مفاهيم إخوانية خوراجية مسماة إسلامية

فئة :  مقالات

مفاهيم إخوانية خوراجية مسماة إسلامية

كرست الجماعات اليوم مجموعة من الأحكام والمفاهيم التي حظيت بقبول عميق لا يقبل المناقشة والمراجعة، دون ملاحظة إن كان تلك الأحكام والمفاهيم هي من الدين بالفعل! أو حتى محاولة سؤال النفس، عما يترتب عليها من متواليات معقدة في العمل والعلاقات وفهم الدين وأحكامه، وتبدو محاولات تفكيك هذا الخطاب أو مراجعته، وكأنها خروج على الدين نفسه وليس جدلا مع أفكار ومفاهيم بشرية، ربما لا يكون لها علاقة بالدين!

سأعرض في هذا المقال أفكارا ومقولات لمحمد أبي فارس في كتابه "مفاهيم إسلامية"، وهو (أبو فارس) أحد قادة الإخوان المسلمين منذ السبعينيات، وعضو مجلس النواب الأسبق لدورتين، وبما أن الإخوان قد أبعدوا وفصلوا من الجماعة عددا كبيرا بسبب مقالات أو آراء فكرية وسياسية، ولم يفعلوا شيئا بحق محمد أبي فارس، ولم يصدر عن الإخوان وقيادتهم ما ينفي معارضتهم لآراء أبي فارس المنشورة، فإنها كتابات يمكن اعتبارها مقبولة في الجماعة، وإن كنت أعلم شخصيا أن عددا كبيرا من قادة الإخوان وأعضاء حركتها يخالفون ما كتبه أبو فارس، ولدي فكرة واضحة ومؤكدة ومتواترة أن كثيرا من قادة الجماعة وأعضائها، ومنهم همام سعيد رئيس الجماعة في الأردن يؤمنون بهذه الأفكار والمقولات.

الجاهلية عند أبي فارس وكثير من الإخوان في الأردن، وكذلك الجماعات التكفيرية والمتشددة في الأردن وخارجه، لا تعني فترة تاريخية (ما قبل الإسلام) ولكنها تعني ما ليس إسلاما، وتشمل الأفكار والمعتقدات والسلوك والمجتمعات في كل، ولا فرق في ذلك بين ما يقوله أبو فارس ويؤيده فيه كثير من قادة الإخوان وأعضائهم، وبين ما يقوله قادة القاعدة والسلفية، .. لماذا يشارك أبو فارس والإخوان المسلمون إذن، في الانتخابات النيابية "الجاهلية"؟

يعرف أبو فارس الجاهلية بأنها "تعني كل وضع نفسي يرفض الاهتداء بهدي الإسلام، ويرفض التحاكم إلى شرع الله، وكل وضع تنظيمي يرفض حاكمية الله للبشر، ويدعي الحاكمية للبشر من دون الله، فيرفض الحكم بما أنزل الله وكل وضع يتمثل في الانحراف عن منهج الله، وكل سلوك يتناقض مع حكم من أحكام الشريعة الإسلامية" (ص 14) وفي تفسيره لمقولة أن الجاهلية تكون في التصور وتكون في الحكم وتكون في السلوك والقيم، وأنها تشمل من يرفض الحكم بما أنزل الله، فيضع دستورا أو قانونا يتعارض مع شرع الله، ومن يطبق دستورا وضعيا لا يقر لله بالحاكمية ويطبق قانونا يصطدم مع شريعة الإسلام، سواء كان الذي يطبق قاضيا أو غير قاض، ..(15) ويؤكد على أن الذي لا يرضى بالحكم القرآني ولا يطمئن إلى عدالة الرب في حكمه جاهلي تصل جاهليته إلى الكفر الذي يخرج من الملة خروجا كليا، ويخلد صاحبه في نار جهنم. (15)

ويسمي هذه النوع من الجاهلية (فرض الحكم بما أنزل الله أو التحاكم إلى غير ما أنزل الله) جاهلية الكفر، وتسمى جاهلية الحكم (17) وهناك أيضا "المجتمع الجاهلي"، وهو الذي يطبق أحكاما غير أحكام الإسلام، ولا تكون الحاكمية فيه لله، وليس بالضرورة أن يكون أفراده كافرين (20)، وهو بين المجتمع والدولة "إن هذه المجتمعات تقوم على أنظمة واضحة الهوية. إن هذه الأنظمة الحاكمة لهذه المجتمعات أنظمة جاهلية من حيث الحكم وآصرة التجمع ... والسلوك الذي تشيعه وتطمئن إليه". (24)

