نحو تأويل إيجابي للحداثة في فهم الدين: مقاربة فلسفيّة

فئة :  مقالات

نحو تأويل إيجابي للحداثة في فهم الدين: مقاربة فلسفيّة

نحو تأويل إيجابي للحداثة في فهم الدين:

مقاربة فلسفيّة


تقديم

قد يُفهم من العنوان دلالات ومعانٍ كثيرة، أبرزها استصحاب الأبعاد الفكرية الحداثية في فهم الدين، أو الدعوة إلى الدين بفهم حداثي، أو تطويق الدين بالأسس الكبرى للحداثة وخصوصاً المتخاصمة مع التدين.

إنّما المقصود أمر آخر، وهو بوضوح: لقد دأبت الدراسات والتأملات الفكرية على إضافة التأويل للدين، أي للنصوص الدينية في فهم القضايا واستيعاب الظواهر الإنسانية المتجددة منها على وجه الخصوص، واعتادت الأدبيات الفكرية والفلسفية النظر إلى الدين والتدين من زوايا القدامة والتراث، الأمر الذي يدعو بالضرورة إلى الفهم المتجدد والفقه الحداثي، حتى يرفع من شأن الدين إلى مستوى العقلانية والحرية والحقوق، وهنا في هذه المحاولة التقريبية نريد أن نقلب المعادلة المعرفية، بإضافة لغة التأويل إلى الحداثة في فهمها للدين والتدين، أي لنؤوّل المفاهيم الحداثية المؤسس عليها لغاية استيعاب الدين ضمن منظومة الحداثة، هذا إذا كان أهل الحداثة قوماً يرغبون في العدالة العقلية.

وسنسلم للحداثيين أو "المتحدّثين" على سبيل الافتراض بقيام حداثتهم المزعومة على أسس العقلانية والحرية والنسبية، هذه الأسس الكبرى التي طالما تنادوا بها، ونشاركهم رقصة الدالات على حبل الألفاظ ولعبة المدلولات على مربعات المعاني، لنكشف لهم زيف ادعاءاتهم في علاقتهم بالدين، أو قل مواقفهم من التدين.

سؤال الدين والحداثة

من الأسئلة المثارة في هذا السياق سؤال الدين في وجه الحداثة، بمعنى هل الدين يمثل القدامة أو التقليد؟ لأنّ افتراض التقابل يوحي بالتضاد بينه وبين الحداثة، إنّ هذا التوجيه الدلالي له علاقة بالاستدلال الزمني وليس الفكري، لأنّ ربط الدين بما هو قديم تاريخياً دون الفكري يسقط في المعادلة المحذور منها سلفاً، وفي المقابل هل الحداثة ملازمة لما هو حديث آني؟ أم أنّ العقل البشري قديم وتجليات انبساطاته تنتمي للحركة لا للزمن؟ وهل الحكم الزمني له علاقة بحضور الذات والموضوع أم بحضور العقل؟ ومن يحدد قيمة الزمن؟

تلك أسئلة إشكالية فلسفية معقدة، بيانها يقرّب من حل المعادلة الصعبة بين الدين والحداثة، بل وبينه وبين غيره من المفردات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأخرى.

وعليه مما يغرب في هذا المجال، افتراض مظنة الإشكال في الدين غالباً كلما تمّت معالجة الثنائية التقابلية بين الدين وغيره، ومهما تعددت تلك الواجهات المقابلة سواء أكانت سياسة أم دولة أم دنيا أم علمانية أم ديموقراطية...؟، قد نجيب عن ذلك بسؤال آخر، هل لأنّ الغياب الزمني للدين في النسق الإنساني والاجتماعي المعاصر كرّس الوضعية المذكورة؟ أم قوة سلطة متقابلاته وحضورها الزمني أفضى إلى ذلك حتماً وضرورة؟ كما لم تكن الإشكالية معروضة في زمن ما على الأقل في الاجتماع السياسي الإسلامي، أعتقد أنّ تفهيم الدين بالصورة المقبولة والمطلوبة قد يزيد الوضعية تأزيماً والإشكالية تعميقاً. كما أنّ الدين لم يكن يوماً في مقابل الحداثة باعتبار المعنى المجرد أو خصماً لها، فإنّه لا شيء يدفعنا إلى تخصيم الدين ضد الحداثة، وكما أنّ الدين يمكن أن يكون ضد الحداثيين أو الفهم والتمثل الإنساني للحداثة، إمّا تضييقاً أو تنميطاً أو تمديداً، فإنّ الحداثة يمكن لها أن تكون ضد المتدينين أو الفهم والتمثل الإنساني للدين إمّا حصراً أو توسيعاً أو تأحيداً.

