مشروع حاييم الزعفراني: إحياء التراث اليهودي

فئة :  مقالات

مشروع حاييم الزعفراني: إحياء التراث اليهودي

تقديم:

إذا كان الدارسون قد تناولوا الفكر اليهودي بالدرس من نواحي مختلفة: التاريخي منه والاجتماعي والاقتصادي والقانوني؛ فإنّ ذلك لم يكن بالأمر الجديد إذا ما قورنت دراساتهم بما قدّمه حاييم الزعفراني من كتابات في الموضوع نفسه بقصد إحياء التراث اليهودي وفق بحث منهجي للوثائق الموجودة في الفكر اليهودي، ارتكازاً إلى أشكال تعبيرية مختلفة؛ فالإبداع الأدبي: المكتوب والشفوي لا قيمة لدراسته بمعزل عن أشكال الفكر الأخرى، ولذلك فهو جزء لا يتجزأ من التاريخ، فكل إبداع أدبي وكل فكر هو مصدر للتاريخ، بل إنّ كتابة التاريخ يمكن أن تكون انطلاقاً من السيميولوجيا والرسم والفلكلور والأدب والموسيقى.[1]

لقد كان هدف الزعفراني من كل ذلك هو ضمان الحفاظ على تراث فكري روحي أورثه الأجداد القشتاليون واليهود المغاربة أحفادهم "لقد عرفت المجموعات المغربية، طوال القرون الأربعة الأخيرة المظلمة من تاريخ المغرب، كيف تحفظ تلقائياً كنز الثقافة الذي تسلمته لإنعاشه وبعث الحيوية فيه وإخصابه، كلما توفرت الشروط الملائمة لذلك... واستطاعت الجماعات فعل هذا في وقت كانت تعيش فيه تحت طوق مزدوج، نتيجة انعزال البلد نفسه عن كل حضارة غربية وتقوقعها داخل الملاح، هذا التقوقع الذي كان يمنع أي اتصال فعال مع العالم الخارجي، ويرتبط الهدف الثاني لهذا النشاط الثقافي ارتباطاً وثيقاً بالهدف الأول؛ فهو يبرز القيم الشمولية لليهودية، وفي الوقت نفسه، يعد مرآة تعكس رؤية الجماعة لذاتها، ووسيلة للتعبير عن عالم لم يكشف منه إلا القليل لحد الآن..."[2]، مما حفز الزعفراني على ضرورة البحث، وكلف نفسه مهمة إعادة الروح لهذا التراث الثقافي اليهودي الموروث منذ العصر الذهبي للعبرية ــ العربية التي عاشت على أرض الإسلام، وبالتالي توضيح النشاط الوقاد الديني والفكري، وجو الروحانية المتفائلة اللذين سادا في وسط الطوائف المنسية، وقد أبدعت هذه الطوائف، بالرغم من هذ النسيان، إنتاجاً أدبياً تضمن مساهمات لا يستهان بها في مجال التراث الفكري الذي ارتبط بموطنهم الأصلي أو الموطن الذي يفتح لهم ذراعيه، لاستقبالهم من جهة، أو ارتبط بالآداب الإنسانية والعلوم اليهودية من جهة أخرى.[3]

1ــ مجالات الكتابة عند حاييم الزعفراني:

تكشف كتابات حاييم الزعفراني عن انفتاح عميق على الثقافة اليهودية في الغرب الإسلامي في فترة شكلت التاريخ الحقيقي ليهود المغرب، وهي الفترة التي امتدت ما بين نهاية القرن الخامس وبداية القرن العشرين الميلاديين.

