من يد التسامح إلى عناق السماحة

فئة :  مقالات

من يد التسامح إلى عناق السماحة

هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يدع فيه إلى مأدبة التسامح؟ سنسمي التسامح مأدبة لأن فيه امتلاء بالشهوة وخواء في النخوة. أن تسامح معناه أن تمن، أن تكون من فضلك المتفضل، أن تكون يدك العليا ويد غيرك هي السفلى، وأن تقبل التسامح ليس يعني شيئا غير أن تعترف بالذنب وتقتعد كرسي الاعتراف، فإذا لم أمد يدي إليك لأقتلك فعلام تسامحني؟

التسامح بين الأديان وحوار الحضارات ولقاء الثقافات ومصافحات وقبلات... وتنفض المجالس على لا شيء. هناك أمور تأسيسية، قواعد في لعبة العلاقة بالآخر لا تمشي على جسر التسامح وإنما تقفز في فضاء الحرية. الحرية في معانيها المطلقة الراحلة في آفاق التخييل ومنعرجات الواقع، المتسربة إلى سجف النفس وأهازيج الاجتماع. الحرية قيمة ولكنها أيضا أس أنطولوجيا الإنسان وأكسيوم مرجعي للبشرية. ليس الإنسان كما يقولون كائنا عاقلا، ناطقا، ضاحكا، سياسيا، اجتماعيا، مؤمنا أو جاحدا... إنه الكائن الحر بامتياز... إذا شعر بغير ذلك نزل من عرش الإنسانية، كل قذى في عين الحرية تنكر لطبيعة الإنسان، كل ألم في خاصرتها انزياح عن شرعة الحرية بل توقيف وتعطيل وتشبيه. والوعي عماد الحرية ومديتها التي تضبط علاقة الفعل بالمبدأ. كانت الميتافيزيقا بكل تلويناتها قد حددت أفق الإرادة البشرية منذ القدم، وما إن سار الإنسان في موكب الحرية حتى طلع عليه من يقول له "أنت لست سيدا حتى في بيتك".[1] طعنه في كبرياء وعيه وهدد سفينة حريته بالغرق. ثم اخترع الإنسان نفسه من جديد[2] وآمن بإرادته الدفاقة التي تنفتح على الداخل وتسيح في الخارج. لكن حريته تدخل في سجال عنيف دائم حيوي بين حجرات النفس الفرويدية، الواقع واللذة، الهو والأنا الأعلى، مجتمع الجنس وجنس المجتمع... يريد الخارج تطويع المكبوت والمدفون فيتمرد هذا المكبوت بين الفينة والفينة يتسلل ويشهر سلاح الكبرياء معلنا عظمة الغاسق إذا وقب[3]. هل من مجال للتسامح مع من يعلن ولائم الإخصاء؟

كان كانط – وهو يسطر مدى الحرية البشرية ومقدار استطاعاتها في الفكر والعمل والقيم – ينذر رأسا بالمخاطر التي تهدد الحرية الفكرية وتستهدف الكينونة وقد حصرها في حزمة من الإكراهات: الإكراهات السياسية والإكراهات الدينية والإكراهات القانونية.[4] يبدأ مجتمع السياسة بمنع الكتابة وينتهي إلى منع التفكير إنه إقصاء في الذات وإقصاء مع الذوات، الحقيقة أنه أشبه ما يكون بوحش هوبس الذي لا يبقي ولا يذر. وكان ميشال فوكو قد بين بحذق الفيلسوف ونباهة العالم كيف تتسلل الدولة كالأخطبوط في كل شرايين الاجتماع البشري، إنها بالفعل أخطر جهاز ابتدعه الإنسان، لا يعرف للرحمة أو التسامح سبيلا فكيف يفقه معنى السماحة. أما القهر الديني فمعلومة صوره، محفوظة أبجدياته في كتب التاريخ باسم الوصاية على الضمائر والزام العقائد. باسم قانون الفقهاء والحاخامات والقساوسة الذين جعلوه قانون الله – تنزه البارئ عن الظلم – يستلب الإنسان وتقدم حريته قربانا في محرقة الدعاة والأوصياء. وإما الإكراه القانوني فدعوة صادقة إلى أن تسن الذات تشريعها الذي ترتضيه لنفسها بنفسها لتدخل بعد ذلك حرم القانون وقد خلعت نعلها احتراما لقدسية ما سنّت. أن يسطر الإنسان شرائع حياته بنفسه ويتحمل مسؤولياته وأوزاره فتلك حجة أهليته للاستخلاف. الحرية بعبارات كانط، أن تكون لك الشجاعة في أن تستخدم عقلك،[5] أن تملأك الجرأة لتعرض عن إغراءات التوجيه والإقناع والأدلجة بما في ذلك مراوغة الكليانية البشعة التي ما فتئت تمارسها أجهزة الدولة بمحاكم تفتيشها تحت فرو النظام. أي سندباد هو الإنسان إذ يتصدى لقراصنة الموت في كهوف الكليانية المتمترسة بحصون الدولة. لعلها جوهر وحقيقة تلك المغامرة وحقيقتها، لعل إبداعه في معاناة التجربة، لعل الألم هو السبيل الرئيس للخلق. هل تسطع أنوار الحرية في بلد لا يسيل فيه الدم، أيمكن الحديث عن مشروع للتسامح أو فلسفة للسماحة دون تضحيات. هل يمكن للمرء أن يفي بنذره إذا لم يقبل مبدأ القربان؟