وعليه، فإنّ تحرير مسألة الصراع المتجلي في الواقع الإنساني يمكن حسمه في علاقة التدين المفهوم والمتوارث والتحديث المعني والممارس، وإنّه بعد التأمل وتحقيق النظر في المسألة جلياً، لا نجد فروقاً جوهرية تستدعي التهويل من تلك المقابلات وشساعتها، إلى درجة يتم بها إلغاء التصور الديني باعتباره حرية، والفكر الديني، باعتباره منهجاً في التدبير السياسي، وإقصاء الاختيار الديني، باعتباره أسلوباً لدى فئة عريضة من الناس في التدبير الحياتي الجماعي توافقت آراؤهم على ذلك.

في أسس التأويل الحداثي

ليس هناك داع للتفصيل في التأويل الديني للحداثة أو التحديث، لأنّ الموضوع قد طرق من أبواب متفرقة، وكتب فيه الكثير، وكلّ الأدبيات التأويلية كانت في هذا الاتجاه فيما نحسب، إنّما وجه تركيزنا هنا على إمكانية التأويل الإيجابي للحداثة حتى تستوعب هي الدين وفهم قيمه.

ونحن في هذا المقال لا نطالب ذوي العقول الأحرار الداعين إلى المساوة والعدل إلا بتنزيل هذه القيم الإنسانية على الفكر الديني وأصحابه. وكل ممانعة في ذلك تعتبر خرقاً لتلك المبادئ، وبمثابة مظلمة فكرية فلسفية جائرة تجاه الدين، من قبل مشروع فلسلفي يدعي قيامه على أسس عقلانية وقيم إنسانية.

دأبت الدراسات الفكرية الفلسفية على دعوة الدين إلى تأويل نفسه، وتأويل معانيه حتى ينسجم مع الآراء الفكرية والفلسفية المعاصرة مع سبق الإكراه والتعسف في ذلك، على الرغم من تقدم علمائه في ذلك عبر التاريخ، لكن ما سمعنا ولو دعوة منهم أو من غيرهم تحثهم على تأويل الحداثة لاستيعاب الدين والتدين، بمعنى: لم لا يتم تأويل فهمنا للدين والتدين وفق مبادئ الحرية في التعبير؟ ولم لا يتعامل مع فكر المتدينين كنوع من التفكير العقلاني بالنظر إلى نسبية العقل، في تاريخه وإنسانيته ومحدوديته في فقه الوجود والإنسان والطبيعة؟ ولم لا يعتبر التدين اختياراً إنسانياً كباقي الاختيارات الإنسانية الأخرى على فهم تأويلي للمساواة؟

في صلب الإشكال

إنّ المشكلة أعمق في نظري من ذلك، لأنّ المسألة محسومة من حيث المبدأ دون ولوج عالم التأويل وسياقاته المختلفة، فهي محكومة لا حاكمة.

إنّ قسر الإلغاء والإقصاء للدين في النشاط الإنساني العام لا يقوى على تكريسه والعمل على بقائه حتى نهاية اعتمال الدين زعماً إلا الدين نفسه، بمعنى أنّ تخصيم المفردات السياسية والعقلانية والإنسانية كلها ضد الدين لا أساس له ولا إمكانية لاستمراره ولا رهان عليه ومحكوم بالفشل، إلا إذا كانت الخلفيات المتمترسة والمرجعيات الصلبة من ورائه لها صلة بالدين نفسه، وهنا ينبغي عرض احتمالات الأسئلة الممكنة للدين الداعم للمفردات المدعومة.

