نشوئيّة العقل الفقهي الإسلامي: نحو براديغم حقوقي جديد

فئة :  أبحاث عامة

نشوئيّة العقل الفقهي الإسلامي: نحو براديغم حقوقي جديد

نحاول من خلال هذه المقالة، وبعيدا عن إطلاق مجرد أحكام متسرّعة حول أعمال القدامى في المجال الذي عرف "بالشرعيّات"[1] أن نصف هذه الأعمال من وجهة نظر علم النفس المعرفي النمائي الثقافي وأن ننقدها بعد ذلك نقدا إبستمولوجيا بنّاء قد يفضي في النهاية إلى الدعوة إلى الانخراط ضمن براديغم تشريعي جديد يخلّص الشرعيّات من الشرعيّات (التبعيّة للشارع = الإله الفقهي) ويضعها صريحا ضمن الإنسانيّات.

ننطلق من محاولتنا هذه بوضع الفرضيّة التّالية:

إنّنا نفترض أنّ نشاط العقل الفقهي الإسلامي قد اتخذ مسارا تعميميّا واستقرائيّا متدرّجا وتصاعديّا من العناية بالجزئيّات التفصيليّة إلى تركيز الاهتمام على الكليّات التعميميّة، لينتقل بذلك بالإنسان من طور التكليف الخارجي إلى طور التكليف الذاتي.

نصرّح منذ الآن، أنّنا سنتّخذ أدبيات الفقه السنيّ (دون الشيعي) مجالا لاختبار صحّة فرضيّتنا هذه، وذلك لأنّ التقليد الفقهيّ الشيعي لا يعبّر من وجهة نظرنا إلاّ عن لحظة فقهية واحدة ممتدة بطول امتداد عقيدة الإمامة الراجعة إليها كل أمور التشريع في أذهان الشيعة حتّى وإن قرنت بمؤسّسة ولاية الفقيه التي تنبع من المرجعيّة ذاتها (تنوب الإمام في غيبته وفيما هو قادم هو إمام كذلك: مهدي منتظر). زد على ذلك أنّ أغلب البلدان الإسلاميّة سنيّة المذهب.

وقبل أن نشرع في فحص المسألة المطروحة فإنّنا ننبّه إلى كوننا لن نخوض فيها خوض المدقّقين في كلّ التفاصيل شأن الفقهاء والأصوليين، فهذه التفاصيل لا تعنينا وإنّما سنكتفي برسم ملامحها رسما إبستمولوجيا نشوئيّا عاما.

إنّ الناظر في مسار نشاط العقل الفقهي السنيّ يجده قد قطع إلى حدّ الآن أربع مراحل أساسيّة، هي التالية:

1/ المرحلة ما قبل النظريّة: الممارسة المباشرة لأحكام النّص.

2/ بداية المرحلة النظريّة: الفقه المدوّن بالتوازي مع تدوين الحديث وبدونه.

3/ التنظير الواعي: علم أصول الفقه.

4/ نضج الوعي النظري: علم مقاصد الشريعة الإسلامية.

* في المرحلة الأولى، مرحلة ما قبل التنظير كانت الأحكام كلّها تنبع من خارج ذهن كل النّاس باستثناء ذهن الرسول الذي "لا ينطق عن الهوى": ينزل الأمر "من السماء" ليطبّق مباشرة على الأرض. ولم يكن الرّسول إلاّ مبلغا لأمر السماء.

لم يتمّ المرور مباشرة من هذه المرحلة إلى التي تليها، وإنّما كانت هناك مرحلة وسطى حدثت فيها اجتهادات بعد وفاة الرسول. اجتهادات استنبطت لا بطريقة منهجيّة وإنّما بنوع من الذائقة التشريعيّة العفويّة، وكانت "مجرد حلول جزئيّة لوقائع فعليّة، ولم تسمّ هذه (الاجتهادات) علم الفقه ولم يسمّ رجالها من الصحابة الفقهاء"[2]

