من هنا نعلم ... دراسة نقدية لخطاب الإسلاميين: محمد الغزالي أنموذجا

فئة :  قراءات في كتب

من هنا نعلم ... دراسة نقدية لخطاب الإسلاميين: محمد الغزالي أنموذجا

كتب الشيخ محمد الغزالي كتاب "من هنا نعلم" ردا على كتاب "من هنا نبدأ" للمفكر الإسلامي خالد محمد خالد الذي صدر عام 1950. ذهب خالد محمد خالد إلى الإقرار بأن الإسلام دين لا دولة، وأن الدين علامات تضيء الطريق إلى الله وليس قوة سياسية تتحكم في الناس وتأخذهم بالقوة إلى سواء السبيل، وأنه ما على الدين سوى البلاغ، وذكر أن الحكومة الدينية عبء على الدين.[1]

وكتاب "من هنا نبدأ" نَقد بقسوة التوظيف السياسي للدين واستخدامه أداة أيديولوجية تسعى لتوريط الدين في مسائل اجتماعية وخروج طبقة كبار الملاك بجناحيها الزراعي والصناعي حينها من تلك الورطة. فيورد خالد محمد خالد إحصائية عن الملكية الزراعية، تفضح حجم ما عرف حينها باسم "المسألة الزراعية" التي وصفها الرئيس الراحل عبد الناصر بمجتمع النصف بالمئة؛ فنصف بالمئة من المصريين يملك ما يقرب من ثلث دخل المصريين فكان التركيز على الاجتماعي وأزماته سمة المرحلة في أواخر الأربعينيات و مطلع الخمسينيات.[2]

كان رد الشيخ الغزالي هجوما عنيفا على الكتاب برغم اتسام أسلوب الشيخ بالهدوء وبضبط الأعصاب، فإن الكلمات حملت قدرا من الغضب على خالد دون عصبية أو صراخ.

كل هذا حمل كاتب هذه السطور لبحث خطاب الشيخ الغزالي الديني ومحاولة مقاربة خطابه الإسلامي وتفكيك مفرداته في محاولة لبناء تصور عام حول إشكاليات الخطاب الديني وما حمله من طروحات، وكنموذج لمفكر اتفق عليه كثيرون أنه نموذج للاعتدال الديني وتشهد له بذلك معاركه ضد التشدد والتطرف دفاعا عن إسلام معتدل بالإضافة إلى كون ذلك الجدل يعكس واقع الخطاب الديني في مطلع الخمسينيات في تفاعله مع مشكلات الواقع الاجتماعي المصري في تلك الفترة؛ فالكتابان صدرا عام 1950، وأعقبتهما بعامين ثورة يوليو 1952 كتعبير عن عمق الأزمة الاجتماعية لمجتمع كولينيالي بأبعاد تلك الأزمة وانعكاساتها على السياسي والاقتصادي والديني كما أشرنا لها سلفا، وكان اتساع شعبية الإخوان كما لاحظ مراقبون في تلك المرحلة التي يُطلق عليها المرحلة الليبرالية دليلا على ما آل إليه النظام السياسي والاجتماعي.

وقد أشار خالد محمد خالد في المقدمة العاشرة لكتابه إلى ازدياد شعبية الإخوان المسلمين في الشارع المصري وكان حانقا حينها على الدولة الدينية المسيحية في العصر الوسيط،[3] فمد الخط على استقامته فخاف أن يرى مستقبل مصر يكرر ماضي أوروبا، خاصة بعد جرائم التنظيم الخاص التابع للإخوان المسلمين فكتب "من هنا نبدأ".

بداية تجدر الإشارة إلى أن الشيخين يتحدثان عن إسلامين مختلفين تماما؛ فخالد محمد خالد في هذه الفترة يرصد إسلام التاريخ وقد تمظهر في التاريخ وتمثلته الجماعة المسلمة بفئاتها وشرائحها الاجتماعية، وحولته الفئات الاجتماعية المهيمنة من وسيلة للتحرر إلى سلطة وأداة لبسط نفوذها السياسي على الجماعة المسلمة وضبط للسلوك الاجتماعي وفرض حلول مشوهة ومهينة على الإنسان المسلم، مثل "الصدقة" التي رأى المجتمع أنها نظام اقتصادي واف ووسيلة ناجحة لمحاربة الفقر وإسعاد الشعب على حد وصفه؛ فالكهانة التي يصف بها المؤسسات الدينية تلون وجه النظام الاجتماعي بمساحيق تجميل وتضمن لهذا النظام الاستمرار والبقاء.[4]