فقد خص حاييم الزعفراني هذه الفترة بالبحث والدراسة انطلاقاً من أشكال فكرية عديدة، باعتبارها جزءاً لا ينفصل عن المحيط الثقافي في الغرب الإسلامي، من أهمها: التعليم والقانون والأدب المكتوب والشفوي، والشعر والقبالة...حيث كلف نفسه مهمة علمية، وعلى نطاق واسع، أحيا فيها عالماً من حياة وثقافة الطائفة اليهودية المغربية، بدءاً من القرن الخامس عشر إلى بداية القرن العشرين.[4] كما أشاد الدارسون بكتابات الرجل، واعتبروها مساهمة في التراث الوطني المبعوث من النسيان والمؤدي إلى أفكار جديدة.[5]

ويجدر التنبيه إلى أنّ أبحاثه لم تخضع لتخصص علمي واحد، بل كانت تختلف بين هذا التخصص وذاك؛ فمن التربية والتعليم إلى القانون، ومن الأدب المكتوب والشفوي إلى القبالة والتفسير التوراتي، إيماناً منه بأنّ هذه الأشكال الفكرية هي حجر الزاوية في بعث تراث فكري يهودي شامل، وإن كان يميل أكثر في البحث والدرس إلى الفكر التشريعي، اعتقاداً منه أنّ الفكر التشريعي هو المرآة التي تعكس حياة الجماعة اليهودية الخاصة منها والعامة، حيث كان يتعمق في شرح المفاهيم التشريعية، ويتلو الفكر التشريعي في الكتابة، الآداب ذات التعبير اللهجي المختلف، والتي قسّمها إلى أدب يهودي عربي، وأدب يهودي قشتالي، وأدب يهودي أمازيغي، وقد عمل على نشر هذه الأشكال من الآداب في مجلة الدراسات اليهودية، والمجلة الآسيوية، ومجلة الدراسات الإسلامية، ومجلة الغرب الإسلامي المتوسطي، يقول حاييم الزعفراني: "تلت دراساتنا في موضوع يهود المغرب التي بدأت بأبحاث في التعليم اليهودي التقليدي بأرض الإسلام، والأدب الشفاهي والمكتوب باليهودية العربية واليهودية الأمازيغية، مساهمة شاملة لمجموع الحياة الثقافية اليهودية بالمغرب ما بين القرن الخامس عشر وبداية القرن العشرين، وتشمل دراسة الفكر اليهودي ومختلف أشكاله التعبيرية".[6]

وعلى هذا الأساس، جاء مشروع الزعفراني مقسّماً إلى قسمين كبيرين:

أ ـ قسم يتعلق بدراسة التعليم اليهودي والأدب الشفاهي والمكتوب.

ب ـ قسم يشمل الفكر اليهودي ومختلف أشكاله التعبيرية، والذي حصره الزعفراني في القرون الأربعة الأخيرة.

وفيما بعد تخطى الزعفراني هذه القرون؛ ليضع بين أيدينا كتابات تضمنت مشاهد عامة من حياة اليهود في المغرب، مشاهد جمعت بين التاريخي والاجتماعي، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

1. Mille ans de vie juive au Maroc ;1986

2. Les Juifs d Andalousie et du Maghreb ;1996

3. Deux milles ans de vie juive au Maroc ;1998

لقد كان شغل الزعفراني الشاغل هو تحطيم أسطورة الشتات (الدياسبورا) في عالم الفكر اليهودي المغربي عامة، والأدبي والشعري خاصة، إذ كان همه هو إعلان شمولية الفكر اليهودي ووضع مبدأ لوحدته العضوية، مؤكداً على الترابط الذي هيمن على علاقات الحياة الفكرية اليهودية في المغرب، والتي تعتبر جزءاً لا يتجزأ من الفكر اليهودي العام.