وفي الحقيقة، لم يجد النّاس حاجة في البداية إلى التقعيد والتقنين، فالنصّ الذي جاءهم من الله أو السنّة التي صدرت عن الرسول مازالا ينطبقان انطباقا مباشرا على واقعهم، إذ لأجله نزل القرآن وبالتفاعل معه تكوّنت السنة. ويظهر هذا بوضوح من خلال "أسباب النزول" و "الناسخ والمنسوخ". النصّ كان يواكب لحظة بلحظة معيش الناس وقضاياهم. الله "من فوق سبع سماوات " يهتمّ بشأن امرأة تجادل الرّسول في زوجها[3]، ويبدي للناس ما الرّسول مخفيه من شأن رغبته في الزواج من زينب التي لم تعد ترغب في البقاء في عصمة زيد بن الحارث الذي ربّاه الرسول[4]، ويجيب عن مسألة الخمر والميسر[5]، إلى آخره من القضايا الحقيقيّة التي واكبها الوحي. بل إنّ الوحي كان يغيّر أحكامه كلّما أصبحت غير متماشية مع الواقع (ظاهرة النسخ في القرآن)[6]. وبالتالي، لم يكن النّاس بحاجة إلى التفكير في هذا الأمر، فالوحي والرسول (الذي يستلهم روح الوحي) كانا يكفيانهم مؤونته.

وبطبيعة الحال، سيستمرّ الأمر كذلك، ردحا من الزمن حتّى بعد وفاة الرّسول، فلم تكن وتيرة التغيرات الاجتماعيّة متسارعة. وإنّما الذي سارعها نسبيّا هو انفتاح العرب المسلمين على بقية المجتمعات التي وصلها الإسلام من فرس وروم وغيرهم.

* المرحلة التالية، هي بداية النشاط المنهجي للعقل الفقهي الإسلامي. هذا العقل الذي راكم في ذاكرته قدرا هامّا من النصوص أصبح بحاجة إلى السيطرة عليها منهجيّا، وإن بشكل بسيط. هذه السيطرة المنهجية اتخذت شكل التبويب، تبويب النصوص والأحاديث بخاصّة. والذي مكن من ذلك هو افتتاح عصر التدوين الذي ابتدأ بتدوين الحديث (السنة).

فكانت أوّل الأعمال الفقهية كتب حديث وفقه في الآن نفسه، وكانت مهمّتها تبويب محتويات الحديث تبويبا فقهيا: كتبا وأقساما وأبوابا. وأول عمل وصل إلينا من بين هذه الأعمال هو كتاب "الموطّأ" للإمام مالك بن أنس، فإنّه جمع فيه بناء على طلب الخليفة المنصور ما صحّ عنده من السنّة، ومن فتاوى للصحابة التابعين وتابعيهم، فكان كتاب حديث وفقه في الآن نفسه.

العقل الفقهي في هذه المرحلة، مازال مشدودا انشدادا مباشرا إلى النّص. وإنّما كانت الخطوة التي تقدّمها، خطوة إجرائيّة تتمثّل في تنظيم ذاكرته الشرعيّة النصيّة، وهو ما يعرف في علم النفس المعرفيّ النشوئيّ (كما وضع أسسه بياجي) بالقدرة على التصنيف (في مجال الحسيّات يصبح الطفل قادرا على التصنيف وتكوين المجموعات منذ سن الخامسة). يمكن تسمية هذه المرحلة بلغة النظريّة البياجية بالمرحلة الحدسيّة، حيث تكون النصوص والأقوال المرويّة هي موضوعات الحدس الفقهيّ المباشر[7].

* أمّا المرحلة الثالثة التي تأتي بينها وبين مرحلة التنظير الحقيقيّ (المرحلة الثالثة) فهي المرحلة الوسطى التي جسّدها فقه المذهب الحنفي (أو مدرسة أهل الرأي كما سميّت) والتي لا تتكوّن الأحكام الفقهية خلالها إجابة عن وقائع حقيقيّة بالضرورة، وإنّما كحلول لمشكلات مفترضة في عديد الأحيان (كما يحلو للإمام أبي حنيفة أن يفعل ذلك في أوقات فراغه كما اشتهر عنه).