وفي المقابل يدافع الشيخ الغزالي عن إسلام الوحي والنبوة، فكل عيب أصاب التجربة السياسية الإسلامية ينبع جراء ابتعاد المسلمين عن الإسلام الحقيقي النقي، والإسلام كما يقول الشيخ الغزالي: مثل الشعوب موتور من صنيعهم به واستغلالهم لنصوصه، وأما أن نحمل الإسلام آثام هؤلاء، فذلك خطأ بعيد وكذلك الحدود التي أمر الإسلام بها؛ فالمشكلة تكمن في ملابسات التنفيذ وليست في قسوة ولا معقولية الحد ذاته.[5]

والصراع بين إسلام التاريخ وإسلام الوحي والنبوة حَكم تاريخ العلاقة بين جناحي الأمة: أتباع المشروع الإسلامي وأنصار المشروع المدني، فكل فصيل ركز على إسلام بعينه بناء على خبراته الشخصية مع هذا الإسلام، فالإسلام عند قطاعات من الجناح المدني هو فقهاء السلاطين والكُتْاب ومحفظ القرآن والمقرعة والشيخ الأزهري الجاف الذي يكرر التراث، ويردد متن المتن بدون نقد أو تجديد وتجربة طه حسين دليل على ذلك، في حين الإسلام عند الجناح الديني هو الله والقرآن والنبي.

والغزالي يقف خلف النقاء والمثالية التي يضفيها الفكر الإسلامي على تجربة الوحي والنبوة، ويرد باستماتة على فكرة دنيوية التجربة السياسية الإسلامية؛ فجميع تجارب التاريخ أكدت على أن الأزمة في الإنسان والدين يبرأ منها، وهو إذن بريء لا يتحمل مسئولية ما تجاه تأجيج العنف والدين الإسلامي ديمقراطية حرة في المجال السياسي واشتراكية معتدلة في المجال الاقتصادي وفقا لتعبيره ، بمعنى أن الإسلام جمع أفضل مميزات الأيدلوجيات الغربية في بناء واحد، ليرسل إلى القارئ رسالة أن الإسلام لا يحتاج إلى الشرق الملحد أو الغرب الصليبي؛ فهو مكتفي بذاته ليسحب البساط من تحت أقدام أتباع الأيدلوجية الشرقية والغربية؛ فالحلول موجودة ومتاحة بين دفتي القرآن وما على المسلم سوى التزام النهج القرآني والشيخ – برغم مواقفه الجادة والحادة من غلاة المتشددين – فإنه أحجم عن تحديد مجال مسئولية الدين عن الأزمة العميقة التي تضرب أركان الأمة الإسلامية بشكل مباشر.

وقد استرعى انتباه كاتب السطور فكرة استدعاء الآخر الغربي في المخيال الإسلامي؛ فالغربي عند الشيخ الغزالي صليبي، حاقد على الإسلام، ويبغض المسلمين، وتاريخ الحروب الصليبية خير شاهد والاستعمار الغربي وترديد الجنرال اللنبي لمقولته الشهيرة "ها قد عدنا يا صلاح الدين"[6] تعكس استقرار عداء الغرب المسيحي الصليبي للإسلام في رأيه. وقد أغفل الشيخ طبيعة التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الرأسمالية ودورها في دخول الغرب مرحلة الإمبريالية، وتلك مفاهيم يتعذر على الشيخ استخدامها وتوظيفها في خطابه بمعنى ربط الفكر بالواقع المادي الآني فالشيخ بالرغم من أسلوبه الهادئ كما ذكرنا آنفا، يتسم بالاستغراق في ثنائيات شائعة في الخطاب الديني، مثل شرق مسلم /غرب صليبي، ولكن بالرغم من العداء الظاهر للغرب، فإنه أثنى عليه لوجود أحزاب ديمقراطية مسيحية ولتعاون الدولة مع الكنيسة، حتى أنه أثنى على إسرائيل لاختيارها هذا الاسم الديني عنوانا للدولة العبرية[7]، في إشارة تبدو متناقضة بين العداء العميق للغرب الملحد والثناء عليه أحيانا لتعاون الدولة مع الكنيسة!