ويمكن أن تتمظهر لنا تجليات هذا الاستعصاء في المواجهة مع الدين في الصراعات السياسية والعسكرية، فكل القوى والجبهات السياسية خسرت معاركها المتوهمة مع معارضاتها الدينية وحتى نظيرتها العسكرية تكون لخصيمتها الدينية الغلبة حالاً، وإلا كانت في المآل.

وهذا التقدير في الخسران قائم على امتلاك القوى السياسية وغيرها من الدينية السلط الكفيلة بتمديد وجودها واستمرار حضورها الفعلي، وهي سلطة القوة وسلطة الإعلام بعد تمكنها منها، هذا بالإضافة إلى السلطات المستمدة من قوى خارجية.

في الجبهات الفكرية والإعلامية والثقافية العامة هناك صراع مرير وحامي الوطيس، لأنه متلون ومتعدد الأبعاد ومتغير يتخذ من الحياة الإنسانية والقيمية محاور للصراع، ولها بعد ظاهراتي ودهري وواقعي وشهواني.

في تأويل حداثي للعلاقة بالدين والتدين

لنتجرد من "تديننا" و"حداثتنا" ونقرأ الأمور من بدايتها وفي أصولها، ونقول: تقوم الفلسفة المعرفية للحداثة في مجمل تفاصيلها على أسس كبرى لإثبات حضورها الفعلي، يمكن إجمالها في ثلاثة أسس كليّة محورية، وهي الحرية والعقلانية والنسبية، وعليها سينبني عرضنا في توصيف العلاقة بينها وبين الدين، محاولين إجراء قراءة تأويلية لها في فهم الدين.

العقلانية وسؤال التعقيل

لا يوجد مفهوم اختلف فيه الفلاسفة أكثر من اختلافهم في مفهوم العقل وماهيته، وأبعاد حدوده وغاياته وأهدافه، ممّا خلّف انطباعاً فلسفياً تلفه النسبية عبر تاريخ الفكر والفهم، لكن عادة ما تتحول النسبية إلى قاضية جائرة غير منصفة، لأنّ عقل كل معرّف يفسره على مرجعيته وحدود خلفيته. بمعنى ليس هناك مطلقية في فهم القضايا المختلفة.

لكن رغم ذلك، سنلج هذه الموضوعة على حد أدنى من التفسير، باتفاق على مفهوم عام للعقل وهو: التصرف المقابل لما يوافق الفكر الإنساني، وهنا أي: الفكر الموازي للعقل، وهذا دور كما يقول المناطقة، لا حد لنهايته، أي عن أي عقل نتحدث؟ للخروج من النزاع لنقل ما يوافق مصلحة الإنسان وسعادته، وهذا أجدى، لكن قد نصطدم مع نسبيات أخرى أيضاً حول مفهومي السعادة والمصلحة ومدياتهما، لننتقل إلى مفهومي المصلحة والسعادة الجماعية لا الفردية، لكنّ أصحاب التحديث قد يعارضون بأنّ المصلحة والسعادة لا ترتبطان بالجماعة بالقصد الأصلي بل بالفرد، فإن قالوا بالجماعة توافقنا وإياهم على ما مرّ إلى أن نصل إلى توافق حول العقل، وحسمت المسألة ونبدأ تحرير سؤال العقلانية المفترضة، وإن أجابوا كلا تتعلق بالفرد، قلنا إنّ الحداثة غير إنسانية لأنها تفكر في الفرد أكثر من الجماعة، وهذا هادم لأسسهم من البداية، فلنأخذهم على اقتضاء مفهوم الجماعة في تفسير المصلحة.

تريد الحداثة في فلسفتها من العقلانية إلغاء أي اعتبار لفلسفة الدين المبنية على الميتافيزيقا أو الغيبيات الماورائية، كما يسميها أهل فلسفة الحداثة، ولا مبالغة إذا قلنا إنّ الهم الأساسي للحداثة من تصدير العقلانية أساساً في فلسفتها هو وضع الاعتبار الديني في واجهة خصومها من جهة، وللأخلاق والقيم الإنسانية من جهة ثانية، آخذة من سؤال العلم المتجاوز لكل ما هو أخلاقي وقيمي مسلكاً في الإنجاز البشري والمتحققات الوجودية، مجانبة لأسئلة الغائية والمصلحية من الوجود الإنساني واستمراريته، وهي الأسئلة التي طالما رددتها النصوص الدينية وحافظت على ورودها طيلة تاريخ الدين من محبة وسلام وتسامح وخدمة وتعاون وتكافل.