هذه المرحلة لا يمكن أن تكون المرحلة الافتراضيّة الاستنتاجيّة التي هي آخر مراحل النمو الفكريّ في الإبستمولوجيا النشوئيّة البياجسيّة (نسبة إلى جان بياجي)، بالرغم من الاشتغال بافتراض مشكلات ضمنها، وذلك لأنّ موضوع الافتراضات ليس موضوعا مجرّدا، كما يقتضي ذلك نشاط الفكر المجرّد خلال المرحلة الافتراضيّة الاستنتاجيّة، وإنّما هو امتداد لواقع معيش حتى وإن لم يعش حقّا. فخاصيّة التفكير الافتراضيّ الاستنتاجيّ كما يقدّمه بياجيه هي كونه يجعل الواقع إحدى ممكنات الفكر فحسب، بينما يكون الفكر في المرحلة التي تأتي قبله مجرّد امتداد للواقع[8].

والمرحلة التي تأتي قبل مرحلة التفكير الافتراضيّ الاستنتاجيّ هي مرحلة الفكر الإجرائيّ العينيّ. هو إجرائيّ لأنّه يعنى بحلّ مشكلات، وهو عيني لأنّه ملتصق بالواقع، حتّى وإن كان هذا الواقع متصوّرا.

* أمّا المرحلة (الرابعة) الافتراضيّة-الاستنتاجيّة الحقيقيّة في المسار التكويني للعقل الفقهيّ الإسلاميّ السنيّ، فهي المرحلة التي سمّيناها مرحلة التنظير الواعي: مرحلة أصول الفقه وهي المرحلة الرئيسيّة التالية (خلال ق 2 هـ). في هذه المرحلة تظهر القواعد الكليّة المجرّدة والفئات التطبيقيّة الكليّة لا التفصيليّة.

فإذا كانت المرحلة السابقة هي مرحلة علم الفقه الذي هو: "العلم بالأحكام الشرعيّة المكتسبة من أدلّتها التفصيلية"[9]، فإنّ هذه المرحلة هي مرحلة علم أصول الفقه الذي يكون موضوعه هو "البحث عن الدليل الشرعيّ الكليّ من حيث ما يثبت به الأحكام الكليّة".

لنقدّم مثالا على ذلك قاعدة القياس الشرعيّ الذي هو الأصل التشريعيّ الأساسيّ الرابع المثبت لدى جمهور الأصوليين: القياس في اصطلاح الأصوليين «هو إلحاق واقعة لا نصّ على حكمها بواقعة ورد نصّ بحكمها، في الحكم الذي ورد به النصّ، لتساوي الواقعتين في علّة هذا الحكم»[10]. من الواضح أنّ هذا القول ينتمي إلى صنف الأقوال المجرّدة الافتراضيّة-الاستنتاجيّة أو ما يسميّه بياجيه بالقضايا المنطقيّة الرياضيّة mathématique-Logico أي، يمكن صياغته صياغة رياضيّة افتراضيّة مثل "إذا وجدت واقعة لا نصّ على حكمها تشترك مع واقعة ثانية ورد نص بحكمها في علّة هذا الحكم فإنّ حكمها يكون حكم هذه الواقعة الثانية".

من الواضع كذلك أنّه لا أثر لأيّ نصّ أو لأيّ دليل تفصيليّ في مثل هذا النتاج الأصولي الفقهي الذي يعبّر عن ارتقاء في درجة التعميم والتجريد الفقهي. لا تهمّنا هنا تفاصيل الاختلاف حول مدى حجيّة القياس بين العلماء (مع أنّ أغلبهم قد قبله حجّة شرعيّة على الأحكام العمليّة)، وإنّما الذي يهمّنا فقط هو رصد حدث فكريّ نمائيّ دالّ في نشوئيّة Genèse العقل الفقهيّ السنيّ.

بعد القياس يأتي الاستحسان، وهو "العدول بالمسألة عن حكم نظائرها إلى حكم آخر، لوجه أقوى يقتضي هذا العدول"، ثمّ يأتي الاستصلاح وهو "بناء الأحكام الفقهية على مقتضى المصالح المرسلة"، أي المصالح المطلقة، ثمّ الاستصحاب وهو "استبقاء الحكم الثابت في الزمن الماضي على ما كان واعتباره موجودا مستمرّا إلى أن يوجد دليل يغيّره أو يرفعه"... الخ. كل هذه المصادر التي عدّت فرعيّة إنّما تشير في الحقيقة إلى نصيب التجربة والخبرة الإنسانيّة التّاريخيّة والاجتماعية في الفقهيّات القديمة، وإلى مرونة العقل الفقهيّ وانطوائه الضمنيّ على فكرة وضعانيّة الشريعة الإسلاميّة واعتبار السياق الذي تتنزّل فيه الأحكام، وما مفهوما تحقيق المناط وتنقيح المناط إلاّ تحقيق لفكرة أخذ السياقات المختلفة بعين الاعتبار.