والغزالي حين يرد على خالد محمد خالد بشأن فصل الدين عن الدولة، يقدم مجموعة من الأسباب التي ترى استحالة ذلك، فالإسلام بدون دولة تؤسس دعائم الإسلام وتدافع عنه وترسخ مفاهيمه لدى جمهور المسلمين، وتجند المجاهدين دفاعا عن الإسلام والمسلمين لن يدوم، فالدولة مقدمة لصعود الإسلام وحركته في المجتمع وتجربة الدولة النبوية واضطلاع الرسول بمهام السياسي طاعة للوحي دليل على تلازم الديني والسياسي في التجربة الإسلامية ويرى كاتب السطور أن احتماء الغزالي بالدولة هو حل سهل لمسألة عويصة، فما أسهل أن يلقي المفكر أعباء وأزمات المجتمع على كاهل الدولة المحملة أصلا بالأعباء؛ فالدولة إن آمنت واعتمدت دستورا إسلاميا لا صَلُح الحال في تكرار لفكرة أن الإسلام يمثل عصا سحرية، لحل أزمات تاريخية معقدة وتجاهُل للمفارقة التاريخية التي جعلت الرسول قائدا للدولة، وهو ما لم يتكرر بعد وفاته.

وبالرغم من مركزية دور الدولة الإسلامية في حشد وتعبئة الطاقات وفقا لإدراكه، فإن الغزالي قد غاب عنه دور الدولة الحديثة ذات الشرعية الدستورية التي لا تحتاج إلى انتماء ديني أو الاحتجاب خلف شرعية دينية كما أحجم عن فتح هذا الملف الملتهب الذي سيدفع القارئ لعقد مقارنات بين الدولة الإسلامية والدولة الغربية الحديثة.

ولا يخلو أسلوب الشيخ الغزالي من خطابة لإثارة غضب القارئ واستيائه متحدثا عن هدم الإسلام وعملاء الغرب والحرب الصليبية ضد الإسلام ومبالغات أخرى، فيذكر على سبيل المثال أن أينشتين قد وجه رسالة إلى أخطر المؤتمرات العلمية يطالبهم فيها بمحاربة فكرة الألوهية لنفيها من الأذهان![8] دون إشارة واضحة لمصدر.

ويرفض الشيخ حرية المرأة المطلقة وأنصار حقوقها في المساواة، فيقتبس الشيخ فقرة لمحامية مصرية تشكو إرهاق المهنة وعنتها ومن محاربتهن للطبيعة كدليل على ضعف المرأة الفطري، دون نظر لواقع المرأة الجديد والشيخ يحتفظ بكل التراث الديني التقليدي وتصوراته عن المرأة وحدود عملها، ولكنه في الوقت ذاته يهاجم المتطرفين الذين بالغوا في تقييد المرأة بفرض النقاب عليها دون سند ديني، وهو سبب نجاح خطاب الشيخ محمد الغزالي في الانتشار فالشيخ يدافع عن الإسلام ويهاجم الغلاة من الإسلاميين كما يهاجم المناوئين للفكر الديني أو ما يجزم الغزالي أنه الدين الإسلامي ذاته، الغزالي يقع في منطقة تبدو لي رمادية حافظ عليها كمفكر إسلامي بعيدا عن الغلاة، وهي المساحة التي سمحت له بالانتشار داخل العقل المسلم الراهن.


[1]-خالد محمد خالد، من هنا نبدأ ،القاهرة، دار ثابت ، بدون تاريخ ، مقدمة الطبعة العاشرة

[2]- المرجع السابق، ص111

[3]- المرجع السابق، مقدمة الكتاب

[4]- المرجع السابق، ص51

[5]- محمد الغزالي، من هنا نعلم، القاهرة ،دار نهضة مصر، 2013، الطبعة العاشرة، ص24

[6]- المرجع السابق، ص18

[7]- المرجع السابق، ص39

[8]- المرجع السابق، ص123