لقد أتعبت حروب الإنسان عقل الإنسان وخدشت روحه، ذللت رقاب وكسرت أسوار وانفطرت قلوب من أجل التسلط والاستقواء، فإذا رمنا التسامح ونشدنا السماحة فليس لنا إلا أن ندفع الثمن، هكذا قيل، التسامح يطلب الاعتراف والسماحة تطلب نفسا لا تعرف الكراهية و لا تنبسط لألم، فما معنى دفع الثمن؟ كل المحاسبات التي تطلبها الدول بعد الثورات ومشرعة الدماء ،كناية عن محاكم انتقام في ستائر المخادع و زبانية في شفوف الحور . باسم القانون يدعوننا للتسامح. لكن القانون لا يعرف التسامح. ليس في القانون غير وخز العقاب وشرك العذاب. لعل أهم وأفصح ما في تجارب الأنبياء أنها تجارب تسامح وسماحة، و ما أجدر الإنسان بأن يكون في شعبه نبيًا كما قال جبران خليل جبران ومن بعده الشابي . النبوة الحقيقية هي في قدرتك على الاستدلال بأنك إنسان مهما استبد بك الغضب وأخذ بمجامع قلبك الغيظ، هي في أن تكون قادرا على أن تجعل خدك موطئا للترقي بالبشرية بنفس كفسيح الفيافي. إذا أردت مقاصد التسامح فآمن بالحرية واعتنق شعائرها، ومن أركان شعائرها الإيمان بالاختلاف، أن تعتبر الآخر خيطا في نسيج الذات، أن يمتد بينكما اعتراف بينذاتي بعبارة هيغل، سياق الوجود المشترك والعيش المشترك بلغة ريكور، من أجل سلم دائم بكلام كانط. التسامح الذي رفضناه مصطلحا نعوضه بالحرية أو بالسماحة، هذه السماحة التي تؤسس لأخلاق الواجب الكانطية، السماحة التي تبحر في قوارب الحرية التي سطرها جون ستيوارت ميل حين دعانا إلى ألا نكتفي بمحاربة القهر الذي يفرضه استبداد الدولة وأن تمتد مقاومتنا إلى مجابهة العنف الذي يمارسه الآخرون لفرض آرائهم أو ما سماه ميل استبداد الأغلبية.[6] حرية التفكير وحرية التعبير هما أس السماحة وعمادها. السماحة أن ترتضيني لنفسك كما أنا وأرتضيك في ضميري كما أنت، أصنع من ذاتي أفقا يحتضن أفقك كما يقول غادمير.[7] السماحة ليس في أن أرفض إقصاءك فقط بل في أن أقصي التفكير في إقصائك أيضا، السماحة هي الاستعداد للاشتراك مع الآخر في تجارب الوجود، أن تكون هناك تبادلية في الحقوق والواجبات بين الجميع دون استثناء، السماحة هي أن نؤمن بالديمقراطية، والديموقراطية هي أن تؤمن بمتعة الوجود كما يقول روبرت مسراحي.[8] السماحة هي أنا وأنا السماحة لأني أنا أنت، وأنت أنا لأننا نحن العقل والإرادة، والعقل والإرادة نحن لأننا الحرية والحرية هي كل شيء. ينزع التسامح إلى التذاوت وتنزع السماحة إلى التذاوب من أجل إنسان يحسن العيش بوصفه إنسانا.


[1] هذه الجملة لفرويد وهي بالتحديد قوله "ليس الإنسان سيدا حتى في بيته" كناية عن طغيان جانب اللاوعي فيه.

[2] العبارة لميشال فوكو في كتابه "الكلمات والأشياء" حين قال "إن الإنسان اختراع حديث" راجع كتابه ترجمة مطاع صفدي، مركز الإنماء القومي 1990 ص 313.

[3] بعض التفاسير جعلت لهذه الآية معنا جنسيا على اعتبار أن الغاسق اذا وقب هو الذكر إذا ولج أو انتصب.

[4] راجع كتاب كانط "

ما معنى أن نتوجه في التفكير؟".

[5] كانط، جواب عن السؤال : ماهي الأنوار؟ ترجمة حسين حرب، مجلة الفكر العربي عدد 48 أكتوبر 1987.

[6] راجع مقال "في الحرية" لجون ستيوارت ميل، ترجمة محمد الخراط، مجلة الأزمنة الحديثة، صيف 2012 ص 8.

[7] هذا الكلام ذكره غادمير في كتابه "الحقيقة والمنهج" بمناسبة حديثه عن الهرمنيوطيقا التي اعتبرها لقاء آفاق بين الكاتب والقارئ وبين كل نص وكل متلقي.

[8] Robert Mesrahi, Existence et Démocratie, PUF 1995.