أمّا المنهج الذي اتبعه علماء الفقه لوضع قواعدهم الكليّة فهو المنهج الاستقرائيّ. ويطبّق هذا المنهج على أساليب اللّغة العربيّة والاستعمالات الشرعيّة، فيستنتج الأنواع الكليّة مثل "أنّ صيغة الأمر تدلّ على الإيجاب وصيغة النهي تدلّ على التحريم، وصيغة العموم تدلّ على شمول جميع أفراد العام قطعا، وصيغة الإطلاق تدلّ على ثبوت الحكم مطلقا".[11] كما طبّق هذا الاستقراء على الأحكام الفرعيّة (أحكام علم الفقه) التي جاء بها أئمّة المذهب قبل تكوّن أصوله وقواعده الكليّة، مثلما فعل علماء الأصول الحنفيّة (كأبي زيد الدبوسي (ت. سنة 430 هـ)، وفخر الإسلام البزودي (ت. سنة 430 هـ كذلك). وهنالك من اعتمد المنهج المقابل الذي هو المنهج النظريّ الاستنباطيّ البرهانيّ، مثل الأصوليّين من علماء الكلام (كما فعل أبو حامد الغزالي الشافعي في المستصفى.ت. سنة 505 هـ، وأبو الحسن الآمدي الشافعي (ت. سنة 631 هـ). وهنالك من طبق منهجا مزدوجا يجمع بين الاستنباط والاستقراء معا. وهذا يدلّ على مرونة أكبر فأكبر للعقل الفقهيّ الذي أصبح بإمكانه الذهاب والإيّاب معا من منهج إلى آخر. مثال ذلك مبدأ "رعاية المصلحة" الذي يعدّ العالم الحنبلي نجم الدين الطوفي الذي عاش في القرن الثامن الهجريّ من أبرز القائلين به. ويقضي هذا المبدأ بأنّه "إذا تعارض النّص والمصلحة في غير الاعتقادات والعبادات قدّمت المصلحة على النّص"[12].

وقد استمدّه الطوفي من حديث الرسول: «لا ضرر ولا ضرار» وبنى عليه ضرورة نفي الضرر والمفاسد شرعا، وهو نفي عامّ إلاّ ما خصّصه الدليل، وهذا يقتضي تقديم مقتضى هذا الحديث على جميع أدلّة الشرع، وتخصيصها به في نفي الضرر وتحصيل المصلحة".

كما توصّل إليه من طريق استقراء أحكام الشرع. إذ يعتقد الطوفي أنّ الله راعى حقوقه وحقوق البشر في العبادات، ولذلك يتحتّم فيها اتفاق النّص والاجتماع والمصلحة. وأمّا العبادات والمعاملات، فإنّ الله لا يقصد منها إلاّ خير الناس ومصالحهم وحقوقهم، ولذلك يرجّح فيها رعاية المصلحة على النّص والإجماع "لأنّ رعايتها في ذلك هي قطب مقصود الشرع منها".[13] وهكذا نلمس من خلال اجتهاد هذا العلم السلفيّ الحنبليّ الذي تتلمذ على ابن تيميّة أنّه يطلق حريّة الإنسان في الاجتهاد في المعاملات "فالرّاجح عنده روح الشريعة ومقاصدها لا نصوصها وحروفها".

وقد لا يكون من باب الصدفة أن نلحظ هذا التدرّج الزمنيّ في الارتقاء إلى التفكير النظريّ المنطقيّ، وهو ارتقاء يشبه إلى حدّ كبير النموّ الذهنيّ لدى الفرد كلّما غادر منطقة الطفولة (العقليّة) واقترب من مرحلة الرّشد. وإذا كانت بعض السنوات كافية لدى الفرد لينتقل من مرحلة ذهنيّة نشوئيّة إلى أخرى فإنّ النمو الذهني للعقل الثقافي بأسره يتطلّب قرونا متطاولة.

