معضلة الغلوّ في بُعدها الثقافي - السياسي

فئة :  مقالات

معضلة الغلوّ في بُعدها الثقافي - السياسي

1- تنتاب المرء حيرة عميقة، وهو يحاول أن يفقه ما يجري حوله أو في العالم من مظاهر الغلوّ المختلفة التي تُزهق فيها الأرواح، وتداس فيها القيم، ويتهاوى فيها الإنسان إلى أسفل الدركات. مثار هذه الحيرة أن مظاهر التطرف تزداد استشراء في عالم تزداد أسبابُ قرب بعضه من بعض عبر وسائل نقل واتصال و تواصل ومعرفة لا تفتأ تتسع وتتطوّر؛ فعوض أن نشهد حركة تراجع للتطرف نكتشف تفاقما له، كمًّا ونوعا، وكأننا أمام مجتمعات تتكاثر عوامل فُرقتها وتناكرها.

تزداد الحيرة إلحاحاً، حين يبدو الغلوّ ممهورًا بخاتم المبادئ السامية كالعقائد الدينية أو النزعات الوطنية القومية أو المنظومات المساواتية؛ عندئذ تختلّ الموازين وتنهار المرجعيات وينحبس الوعي.

المُرعب في الوطن العربي خاصة، أنه يبدو وكأنه يسير حثيثاً نحو اختيار يرفض تلك العقائد والنزاعات والمنظومات، لاعتقاده أنها لا يمكن أن تُفضي إلاّ إلى مزيد من التوتّر والتعصب؛ أي مزيد من الفوضى. ذلك ما يجعلاختيار اللامبالاة، وكأنه اليوم أفضل معالجة لمواجهة شتى أنواع التطرف، رغم ما يحمله هذا الاختيار من تمزّقات وانهيارات أشنع وأعمق، فضلا عن كونه لا يمكن أن يستهوي سوى عدد محدود من الأفراد والفئات. لهذا، تأكد بحث العلاقة بين ظاهرة الغلوّ والمبادئ الدينية مساهمة في معالجة تجاوزية للظاهرة ينبغي أن تقوم على تحليل تركيبي، يواكب فيه الثقافي الاجتماعي الاقتصادي والنفسي، وتلتقي عليه كفاءات فكرية وثقافية وعلمية، وأخصائيو التحليلات الاستراتيجية؛ لينتهوا فيها إلى رؤية كاملة ومتكاملة؛ أي حضارية قابلة للتنفيذ والأجرأة.

انكشف وجه المعضلة يوم جرى احتلال الحرم المكّي في فاتحة القرن الهجري الحالي الموافق لـ 1979 م، وما جرى فيه من رفع لشعارات إسلامية ومطالبات ثورية، وما وُوجهت به من تقتيل وتشريد وقمع للشباب المتمرد. كان ذلك الاحتلال أول إشارة إنذارية ذات دلالة رامزة موجّهة للعالم العربي-الإسلامي كله، توالت بعدها الإشارات متلاحقة ومتفاقمة ومؤكدة على ضرورة الإدانة الحازمة للتطرّف المتوشح بوشاح التديّن، والمعبر عن تأزّم يدمّر قيم الدين وروحه ومقاصده. فمن مقتل المفكر "محمود طه" في السودان إلى اغتيال الكاتب المصري "فرج فودة"، ومن الأحداث الفاجعة التي يشهدها المشرق والمغرب العربيان، يتأكد أكثر فأكثر أن المعضلة تواجه الجميع بمستقبل بائس، لأنها تغتال النخب، وتدفع المجتمع إلى مهالك الاحتراب، متجاهلة مصاعب الواقع وتحدياته الكبرى، ولأن الحلول والمعالجات المعتمَدة لا تزيدها إلا استشراء.

كيف يمكن معالجة الغُلوّ بصورة ناجعة تحقق مجاوزة آلياته وفعله التدميري؟

ذلك لايتأتّى ـ في تقديري- إلا بتحقق معالجة ثقافية ـ سياسية، تكسب من جهة الثقافة الإسلامية جملة من المراجعات الضرورية التي تَأخر القيام بها و ُخرج، من جهة أخرى، العقل والفعل السياسيين من حالة العفوية والاعتباطاللذين أفقدا المجتمعات كل قدرة على تحقيق مصالحها إزاء هيمنة الدولة الناشئة.