ويرد أبو فارس على أصحاب النفوس المغرضة الذين ينسبون إلى حسن البنا وحسن الهضيبي أنهما يعتبران الحكومات والأنظمة القائمة إسلامية، ويصف ذلك بأنه دعوى ضالة مضلة (24 -31)

المفاصلة والعزلة الشعورية والتميز واستعلاء الإيمان:

تبدو هذه المفاهيم غريبة على غير الإخوان أو من لم يعرف البيئة التي يتشكل فيها الإخوان المسلمون والجماعات الإسلامية، وهي منظومة من السلوك والأفكار والمشاعر القائمة على كره المعصية وعدم مشاركة مرتكبيها ومعايشتهم... والاستعلاء على قيم الجاهلية، وتنشئ بطبيعة الحال أحكاما عملية وأساليب حياة وعلاقات ومتوالية معقدة بامتدادها وأفكارها، وبالرغم من أنها منظومة مؤسسة ل "غيتو" وانفصال، وشعور بالاستعلاء على الواقع "الامتلاء بالحقيقة الواقعة أننا نعيش في وسط جاهلية، وأننا أهدى طريقا من هذه الجاهلية" (42) فإنها تبنى على نصوص لا تبدو متفقة مع هذه النتيجة؛ فالآية التي يبني عليها أبو فارس أحكامه هي قوله تعالى: "وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره، إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا" (النساء 140) وقوله تعالى: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره، وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين" (الأنعام 68)

ويبني على الآيتين أحكام بالعزلة في حالة ضعف الجماعة المسلمة (يعني بالجماعة الإخوان وليس المسلمين) وعدم التمكين لها في الأرض والثانية في حالة التمكين للمؤمنين ووجود قوة لهم (37) وتفسر الآية قصة أوردها من غير مصدر أن عمر بن عبد العزيز أمر بجلد جماعة شربوا الخمر، وآخر كان يجلس معهم دون أن يشرب! برغم أن الآية تتحدث عن الإيمان والكفر!

ويبنى على الآية 55 في سورة الأنعام: " وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين" دعوة للمسلم "المتميز" بألا يخضع لضغوط الجاهلية ويتأثر بها، ويستدل بقول سيد قطب في كتابه معالم في الطريق: لا بد من التخلص من ضغط المجتمع الجاهلي، والتصورات الجاهلية والتقاليد الجاهلية والقيادة الجاهلية في خاصة نفوسنا،... ليست مهمتنا أن نصطلح مع واقع هذا المجتمع الجاهلي، ولا أن ندين بالولاء له، فهو غير قابل لأن نصطلح معه". (48)

ويؤكد أبو فارس بداهة "إن المقرر في هذا الدين أن الإسلام وحده هو المصدر الوحيد للتشريع والتصور والقيم والأخلاق" (75) و"الأمة ليست صاحبة السيادة بمعنى السلطة العليا في سن القوانين، لأن الشريعة الإسلامية لم تعط حق التحليل والتحريم للأمة بمجموعها أو لفئة منها، بل جعلت حق التشريع والتحليل والتحريم هو حق لله تبارك وتعالى، لا ينازعه أحد حاكما كان أو محكوما" (77) ويستند في ذلك إلى قوله تعالى: "إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه" (يوسف 40)

ويستشهد بمقولة سيد في تفسيره للآية: "إن الحكم إلا لله" أن الحكم مقصور على الله بحكم ألوهيته، إذا الحاكمية من خصائص الألوهية، من ادعى الحق فيها، فقد نازع الله أولى خصائص ألوهيته، سواء ادعى هذا الحق فرد أو طبقة أو حزب أو هيئة أو أمة، أو الناس جميعا في صورة منظمة عالمية، ومن نازع الله سبحانه أولى خصائص ألوهيته وادعاها كفر بالله كفرا بواحا، يصبح به كفره من المعلوم من الدين بالضرورة، حتى يحكم بهذا النص وحده". (85)

"ولقد تأكد هذا المعنى في نصوص الكتاب والسنة أن الإسلام هو المصدر الوحيد للتشريع، وأن التشريع الإسلامي يتصف بالشمول والكمال، وأنه صالح لكل زمان ومكان، لأنه صادر عن الرب" (87) ... لقوله تعالى: " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء" (النحل 89)