ومما يؤكّد ذلك أيضا أنّه في أواخر القرن الثامن للهجرة، كتب الشاطبي (790هـ) مؤلّفه المشهور "الموافقات في أصول الشريعة" ليجدّد فيه علم أصول الفقه، ولينقله إلى طور جديد أرقى من خلال فكرة "المقاصد الشرعيّة"[14]، " ويجعل الوحي منطقا قصديّا"[15]. وفي الحقيقة إنّ فكرة "المقاصد" قد تمّ التمهيد لها من قبل «عزّ الدين بن عبد السّلام المصري الشافعي في قواعده وشهاب الدين القرافيّ المصريّ المالكيّ في كتابه الفروق، فلقد حاول غير مرّة تأسيس المقاصد الشرعيّة [إلاّ أنّ] الرجل الفذّ الذي أفرد هذا الفنّ بالتدوين هو أبو إسحاق الشاطبي المالكيّ»[16].

والمقاصد الشرعية التي تمّ التوصّل إليها باستقراء مختلف موارد الشريعة الإسلاميّة خمسة: وهي حفظ النّفس، والدّين، والعقل، والمال، والنسل (أو العرض). وقد اعتبرها الشيخ الطاهر بن عاشور الكليّات الضروريّة في الشريعة، وعدّ معظم أصول الفقه غيرها مظنونة، بينما تعتبر هذه المقاصد قطعيّة.

وتعتبر المقاصد الشرعيّة الدرجة الأعلى من درجات التعميم والتجريد الفقهيّ، وتنضوي تحتها كلّ جزئيّات الشريعة في مختلف مراتبها.

وعن ذلك يقول الشاطبي " وعلم هذه الضروريات صار مقطوعا به ولم يثبت ذلك بدليل معيّن بل علمت ملاءمتها منها للشريعة بمجموع أدلّة لا تنحصر في باب واحد".[17] وقد لخّصت هذه المقاصد الخمسة في قاعدة تنصّ على أنّ مقصد الشريعة هو "جلب مصلحة أو درء مفسدة".

وقد بلغ عز الدين بن عبد السّلام القمّة في تأسيس الشريعة على النظر العقليّ البرهانيّ والاستقرائيّ من خلال ثنائيّة "جلب المصلحة ودرء المفسدة" بقوله "قاعدة فيما يعرف به الصالح والفاسد: أنّ مصالح الدنيا وأسبابها ومفاسدها وأسبابها معروفة بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات (الفرضيّات). فإن خفي شيء من ذلك طلب من أدلّته فمن أراد أن يعرف المصالح والمفاسد راجعها من مرجوعها، فليعرض ذلك على عقله بتقدير أنّ الشرع لم يرد به، ثمّ يبن عليه الأحكام، فلا يكاد حكم منها يخرج عن ذلك إلاّ ما تعبّد به عباده، ولم يقفهم على مصلحته أو مفسدته"[18].

والآن، إذا نظرنا في مقاصد الشريعة الخمسة التي هي حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل، وجدناها لا تبتعد عمّا نعرّفه الآن بمصطلح "حقوق الإنسان".

* فحفظ الدّين يعني حريّة الاعتقاد وحريّة التفكير "من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر". (قرآن كريم).

* وحفظ النفس يعنيالحقّ في الصحة وصيانة حرمة الجسد.

* وحفظ العقل يعني الحقّ في التعليم والمعرفة والغذاء المتوازن.

* وحفظ النسليعني الحقّ في المناعة، وفي إقامة علاقات جنسيّة منظّمة، وحقوق الطفولة.

* وحفظ المال يعني الحقّ في الشغل والكسب المشروع، أو الملكيّة الخاصّة.

