحاملة لمعاني الموجودات ودلالاتها؛ وبهذا فأصل البيان - عند الجاحظ - هو العقل والنظر والرأي، فهو لم يجعل العقل تحت سلطة النص، بل جعل من العقل طريقا إلى فهم النص، المسلك الذي تم تغييبه بقدر كبير في الثقافة الإسلامية إلى درجة تغييب العلوم العقلية من رياضيات وطب وفلك وفلسفة... في فهم النص الداعي إلى النظر في الكون قال تعالى: " قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)" سورة العنكبوت.


[1] تأخذ مفردة كتمان في سياق القرآن الكريم وضعا يقابل مفردة بيان.

[2] توشيهيكو إيزوتسو، الله و الإنسان في القرآن، ترجمة محمد الجهاد، المنظمة العربية للترجمة، بيروت ط الأولى 2007 ص 216.

[3] انظر: محمد، ابن إدريس الشافعي، الرسالة، تحقيق أحمد محمد شاكر، مكتبة التراث، القاهرة، ط.2005، ص. 111وما بعدها.

[4] من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، جورج طرابيشي، دار الساقي بالاشتراك مع رابطة العقلانيين العرب، ط. 2، 2011،ص. 173

[5] الرسالة م.س. ص. 111

[6] هناك الكثير من الدراسات العلمية التي اشتغلت على إعادة قراءة موضوع أصول الفقه قراءة نقدية، بدل القراءات التبجيلية، منها ما قام به المغربي عبد المجيد الصغير في كتابه"الفكر الأصولي و إشكالية السلطة العلمية في الإسلام" وكذلك التونسي حمادي الذويب في كتابه "جدل الأصول والواقع"

[7] البيان و التبيين، للجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون،مكتبة الخانجي،ط.7،سنة 1998، ج.1، - باب البيان- ص. 75 وما بعدها.

[8] نفسه.