2ــ أشكال المعرفة اليهودية:

تُعد أشكال المعرفة اليهودية، بما فيها الفكر التشريعي والشعر الديني والكتابات الباطنية( القبالة) والأدب الشعبي المنقول شفاهياً باللهجات المحلية، تُعد أسساً رئيسة لدراسة الكيان اليهودي؛ لذلك انصبّ اهتمام حاييم الزعفراني على البحث في حقيقة هذا الكيان انطلاقاً من الأشكال المعرفية المذكورة، والتي يمكن إدراجها وفق الترتيب الآتي:

أــ الأدب القانوني:

إذا كان بعض الدراسين قد أولوا عنايتهم لدراسة القانون اليهودي، وعرفوا ببعض جوانبه من قانون الأحوال الشخصية (الزواج ـ الطلاق ـ الإرث)، ومن علاقات مع المحيط الإسلامي على ضوء عدد كبير من التقنوت (فتاوى)، وما يحدث في سلوك الفرد والجماعة،[7] فإن حاييم الزعفراني أولى اهتمامه بالفكر القانوني في دراسته الصادرة سنة 1972 بعنوان:

Les Juifs du Maroc etudes de tquanot et response, Paris, Geuthner, 1972

حيث تناول فيها أدب التقنوت والمراسيم (الفتاوى الجماعية) بأهمية بالغة. فبعيداً عن الفكر الربي، يتضمن الأدب القانوني جوانب اجتماعية اقتصادية، تتجلى في العلاقة المباشرة بين الفرد والمجتمع، مما ساعد على معرفة مظاهر المجتمع اليهودي الخفية من تاريخه، والتي مضت في صمت عبر علاقات السفر والعلاقات الدبلوماسية الأجنبية والعلاقات التجارية.

وفي ما يتعلق بأدب "الرسبونسا" الأندلسي ــ المغاربي الذي ازدهر في العصر الوسيط، ذكر الزعفراني أنّ مهمة البحث فيه أصبحت سهلة بصدور كتابات وأبحاث تضمنت فتاوى الربيين من الأندلس والمغرب.

ب ـ الشعر:

إذا كان الأدب القانوني مرآة تعكس الحياة الاجتماعية والاقتصادية أو بصفة عامة الوجود الاجتماعي، فإن الشعر يعد وسيلة تعبيرية أخرى عن الفكر والمعرفة، لا سيما في جانب الحياة العاطفية الخاصة، حيث يعكس الشعر الأفراح والآلام، باعتبارها إحساسات تولدها مشاعر نفسية وجدانية.

والدراسة التي خصها الزعفراني في هذا المجال كانت بعنوان:

Poesie juive en occident Musulman, Paris, 1977

وهي من الدراسات التي اعتبرها الدارس موجهة لمجتمع مثقف، يملك وعياً شعرياً يتجسّد في مستويات مختلفة؛ أولها الوعي الشعري بموروث شعري، والإحساس بواجب الحفاظ عليه وتطويره.

ج ــ الأدب القبالي:

يعتبرالأدب القبالي نوعاً آخر من أشكال المعرفة اليهودية، فإذا كانت معاناة الشطحات الصوفية منحصرة في نخبة ضئيلة جداً، فإن القبالة على العكس من ذلك، إذ كانت تعرف في بعض جوانبها، وفي بعض مظاهرها وطلسماتها التي تقارب السحر، اهتماماً واسعاً ونفوذاً شعبياً عظيماً، خصوصاً في الجنوب المغربي( سوس ـ تارودانت ـ تافيلالت ـ تخوم الصحراء...)، وتعد دراسة الزعفراني:

Kabbale, vie mystique et magie, Paris, maison neuve Larose,1986/ 1996

دراسة مستفيضة، تفيد كل من رغب في معرفة الأدب القبالي.[8]

د ـ الأدب المكتوب والشفوي:

يتضمن الأدب المكتوب والشفوي موضوعات مختلفة، منها: القصص الموزونة المستوحاة من التوراة والأشعار الدينية وأناشيد الفلكلور.

ففي هذا اللون من الأدب، تذوب حدود الدين والفواصل الاجتماعية والثقافية، وبواسطته يتم الاتصال السهل بين الطبقات الشعبية، كما يتم فيه أيضاً الإبداع الفلكلوري المتبادل. وإذا كان الأدب المكتوب يقتصر على نخبة من المثقفين، فإن الأدب الشفوي حظي بمكانة مهمة في المجتمع اليهودي، إذ كان يعكس حقيقة هذا المجتمع من خلال أشعار طقوسية ومنظومات وحكايات توراتية وأغاني فلكلورية وحكم شعبية.