كل هذه الاعتبارات الدينية والأخلاقية والقيمية تشكل عائقاً حقيقة للفكر الحداثي أمام تطوره وهيمنته المادية والمتعقلة بالإنسان والكون والوجود، ولأنّ الدين له تصور مغاير كان لا بد من التخاصم معه على أبعد الحدود حتى لا يمثل صخرة في وجه المشروع الحداثي.

بناء على هذا التقدير ولتخفيف وزن حدة التقابل الفلسفي بين الدين والحداثة، فإنه من اللازم إعمال ما أسميناه بالتأويل الإيجابي لقيمة العقلانية في فهم الدين والتدين، إذ لا عقل محضاً ومطلقاً يمكن الاحتكام إليه في حسم التقاضي حول المسائل المختلف فيها، إنّ التأويل المدعو إليه هنا هو اعتبار الفكر الديني نوعاً من العقل ومسلكاً من مسالك العقلانية، أو بصيغة أخرى تعقيل الدين كما تم تعقيل الفكر الحداثي ابتداء وافتراضاً، لأنّه لا يمكن احتكار العقلانية من قبل الحداثة، ومهما حاولت فإنها حائمة حول حمى مسلك من مسالكها، ولن تستطيع مع استيعاب العقلانية صبراً، وإلا خرمت باقي الأسس الأخرى من نسبية في الأفكار والمواقف وحرية في الأقوال والتصرفات.

وبالخلاصة، فإنّه قد تتمانع المحاورة والمجادلة الفكرية حول أساس العقلانية وتطول، لكنها لا تبرح نسبية المفهوم وأحقية مطلقية الإنسان من هزم نسبية العقل.

الحرية وسؤال التحرير

مفهوم الحرية هو الآخر يحتاج إلى تسييج أي إلى تعقيل، وبالتالي نحن أمام غياب الحرية في تأصيل الحرية، مما يربك حسابات المتدين والمتحدث، لنؤكد مرة أخرى، ليس للإطلاق مجال في تحرير المفاهيم الإنسانية على نحو يلغي مفاهيم الآخر، قد يكون الحد الأدنى حاكماً مقبولاً لمجالاتها، إنما يحتاج ذلك إلى آفاق وتفاهم، وذلك ما نبحث عنه هنا. إنّ قيمة الحرية، وإن تباين مفهومها بأبعاده واتجاهاته بين الثقافات والشعوب، فإنّ قيمتها الإنسانية لها اعتباراتها الوجودية المشتركة في النفس البشرية، إذ بمجرد خروج الإنسان إلى الوجود تخرج معه الحرية في الوجدان، وذلك ما يقرّره القول المشهور لعمر بن الخطاب: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً"؟ فقيمة الحرية أصل في الوجود الإنساني وقيمتها ثابتة ما ثبت حضور الذات الإنسانية. بمعنى أنّ الحرية المتوافق عليها كلياً مجتمعياً هي الحكَم والخيار في التمثل المختلف لكافة المجالات التي تطالها تلك الحرية.

ترفع الحرية في واجهة الصراع المفترض بين الحداثة والدين على سبيل النكاية في المبادئ الدينية، المعتبرة سلفاً ضد حرية النوع الإنساني في ميله نحو الاختيار واتخاذ القرار، ممّا حدا بالحداثيين في مطابقة الحرية للحداثة ومعاكستها للدين إلى حد المبالغة والغلو، حتى أضحى الحداثي حراً متحرراً والمتدين للحرية سالياً مسلوباً، وتلك قسمة ضيزى كرّستها سلط خارجة عن المنطق الصلب، لا للدين أو الحداثة، وأهمها سلطتا الإعلام والسياسة.