ويستدل مرة أخرى بسيد قطب، "إن الله لم يترك شيئا غامضا، ولم يجعل العباد محتاجين إلى مصدر آخر يحكمون فيما يعرض لهم من مشكلات الحياة، (وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا) لقد نزل هذا الكتاب ليحكم بالعدل بين الناس فيما اختلفوا فيه، ولتتمثل فيه حاكمية الله وألوهيته،ثم لقد نزل هذا الكتاب مفصلا محتويا على المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الحياة مجملة، كما أنه تضمن أحكاما تفصيلية في المسائل التي يريد الله تثبيها في المجتمع الإنساني، مهما اختلفت مستوياتها الاقتصادية والعملية والواقعية، وبهذا وذلك كان في هذاالكتاب غناء عن تحكيم غير الله في شأن من شؤون الحياة، هذا ما يقرر الله سبحانه في كتابه". (88)

ويحذر من مقولة إن الإسلام الإسلام المصدر الرئيس للتشريع، فهي "مقولة خاطئة وخطيرة وتستوجب غضب الله وسخطه، إذ أن هذه المقولة تعني عند مروجيها أن هناك مصادر أخرى للتشريع وتشارك الإسلام في التشريع، وأن هذه المصادر متممة للإسلام والتشريع الإسلامي،... وهذا يعني أن الإسلام ليس قادرا على حل المشكلات المستجدة ويعتريه النقص، .. إن هذا يعني بكل وضوح طعنا في دين الله واتهاما للوحي بالقصور والنقص ولعلم الله بعدم الإحاطة ولقدرة الله بالعجز، وهذه جريمة نكراء في هذا الدين يخرج المعتقد بها من الدين الإسلامي..." (91)

ويعتبرها نغمة نشازا وصوتا شاذا ومقولة غريبة من يدعو إلى تنظيم العمل الإسلامي وفق القوانين النافذة في البلاد... ذلك أن الحزب الإسلامي أو الحركة الإسلامية أو الجماعة الإسلامية أو غيرها من التنظيمات الإسلامية في غياب الدولة الإسلامية، يكون في مقدمة مهماتها الدعوة الى الإسلام... والعمل لدين الله وإقامة الشريعة الإسلامية في واقع الحياة لا يحتاج إلى إذن من أية جهة كانت، سواء كانت سلطة تنفيذية أو قضائية،.. ويتساءل مستنكرا هل اعتناق هذا الدين ونشره يحتاج إلى إذن؟ ويستشهد هنا بقصة موسى وهارون مع فرعون، ليؤكد مرة أخرى أن شرعية العمل لدين الله والتمكين لشريعة الإسلام لتحكم الناس، مستمدة من كتاب الله وليست من إرادة حاكم ولا نظام... ويرى أن الآية القرآنية "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين" (يوسف 108) تنص صراحة على أن العمل الإسلامي والدعوة الى الإسلام واجب شرعي، أذن أصحاب الجاه والسلطان أم لم يأذنوا.. ثم يتساءل قائلا: إن الإسلام جاء ليغير الأنظمة الجاهلية، فكيف يربط الدعاة عملهم لدين الله بإذن من هذه الأنظمة؟ ... ثم يخلص إلى كل جماعة إسلامية أو تنظيم إسلامي أو حزب إسلامي أو حركة إسلامية أو غير ذلك من المسميات للعمل الإسلامي، تعمل لدين الله واستئناف الحياة الإسلامية، فهي مشروعة، وتستمد شرعيتها من كتاب الله وسنة رسوله، وقد لا تكون قانونية، لأن القانون الوضعي لم يأذن لها فعليها ألا ترضخ له، وقد يكون العمل شرعيا وقانونيا إذا جاء القانون ملبيا لإرادة الشارع الحكيم سبحانه غير مقيد بقيود غير شرعية إرادة الدعاة وأهدافهم ووسائلهم في أعمال لإقامة الدولة الإسلامية، والأصل أن يحرص الدعاة على الشرعية الإسلامية المستمدة من الكتاب والسنة، فإن وافق القانون هذه الشرعية الإسلامية المستمدة من الكتاب والسنة، فإن وافق هذه الشرعية فمقبول، وإن خالفها فمرفوض ولا يجوز الالتزام به شرعا، والرخصة الحقيقية ليست من القوانين الوضعية، وإنما هي من الشريعة الربانية، نعم، إن العمل لدين الله مقرر شرعا لا يحتاج إلى رخصة من أحد ولا إذن من أحد... (95 – 107)

كيف يمكن بهذه الأفكار والمقولات إقامة مشاركة سياسية؟ ماذا يمكن أن يكون تطبيق مثل هذه الأفكار، سوى دولة كهنوتية يتولى فيها كهنة الدين تقديم وفرض ما نزل من السماء في الحكم والسياسة والاقتصاد والرياضة والثقافة والشحن والتجارة والبنوك والزراعة والنانو تكنولوجي والفيزياء والأنثروبولوجي والبيئة والدبلوماسية والصناعة والتصميم والفن واللباس ...