وقد وضع الزعفراني في هذا الشكل المعرفي كتاباً جامعاً للأدب اللهجي والشعبي بعنوان:

Litteratures dialecteles et populaires juive en occident Musulman, Paris, Geuthner,1980

3 ـ أهداف الزعفراني الإحيائية:

كلّف حاييم الزعفراني نفسه مهمة البحث في التراث اليهودي قبل التهجير من الأندلس وبعده، كما بحث في خصوصيات الطائفة اليهودية الاجتماعية والدينية والفكرية في فترة امتدت من القرن الخامس عشر إلى بداية القرن العشرين. وظل الباحث وفياً للمهمة التي ألقاها على عاتقه عقوداً من الزمن، متجاوزاً عقدة الآخر، دون الفصل بين الثقافات والديانات، يقول حاييم الزعفراني: "ومع ذلك أصررنا على أن نظل نحن أوفياء لمهمتنا، لقناعتنا منذ أكثر من ثلاثين عاماً بضرورة عدم التخلي عما علمنا إياه التاريخ، وأنه لا بد من أن نحاول النظر إلى الأشياء من الداخل، وأن نتجاوز حواجز الغيرية، وأن نحتفظ دوماً بالمسافة الكافية التي تسمح لنا بالنظر والفهم. إنّ الذي يحقق المستقبل الأفضل والأحسن هو الذي يترك جذوره تمتد عميقاً في الماضي".[9]

من هذا المنظور، كانت انطلاقة باحثنا في البحث والدرس بالنظر إلى الأشياء من الداخل من عمق حياة طائفة اندمجت بفكرها العام في حضارة امتدت جذورها بين شبه الجزيرة الأيبيرية وشمال أفريقيا؛ فذابت حدود الغيرية التي لم تكن حجر عثرة أمام حاييم الزعفراني.

لقد كانت غاية المشروع الزعفراني، بعد بعث وإحياء التراث اليهودي في الأندلس والمغرب، هي حثّ بني جلدته على العودة إلى ماضي أجدادهم الفكري والتمسك به؛ لأنه هو حجر الزاوية في صناعة التاريخ أولاً، والحفاظ على الهوية الثقافية المعرضة للضياع ثانياً؛ إنه مشروع نهضوي يقوم على الرجوع إلى السلف اليهودي في الأندلس والمغرب.

والجدير بالإشارة هو أنّ الأستاذ الزعفراني درس أشكال الفكر اليهودي في الغرب الإسلامي في فترة بدأت بالهجرة وانتهت بالهجرة؛ الهجرة من الأندلس في اتجاه المغرب خلال القرن الخامس عشر، ثم الهجرة في اتجاه إسرائيل أو بعض الدول الأخرى خلال القرن العشرين؛ وتُعدّ هذه الفترة بالتحديد فترة تذكر يهود اليوم بالحنين إلى الوطن، حنين بعث على الشعور بالحزن والأسى عن فقدان وطن وجدوا فيه الأمن والحوار والتعايش، ولم يشعروا يوماً بأنهم أغراب، كما هو الشأن اليوم في بلدان أخرى بما في ذلك إسرائيل؛ ولعل هذا الشعور هو الذي رفضه الزعفراني بالرجوع إلى ماضي الأجداد وبعثه قصد الاعتزاز به رافضاً ما أسماه بالتاريخ المليء بالدموع. يقول الزعفراني: "يبقى من تاريخ يعود إلى ألفي سنة على أرض المغرب المعطاء، ذاكرة يهودية مغربية، يتردد صداها في روح المهاجرين، تدوي في موسيقاهم وغنائهم، في فلكلورهم وشعائرهم، في احتفالهم بلالة ميمونة والهيلولا، وفي مزاراتهم الجماعية لقبور أوليائهم المحليين، مثل الربي عمرام بن ديوان في وزان، وموالين داد بسطات وغير هذين. والأمر أكثر عند المهاجرين الذين أقاموا في إسرائيل؛ فذاكرتهم تنبئ عن نفسها في حنينهم إلى الوطن وأسفهم الحزين وأزماتهم المريرة أو التي يثيرها الحنين الدفين، وفي كتاباتهم الغاضبة أو الهادئة. وتعبر هذه الذاكرة عن نفسها ببراعة في الخلق الأدبي العبري الناشئ لدى بعض الأدباء من أصل مغربي، وبالأخص في رهافة الشعراء الشباب الذين عبروا في آثارهم الأدبية الجيدة عن الروح المكلومة والثقافة المهمشة أو المهانة وقساوة العيش التي يعانيها شتات ثانٍ، هو الذي عرفنا منه، من قبل، على أرض المغرب المعطاء، الوجه الوضاء وحرارة العاطفة والأفراح والأحزان".[10]

