من أعلام السلفية في المغرب

فئة :  مقالات

من أعلام السلفية في المغرب

سجل التاريخ لدعاة سلفيين سيرة مهمة في حقل الدعوة في المغرب، وهما الداعية العملي سيدي أحمد بن محمد أكرام (1884 -1956)، والمنظر في محاربة البدع ونبذ التقليد، سيدي محمد بن محمد بن عبد الله المؤقت (1894- 1949).

فإلى جانب نشاطه العلمي في المدرسة الحرة التي أسسها بسيدي بوحربة، وتدريسه بجامع ابن يوسف التاريخي في مدينة مراكش، كان محمد أكرام يخصص بعض الوقت للطبقات الشعبية؛ فقد كان له درس أسبوعي في صحيح مسلم والتفسير،[1] وسرعان ما استهوته هذه الطبقة التي أصبحت تتقاطر على مجالسه، وغدا له جمهور كبير يلازم دروسه التي تقام في مسجد بن يوسف ومسجد حارة الصورة و والمواسين في نفس المدينة، وقد اكتسب هذه الشهرة نظرا لمواقفه الشديدة والصارمة تجاه البدع، وتنديده البالغ بالطرقيين؛ فكانت دروسه دعوة سلفية إصلاحية تروم تصفية العقيدة من شوائب البدع والخرافات، متأثرا في ذلك بأفكار ابن تيمية ومناصرا للوهابية التي تأثر بها أثناء المرتين اللتين أدى فيهما فريضة الحج. ومما يروى عنه، أنه كثيرا ما كان يتراشق مع علماء ابن يوسف بالكلمات فوق المنابر خصوصا مع العلامة محمد بن الحسن الدباغ. ومن مواقفه الإصلاحية، أنه عمد مع ثلة من أتباعه إلى شجرة كانت في حارة باب دكالة فقطعها، بعد أن كانت النساء يعقدن بها التمائم والحروز، وغير ذلك مما كن يعتقدن أنه يسعف في درء الأذى وجلب الخير.

وقد تولى أكرام الخطابة في مسجد بريمة وتخلى عنها في أواخر حياته تورعا، كما عرض عليه تولي القضاء فرفض، ولما تمأسست الدراسة في جامع ابن يوسف عام 1935 رفض التدريس فيه، اعتقادا منه بأن الصندوق الذي تؤدى منه رواتب العلماء مصدره حرام، ولذلك كان يسميه الصندوق الأسود، مع أن حالته المادية يومها كانت ضيقة، حيث لم يكن له من السعة ما يجعله يرفض مثل هذه العروض.[2]

أما عبد الله ابن المؤقت، فقد اشتهر بدعوته الصريحة إلى نبذ التقليد وإصلاح الممارسات الدينية بالرجوع بها إلى صيغها الأولى، مما أكسبه شهرة في الثلاثينيات من هذا القرن، وكان ابن المؤقت قد نشأ في بيئة علمية، من أسرة صوفية بزاوية الحضر في مراكش، وكان والده من كبار علماء التوقيت ممن اشتهروا بالتصوف، وقد قضى فترة طويلة من عمره في مسجد بن يوسف آخذا على علمائها، وقد اندمج في بداية شبابه في الطريقة الفتحية مندمجا فيها اندماجا كاملا، واضعا مؤلفا خاصا في مناقب شيخها أحمد الباني سماه "معرج المنى والأماني في مناقب القطب الرباني شيخنا فتح الله أحمد الباني". كما ألف رسالته المسماة "إرشاد أهل السعادة لسلوك كمال السادة" دافع فيها عن وجوب اتخاذ شيخ حي يهتدي به المريد إلى طريق الحق والخير.

لكن انفتاح ابن المؤقت على كتابات معاصريه من الشيوخ كمحمد عبده والعلامة رشيد رضا، كان سببا مباشرا في تغيير توجهه الديني؛ فقد نمى حسه النقدي وبدأ يقوم بنقد شديد شامل للأوضاع من حوله، كان من اهتماماته الجديدة انتقاد الطريقة الفتحية التي كان انسحب منها، فبدأ يهاجم كل الطرائق والزوايا والعديد من الممارسات الدينية التي أصبح يراها بدعة ليست من الدين في شيء.