2- إذا كانت الثقافة العربية الإسلامية تمتاز بجملة من الخصوصيات المرجعية التي تشكّل هوية الفرد والمجتمع، فإنه كثيراً ما ننسى أن هذه الهوية ليست كائناً جامداً ونهائياً، بل هي حضور حي يؤثر ويتأثر، القيمُ والمفاهيم المرجعية فيها "تصعد وتنزل"، تختفي ثم تعود للظهور، تخبو أو تتألق، تنهار أو تتخذ أشكالا مغايرة بتأثير قيم جديدة. فحديثنا عن الثقافة الإسلامية أو الهوية ليس إلا بهذا المعنى، لأنه يمكّن من تشخيص قادر على تفسير الماضي وفهم تحوّلاته، ومن ثم "محاصرة" معضلات الحاضر. فإذا كانت الثقافة أشبه "ببورصة القيم" التي تصنع حياة المجتمع، وتُصاغ بحراك المجتمع نفسه أمكن لنا أن نقول أيضا: إن عاهات المجتمع وعلله ترجع إلى أزمة ثقافية، لم تجد من النخب وقوى المجتمع المعالجة الضرورية. الغُلوّ وما ينشأ عنه من عنف في مجتمعاتنا العربية الإسلامية أحد هذه العاهات الخطيرة، وهو لذلك يحتاج إلى تشخيص دقيق.

وعن سؤال: كيف ينشأ التطرف، وينمو في نسيجنا الثقافي؟ ترتبط الإجابة أولا بوضعية الآخر في البنية الثقافية السائدة: كيف ننظر إلى المختلف عنّا في مجتمعاتنا ؟ كيف ننظّم علاقتنا بالمغاير لنا في سلوكه ورؤيته للحياة والوجود؟ ذلك أن الثقافة التي تمهّد لأصناف الغلوّ والعنف هي ثقافة تنمّي التصور الأحادي، وتبالغ في تركيزه إلى درجة الهوس، تضيق بالاختلاف والتنوّع، فتمضي في توليد النعوت والأوصاف التحقيرية لكل نزعة اختلافية، متجاوزة في ذلك حدّ الإدانة الضرورية لوقاية كل المجتمعات، لتبلغ حدّ التعطيل لكل مراجعة أو تقييم أو ابتكار. من ثم، فإن وضعية "الآخر" تصلح لكشف طبيعة ترسيمة (Schéma) ذهنية المجتمع ومدى قابليته للتطرف.

إن بحثنا عن "ماهية" التطرّف يُفضي بنا إلى الوقوف على رؤية قوامها إنكار "الآخر" كقيمة مماثلة "للأنا" و"النحن"، قيمة تستحق الحياة والتقدير، لذلك فهي لا ترى له من حقّ إلا النفي، إما باستتباعه أو تصفيته : فالآخر أو المُغاير أو المُختلف في منطقثقافة الإدانة هو مصدر الشرور والآثام الذي ينبغي استئصاله، لأن تمايزه عنّا يُعتبر تمايزا مطلقا في حين أنه في الأصل تمايُزٌ نسبيّ.

والسؤال الذي يفرض نفسه إثر هذا هو: هل الثقافة الإسلامية هي ثقافة إدانة؟ وهل تحمل آلية تفكير تُغَرِّب الآخر عنّا ونتغرب بها عنه؟ نُسرع ونقول: إنها ـ وإن أصبحت اليوم أقرب إلى هذا النوع من الثقافات ـ فإنها لم تكن كذلك دائما من قبل، كما أنه يمكنها أن "تتأصل"، فلا تبقى مُفرزة لخصوصيات الغلوّ والعنف.