وإن كان من صلب اختيار ما يسمون بالحداثيين مسلكاً في تفكيرهم مدّعاهُم الحرية الكليّة في التصرفات البشرية، غير أنهم يصطدمون مع أنفسهم في ضبط المجال العام وتسييره، لأنّ ذلك الاختيار مخاطرة بالنوع البشري والفعل الإنساني، ليتأكد لدينا أنّ علاقات الحداثيين الحاكمة مع غيرهم في فقه الحرية هي علاقة تصنيف وليست علاقة تنظيم، أي بلغة أوضح علاقة تمييز وليست تجويزاً.

على هذا الاختيار القيمي، ندعو الحداثيين كما يدعون هم غيرهم من المتدينين إلى إعمال عقلهم في تأويل ديني لمفاهيم الحداثة، ندعوهم إلى استصحاب مقولاتهم وادعاءاتهم في فقه التدين وفهم الدين والتعامل مع المتدينين، ندعوهم إلى تأويل إيجابي لمفهوم الحرية في متعلقاتها المختلفة؛ من حرية فكرية وتعبيرية وانتمائية وسياسية وحتى دينية، وذلك بتحرير المواقف والتصرفات الإنسانية لأهل الدين، وكل ذلك باسم الحرية، إنّ ذلك التأويل سيحول الإقصاء والمنع إلى قبول وسماح وتفاعل وتجاوب.

وأعتقد لو كان هذا الاختيار الفكري وارداً لدى الحداثيين، لتغيرت أمور كثيرة حتى مع خصومهم المفترضين، واقتربت مساحات الخلاف والتصارع إلى نطاقات اختلاف وتصالح، على الأقل في القضايا المصيرية للأمة.

النسبية وسؤال التنسيب

لقد حضرت النسبية في تفسير الأساسين الأول والثاني للحداثيين، بناء على ما سميناه بالتأويل الإيجابي بين تضاعيف هاتين القيمتين، فلم تعد العقلانية فزاعة في وجه الدين، ولم تعد الحرية كابوساً في وجه المتدينين، بل إنّ التأويل الإيجابي يمنح الحق للكل في تمثل عقلانيته وحريته وخصوصاً على صورة جماعية.

كلّ أمر في الوجود يخضع ابتداء للنسبية في غنى عن الإطلاق، بل الوجود نفسه نسبي أي غير مطلق، ولا يمكن تفسير القيم الإنسانية والاستنتاجات الفكرية والمسائل العقلية إلا بناء على قانون النسبية؛ في عالم يفهم على قانون المتغيرات.

يبدو للوهلة الأولى على الأقل من الناحية النظرية، أنّ علاقة الدين من مبدأي العقلانية والحرية في المنطق الحداثي متماهية وقادرة على صياغة تأويلية مناسبة، أكثر مما هو متاح في مبدأ النسبية الذي تعتبره الحداثة نشازاً في الفكر الديني وعصياً على الاستساغة لدى المتدينين، لكون المطلق يسدل ستاره العريض على كل قيمة في النزعة الدينية.

لذلك يعتبر مبدأ النسبية الخصم العصي على التأويل الإيجابي في الفكر الحداثي، إنّما هنا لا بد من دعوة إلى اقتراب الحداثيين من فقه الفكر الديني وأسسه القيمية حتى تقرب الشقة بين الجانبين.

يمثل الدين قمّة المنطق الإطلاقي لدى الحداثة، لذلك تعتبره خصمها الأبدي، إنّما لا بد من التنبيه على أنّ فكرة الإطلاق أيضاً يعتريها ما يعتريها من النسبية بلغة الحداثيين.

ففكرة الاعتقاد لغة إطلاقية، لأنّها من صميم الاختيار الوجودي للإنسان، وهو الأمر نفسه الذي يطول المعتقد بروح الحرية الإنسانية، فالاعتقاد شيء والتمثل الوجودي شيء آخر، وحتى يتضح الأمر أعطي مثالاً لذلك، فعقيدة وجود الله في الفكر الديني فكرة مطلقة لدى المؤمن من حيث الأصل، إنما كيف يعيش عقيدة وجود الله تعالى والإيمان به في حياته الشخصية والجماعية اختلفت بين المجتمعات، لتظهر الأديان المختلفة والمعتقدات المتعددة، ولدى الحداثيين الذين يؤمنون بعقيدة الحرية من الإطلاق ما يجعلها مقدسة لدى الناس وهذا لا خلاف فيه، وهو ما نبهنا عليه سابقاً، إنّما ممارسات الإنسانية للحرية وتمثلاتها في مواقع الوجود تعددت صورها بين الناس والشعوب والقبائل وبين الذكور والإناث، ففكرة الإطلاق الاعتقادي أو الديني لم تسلم منها أي ديانة أو إيديولوجية أو مشروع ثقافي، لذلك لا بد من فهم النسبية من الواجهات الفكرية والدينية المتعددة والمختلفة، ولتقريب النسبية لا بد من تأويل حداثي للنسبية في فهم الوجه الآخر للدين، وذلك التنسيب يكون باعتبارين:

الأول: باعتبار موقف الحداثة من الدين إنما هو موقف نسبي ينبغي إخضاعه للتغيرات والمؤثرات، وبحسب الجواز العقلي لا يجوز إعمال مقتضياته بما يعاب على الدين من مطلقية.

الثاني: باعتبار الدين رغم إطلاقية الاعتقاد الأصلي، فهو تعتريه نسبية التمثل والاقتضاء الوجودي، فلا وجه لحدود المبالغة في التفسير. لأن مطلقية التأثل والاعتقاد لا يعني مطلقية التمثل والاعتمال.

وأيضا فإنّ مبدأ النسبية لا يغادر أي مشروع من مشاريع الفكر الإنساني، ومنها الحداثة التي نفت المطلقات واستبدلتها بمطلقاتها الإنسانية.

ما قلناه في إشكالية العلاقة بين الدين والمطلقية يمكن قوله تجاوزاً في مسألة العلاقة بين القيم والمطلقية، فالتحولات التي حدثت عبر التاريخ الإنساني استصحبت معها متغيرات على مستوى المفاهيم والمعاني التبعية لا الأصلية للقيم الإنسانية، وإن لم تسجل تلك المتغيرات على أصول القيم وثوابتها، قد يبدو الأمر أكثر تعقيداً مما نتصور، إنما لا ينبغي أن تسيطر النسبية على كل تفكيرنا، لأنّ مفهوم النسبية أصلاً نسبي، كما أنّ المطلق ليس بالضرورة أن يكون نسبياً إذا حكمنا بتقدير نسبية النسبية.

وعليه فإنّ قيمة العدل مثلاً من حيث المبدأ لم يطرأ عليها تغيير أو تحويل من حيث المفهوم الإنساني أو الكوني، لأنّ لها متحققات نفسية وعقلية على السواء، استوعبها الفكر البشري منذ نشأته، ثم لأنّ وضع الأشياء في غير محلها وهو ما يسمى الظلم أو الجور المقابلان للعدل، تمّ نبذهما واحتقارهما من قبل العقل الإنساني، وإن مورسا على صورة غير مقبولة، وبالقدر الزائد عبر التاريخ البشري.

إنّ هذه القيم وغيرها تخلقت في رحم النفس الإنسانية، ويبدأ تاريخها مع التاريخ الإنساني لأنها ثابتة في النظر ومستقرة في النفس الإنسانية، لا يمكن لها أن تشهد تحريفاً أو تشويهاً من حيث الأصل، وإلا انحرفت النفس الإنسانية وتاه العقل الإنساني.

على سبيل الختم

إنّ خلاصةً على سبيل الختم تجعلنا نقر: بأنّ الحداثة بمفاهيمها وقيمها الفلسفية التي أسست عليها لم تستثمرها كما يجب في استيعاب المنظومات الفكرية والمشاريع البشرية المختلفة، وعلى رأسها الفكر الديني، لانحصارها في زاوية المطلقات الإنسانية التي ظلت تعاديها وتكافح من أجل إقصائها من الوجود الثقافي للإنسان، وكان عليها الالتزام بمسلك التأويل لمبادئها وأسسها الكبرى كالعقلانية والحرية والنسبية لاستيعاب مبادئ وقيم تلك المشاريع، وهو المسلك الذي طالما رفعته يافطة في وجه الفكر الديني من أجل استيعاب الفكر الحداثي، وذلك ما نبّهنا عليه في السطور السابقة.