إنّ ما ذكره الزعفراني لم يأت من الماضي الذي كرّس له ربيع عمره، وإنما من واقع يختلف كل الاختلاف عن الماضي، واقع الشتات الثاني، حيث أصبح اليهودي يحنّ إلى الماضي أكثر من الواقع الذي يعيش فيه، لأنه ترك وطناً يشهد له التاريخ بالتقاء الحضارات والثقافات، واتجه نحو مجتمع لم يبلغ بعد طور المجتمع المتبلور المنسجم، بوصفه مجتمع هجرة، تكوّن في فترة زمنية قصيرة عبر موجات متتابعة من الهجرة اليهودية.

صحيح أنّ يهوداً هاجروا إلى بلدان أخرى، وفضّلوا الاستقرار فيها، مثل فرنسا وكندا وأمريكا اللاتينية، غير أنّ نسبة أخرى فضّلت الوجهة نحو إسرائيل بفعل جهود الحركة الصهيونية ومنظمتها السرية، هذه الحركة التي سعت فيما بعد إلى طمس الهوية الثقافية ليهود المغرب والمشرق وتحويلهم إلى يهود غربيين، الأمر الذي ولّد المعاناة لديهم، وقد عبّر عن ذلك شباب من اليهود الذين أحسوا بالأسى والمعاناة من الحقد والتمييز العنصري. غير أنّ الزعفراني أمام هذه الملابسات فضّل أن يتجنب الخوض فيها، بوصفها تطرح قضايا معقدة انعكست بشكل سلبي على حياة اليهود الاجتماعية والثقافية، يقول: "ليس من مهمتنا أن نخوض في أمر الملف الكبير المتعلق بـ"إسرائيل الثانية" وعواقبها المعقدة التي لها الأثر الكبير على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وكلها ركام من المشاكل أزعج وأقلق الرأي العام في الشتات وفي إسرائيل، بعد أن زاغت عن أهدافها الحقيقية، وصارت موضوعاً للتوتر والمواجهات الداخلية بين الطوائف، وسوف ينحصر همنا في القضايا التي تعترض اليهودي السفردي أو الشرقي واليهودي المغاربي خاصة، وهي قضايا الفكر والتعليم والتربية".[11]

وبناء على هذا، وجد الباحث نفسه محاصراً بين موروث الأسلاف الذي لمس فيه حقيقة الهوية الثقافية اليهودية الحقيقية، وهي هوية تسلح بها لكسر أسطورة الشتات، غير أنه وجد نفسه محاصراً بشتات ثانٍ رفض الخوض فيه، لأنه شتات قائم على التمييز العنصري بين اليهود الأشكناز واليهود السفرديين في إسرائيل.