3- لم تكن الثقافة الإسلامية دائما على شاكلة واحدة في علاقتها بالآخر، يظهر ذلك في فترة التأسيس وحقب أولى من عصر الازدهار،ويمكن توضيح ذلك من خلال مجالين رئيسين:

(أ) النص التأسيسي:

نجد فيه مثلا: "وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ"(1). مثل هذا الدعاء الذي يرفعه النبيّ زكريا يتبناه الخطاب القرآني، ليحدد وجهة المؤمن في الوجود. إنها وجهة تنبني على أساس إقبال "الأنا" على "الآخر" إقبالا يحصّن المسيرة الإنسانية وينمّيها. هذه الوجهة لا تخص الفرد فقط، بل تصدق على الجانب الأخطر في تجربة الوجود؛ أي جانب حركة الإنسان التاريخية. لذلك يؤكد القرآن في آية أخرى بقوله: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ"(2)، ويقول أيضا: "وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ".(3)

على هذا، فإن النص التأسيسي للثقافة الإسلامية يتناقض مع ما ذهب إليه بعض المحدَثين الذين عدّوا "الجحيم" هو " الآخر" جحيم الدنيا، يكون - حسب النص القرآني- بانقطاع صلة الفرد بالآخر عبر تضخم أنانيته، وعبر تفاقم قوى التباعد، والتناكر بين الفئات والمجتمعات التي تقوّض بها مقومات الحياة البشرية.

من جهة ثانية، وعلى صعيد تفسير التاريخ، يقدم النص القرآني الدعوة المحمدية على أنها حلقة خاتمة لسلسلة الرسالات الإبراهيمية التي تغيّرت بعض جوانبها التشريعية، لكن جوهرها الاعتقادي والتصوري ظل واحداً. ذلك ما حرصت على تركيزه مقاطع قرآنية عديدة تبلغ حوالي ثلث القرآن، ضمن جدال أهل الكتاب تأكيدا على أن الرسالة المحمدية هي تواصل لدين واحد وتتويج له.

على هذه المعالم، دفع النص التأسيسي بالمؤمن إلى بناء ذهنية قادرة على اقتحام العالم مساهمة في بناء تجربة إنسانية خاضها من قبل الأنبياء والحكماء. ذلك عين ما ميّز الثقافة الإسلامية في عهود إبداعها، إذ انبنت على أن قدر الإنسان أن يلقى الإنسان.

في عصور التأزّم والانهيار، ساد الثقافة الإسلامية توجّهٌ انطوائي كارهٌ للآخر حريص على نفيه، ومن ثم تزايدت عوامل تفكك المجتمعات الإسلامية؛ لأن ترسيمتها الثقافية أصبحت عاجزة عن أن تكون أداة إثراء للوجود الإنساني المتنوّع في وحدته، والواحد رغم تباين أحواله.

(ب) التجربة التاريخية:

تؤكد التجربة التاريخية للمسلمين في عصر التأسيس وأوائل مرحلة الاستقرار حقيقة ثقافية مركزية، تعود إلى مجال الضوء عبر أزمة الثقافة الإسلامية المعاصرة. لقد أتاحت النصوص التأسيسية إبراز تجربة تاريخية مرتبطة في إبداعها الحضاري بدرجة الاعتراف "بالاختلاف" والتعدد. لقد عرف الاجتماع الإسلامي صيغاً لتنظيم الاختلاف، تبدو اليوم غير كافية لكنها كانت دون شك - بالنسبة إلى تجربة تعتمد مرجعية الحق المطلق ـ علامة استنارة وتفتُّح. بذلك أمكن للمسلمين في المشرق والمغرب أن يُدركوا أن نزوعهم إلى أفق عالمي لا يتأتّى إلا بالتفاعل والتبادل مع الآخر؛ أي الاعتراف به، وتنظيم هذا الاعتراف في صيغ مقننة. إن الذي ينبغي ألاّ نغفل عنه في حركة التوسع العسكري الإسلامي هو تلك المثاقفة العظيمة مع الديانات والمعتقدات والفلسفات الأخرى ومع أتباعها وطوائفها وشعوبها.