لم يترك ابن المؤقت في كتاباته وعبر دروسه الفرصة تمر بدون سرد عيوب ومساوئ الطرائق الصوفية المغربية، حيث وضعها في سلة واحدة، منبها إلى أنها أصل كل داء حل بالمجتمع، وفي ذلك قال: «ولا جدال في أن كثيرين من هذه الطوائف جناة على الأمة الإسلامية، إما بجهلهم وجمودهم، وإما بابتعادهم عن الشرع ومحاولتهم اصطياد الدنيا بشبكة الدين. وإذا أقرعهم إنسان بما جاء في الكتاب أو السنة أطلقوا فيه ألسنتهم بالسب، بل ربما كفروه وفسقوه، ورموه بكل شنيعة...»[3]

وكان من المؤشرات الدالة على تأثير النشاط الدعوي الذي مارسه ابن المؤقت قيام حملة ضده من قبل ثلاثة قضاة بتحالف مع بعض أقطاب الطرائق الصوفية، وذلك بعد ظهور مؤلفه " الرحلة المراكشية" الذي أظهر فيه تأثرا واضحا بالعقيدة السلفية من حيث اعتباره للإصلاح الديني مدخلا لكل إصلاح اجتماعي وسياسي وثقافي؛ فقد رفع المتحالفون ضده شكوى إلى باشا مدينة مراكش وطالبوا من محمد الخامس التدخل للجم لسان الشيخ، كما قام قاضي سطات أحمد سكيرج، ومقدم الطائفة التيجانية آنذاك بالرد على ابن المؤقت بمؤلف أسماه " الحجارة المقيتة لكسر مرآة المساوئ الوقتية"، إلا أن ابن المؤقت ألف بدوره كتابا يرد فيه على ما اعتبره افتراءات أحمد سكيرج، غير أن الكتاب صودر من السوق وأحرق في علامة على توثر العلاقة بين الشيخ ومحيطه الثقافي.[4]

من مجهوداته في مواجهة ما كان يعتبره انحرافات وأباطيل دينية، تأليفه لكتاب " لبانة القارئ من صحيح البخاري"، و" السيف المسلول على المعرض عن سنة الرسول"، و" بغية المسلم من صحيح الإمام مسلم"، وبالإضافة إلى ما ألف ردا على الطريقة الفتحية التي كان يتبعها ألف بهذا الخصوص، أيضا " هدم الباني في كشف الغطا عن زلقات الشيخ الرباطي البناني".[5]

لكن الشيخين (أكرام والمؤقت) يبقيان استثناءا، ولا يمكن اعتبار مجموداتهما جزءا من حركية ما في الحقل الدعوي في مراكش ما قبل السبيعنيات، وبشكل عام، فقد عانت السلفية المعبر عنها داخل الحركة الوطنية ككل من قلة الرموز المعبرة عن هذا التوجه الديني، وهذا ما يفسر لماذا ظلت الحركة الوطنية تعمل وباستمرار على تأكيد وجود رمز سلفي واحد هو محمد بن العربي العلوي، والحال أن الشيخ كان قليل الكتابة ناذر التأليف، إلا ما كان من بعض التعليقات والتقاريض على كتب من كان يجهلهم من معاصريه من العلماء والكتاب.[6]


[1]- على خلاف من عاصرهم من الفقهاء والذين استمروا في تقليد الاعتناء المبالغ فيه بالغة والفقه. إبراهيم الوافي: الدراسات القرآنية في المغرب ، دار النجاح الجديدة، 2006،ص 274-278

[2]- المصدر: روايات شفوية عن أسرة الشيخ وتلامذته، جمعها أحمد متفكر في موسوعة معلمة المغرب (سلا: الجمعية المغربية للتأليف والنشر،1989 )، ص 610-611

[3]- محمد بن عبد الله المؤقت، الرحلة المراكشية أو مرآة المساوئ الوقتية ( الدار البيضاء: النجاح الجديدة، الطبعة الثانية، 2000)، ص 11

[4]- أحمد الشقيري الديني ، في تقديمه لكتاب عبد الله ابن المؤقت: الرحلة المراكشية,,، ص 5-8

[5]- إبراهيم الوافي: الدراسات القرآنية..م.س، ص 254

[6]- سعيد بن سعيد العلوي، الاجتهاد والتحديث: دراسة في أصول الفكر السلفي في المغرب ( مالطا: مركز دراسات العالم الإسلامي، 1992)، ص 22