وإذا كان الأمر كذلك، فإننا نجد أنفسنا أمام حقل استفهامي ندرجه كالتالي:

إذا رفض مثقف كبير، مثل حاييم الزعفراني، مهمة الخوض في ملف معقد أزعج الرأي العام؛ فكيف يمكن ليهود الشرق أن يعيشوا حياة كما في الماضي، إن لم يتخلصوا من مأساة الشتات الثاني؟ كيف يمكن لهذا الباحث أن ينجز مشروعه النهضوي المنشود دون ربط الماضي بالمستقبل؟ ذلك أنّ محاورة الماضي هي شرط أساسي في تحقيق المستقبل، وهل دراسة قضايا الفكر والتربية والتعليم التي تقلد الزعفراني أمرها كافية لمعالجة الواقع اليهودي وبالتالي تحقيق نهضة يهودية تخلص اليهود المهمشين من واقع الشتات الثاني المأزوم؟

خاتمة:

إنّ ما قدمه حاييم الزعفراني عن اليهود من أبحاث، يعد مخزوناً علمياً يحظى بالاهتمام والدرس، ذلك أنّ الرجل انكبّ على البحث منذ خمسة عقود من الزمن قصد بعث فكر يهودي ظل حبيساً لسنوات طوال، ومن خلاله حاول إثبات هوية يهودية انطلاقاً من كتابات خلفها يهود أسلاف، سواء تعلق الأمر بالتربية أو القانون أو الإبداع الشعري أو التفسير التلمودي أو النثر الفني أو الكتابات الصوفية والسحرية؛ فقد شمل مجمل هذه الكتابات معلومات قيمة يجتمع فيها التاريخي بالاجتماعي والديني بالفكري، علماً أنّ هذه القيم لا تنفصل في شموليتها عن المحيط العام الذي نشأت فيه، ونقصد بذلك الأندلس والمغرب؛ فالعلاقات التي كانت تربط اليهود بالمسلمين في هذا المحيط علاقات متينة بلغت مستوى الحوار والتلاقي، تجلى ذلك في الآداب الشفوية باللهجات المحلية، سواء منها اليهودية الأمازيغية أو اليهودية العربية أو اليهودية الأندلسية، زدْ على ذلك الأساطير والحكايات الشعبية وتقديس الأولياء.

لقد نظر الزعفراني في هذه الأشكال الفكرية باعثاً تاريخياً لليهودية المغربية، من خلالها يمكن كتابة تاريخ يهودي شامل لا ينفصل في شموليته عن التاريخ اليهودي العام بعيداً عن التاريخ المليء بالدموع.


1- HAIM ZAAFRANI, Historicite de l’univers culturel judeo - Magheribin, Mohammedia, Royaume du Maroc, universite d’été, 1987, PP 307-308

2ـ حاييم الزعفراني، ألف سنة من حياة اليهود بالمغرب، ترجمة أحمد شحلان وعبد الغني أبو العزم، ط1، البيضاء، 1986، ص 166ــ 167

3 ـ المرجع نفسه، ص 166

4- ARKOUN Med, Haim Zaafrani, poesie juive en occident musulman, Geuthner, 1977, Hesperis, 1978, 262

5- LEVY Simon, mille ans de vie juive au maroc, Hesperis, vol xxu, 1984, p155

6- HAIM Zaafrani, les reletions Judeo Musulmanes dans la littérature juridique, Actes du collque international, octobre 1978, p 32

7ـ نذكر هذه من الكتابات:

-CHOURAQUI Andre, la condition juridique de la femme juive au Maroc, Paris, 1952

-LAREDO Abraham, les taquanots des juifs expulses de castille au Maroc, casa ,1953

8 ــ انظر مقالة خصصت كقراءة في هذه الدراسة في قسم الموروث الديني / مقالات على موقع مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.

9ـ حاييم الزعفراني، يهود الأندلس والمغرب، ص 597

10ــ المرجع نفسه، ص 78

11ــ المرجع نفسه، ص 571