بذلك صار الاختلاف عامل إثراء وإبداع، وتحوّلالمسلمون طيلة القرون الأربعة الأولى ـ بالخصوص - إلى حاملي وعي عالمي، اكتسب مناعته وقدرته على "الفتح "من إعراضه عن كل تمركز حول الذات والتقوقع على الخصوصيات المحليّة الضيقة. بعد ذلك، وحين صار التأكيد على الواقع المعرفي المحلّي مع مرحلة التقنينات الفقهية التي هيمنت عليها الخصوصيات المذهبية والعرقية، تراجعت حركة المثاقفة منعكسة على كل المستويات الاجتماعية والسياسية والعسكرية، عندها بدأ الاندحار المطّرد الذي لم تزده الأيام إلا حِدّةً.

4- كيف يمكن للثقافة الإسلامية أن تحمل اليوم - من جديد- وعياً عالمياً، تصبح به شريكاً فاعلاً في الحضارة الإنسانية القائمة؟ ذلك يتطلب القيام بمراجعات كبرى وأعمال " تأصيلية" تتعيّن في إعادة القراءة، عن طريق مَوْضَعة المسائل الدينية والفكرية والاجتماعية في الإطار المعرفي السائد. من هنا تكون المباشرة الثقافية الضرورية لظاهرة الغلوّ في تعبيراتها الدينية.

يبقى الشرط الثاني لمعالجة الظاهرة نفسها، وهو المرتبط بالمعضلة السياسية في مسؤوليتها على إنتاج الغلوّ وتكريسه. أهم ما يعين على تشخيص هذا البعد هو أننا في عموم بلداننا العربية الحديثة عانينا في العصر الحديث مما يمكن تسميته بـ "موت السياسة"(4) موتاً سريرياً أو وظيفياً نتيجة الولادة التعسفية لنظام الدول العربية الحديثة التي اقتصر فكرها السياسي على اعتبار السياسة "فن الممكن".

المعضلة في بعدها السياسي، التي نحمل أعباءها اليوم، هي أن "فن الممكن" انتهى إلى نقل الفعل السياسي(5) من مجال العقل والعلم والصالح العام إلى مجال التأطير الضيق واللصيق للمجتمع، واستتباع قواه الفاعلة وحاجياته وقيمه. بهذا أفضت العلاقة بين الدولة الحديثة والمجتمع إلى نوع من التنميط، حيث صارت الدولة آلة ضخمة لإنتاج الجزاء للمحابين والموالين، والعقاب للمناوئين والمخالفين كيفما كانت انتماءاتهم الاجتماعية.

من هذا التفويت في منظومة المعالجة السياسية انحدر الفعل السياسي إلى حالة "الموت الوظيفي"، واختفى كل مشروع وطني، تنخرط فيه طاقات الفرد والجماعة بفاعلية وإبداع.

مرّة أخرى، حين نسأل عن نشوء الغلوّ ونموّه في واقعنا السياسي الاجتماعي، فإن الجواب يتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع والفرد، وبمدى مساهمة هذه العلاقة في ظهور مشروع وطني جامع ومعاصر.

ذلك هو التحدي الآخر الذي يستدعي تعاطياً إيجابياً يدعم المعالجة الثقافية المجدّدَة، وبدونهما ستتفاقم مخاطر الغلوّ بصورة مؤكدة؛ لأن المناعة الذاتية للمجتمعات لا تتوفر إلاّ بثقافة الجماعة المبدعة والمتضامنة، وبالمواطنة الواعية والفاعلة.


(1) الأنبياء 89/21

(2) الحجرات 13/49

(3) الروم 22/30

(4) راجع مقولة "حنة أرنت " في تحليلها للنظم الشمولية، وأن العنف الذي تمارسه يتعارض جوهريا مع السياسة، بل يقصيها ويغيبها تماما قصد التطويع الاجتماعي والتخدير الإيديولوجي. راجع كتاب Qu'est-ce que la politique ? Ed.Le Seuil, Paris, 1995

(5) راجع مفهوم "السياسة" في الموسوعة الفلسفية العربية، معهد الإنماء العربي، بيروت ط1 1986.