وقد عمل ابن عاشور على أن يفصل مبحث المقاصد عن علم أصول الفقه ليصبح علما قائما بذاته في كتابه "مقاصد الشريعة الإسلاميّة"، وأخرجه من المنطق المذهبي الضيّق ليجعل منه علما كليا اجتهاديّا مفتوحا، وأدخل عليه بعض التطويرات، من ذلك مثلا التوسعة في مجال المقاصد لتتجاوز حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل، إلى مقصد الحريّة والديمقراطيّة. وقد فعل ذلك في كتابه "أصول النظام الاجتماعي في الإسلام". وبذلك يكون قد سبق كلّ الحركات الإسلاميّة إلى هذا المقصد. ومع ذلك فإنّ اللحظة المعرفية الفريدة التي لم تلتقط حسب رأينا إلى الآن، هي اللّحظة التي بنى فيها ابن خلدون المقاصد الشرعيّة على قوانين وطبائع العمران البشري، فاتحا الباب بامتياز أمام رفع الحواجز المصطنعة بين الشرعيّات والإنسانيّات، وبين علوم الشريعة وعلوم الطبيعة بشقّيها الماديّ والإنسانيّ.

النتيجة التي وصل إليها ابن خلدون تعدّ انقلابا إبستمولوجيّا كوبرنيكيّا في بناء العقل التشريعيّ. وهذه النتيجة تمثل في حدّ ذاتها إحدى العلامات الواضحة على تشرّبه لمعنى ختم النبوة، وتحوّل المركز من النص إلى الواقع (العمران البشري)، والعقل الذي يعمل على فهم الواقع فهما علميّا باستخراج طبائع العمران البشريّ، وسنّ التشريعات والقوانين بناء عليها، أي بناء على مقاصد المكلَّف هذه المرّة، لا على مقاصد المكلِّف. لأنّ المكلِّف إنّما وضع تكليفاته من أجل تحقيق مقاصد المكلَّف. المطلوب اليوم إذن هو عدم الوقوف دون اللحظة الإبستيميّة الخلدونيّة بل فتح "حظائر" علميّة واسعة للإسهام في تأسيس وتطوير العلوم الإنسانية الأصيلة المبدعة التي تعيننا على فهم واقعنا في كامل تعقّداته وتشعّباته فهما علميا نوعيّا دقيقا يمكّن من تشخيص معضلاته وتعيين أنجع الحلول لمشكلاته.

خاتمة

وهكذا نرى كم هي مفيدة دراسة العقل الفقهيّ الإسلاميّ في سياقه التاريخيّ الحيّ، وكم هي متجنّية تلك القراءات التي تنتزعه من سياقه التاريخي، وتضع كلّ أطواره في نفس السلّة، ليسهل عليها التخلّص منه أو شطبه بجرّه قلم واحدة.

ومن بين الشهادات التي تدعم ما توصّلنا إليه بخصوص تطوّريّة العقل الفقهيّ الإسلامي نقدّم شهادة الكونت "ليون استروروغ" التي ضمنها إحدى محاضراته التي كان يلقيها في جامعة لندن، عندما قال متحدّثا عن جهد علماء الأصول المسلمين "إنّ بعض هذه النظريّات لا تستدعي الإعجاب فحسب، ولكنّها تثير الدهشة. فقد توصّل هؤلاء العلماء الشرقيّون الذين عاشوا في القرن التّاسع بالاستناد إلى مبادئهم الكلاميّة إلى النّص على حقوق الإنسان، بما تشتمل عليه من الحقوق المتعلّقة بالحريّة الفرديّة، وحصانة الشخصيّة والملكيّة، ووصفوا السلطة العليا أو الخلافة بأنّها مبنيّة على التعاقد... وضعوا قانونا للحرب يحوي من التعاليم الإنسانيّة النبيلة ما يمكن لمقاتلي الحرب العالمية الأولى أن يحمرّوا تجاهه خجلا، واعتمدوا مبادئ التسامح تجاه غير المسلمين لم يعتمد غربنا ما يماثلها إلاّ بعد ألف عام "[19].

وبطبيعة الحال، لم يفكّر الفقهاء المسلمون على وجه الدقّة في مفهوم حقوق الإنسان الذي يعتبر من مجلوبات الفكر الفلسفيّ والتشريعي الحديث[20]، ولكنّ المسافة التي بقيت تفصلهم عن ذلك ليست شاسعة، وإنّما تقع في منعطف جديد تنقلب فيه مقاصد الشارع إلى مقاصد المكلّف الذي هو المواطن في المجتمعات المدنيّة الحديثة. في الفقه القديم كانت تسمّى مقاصد الشارع وذلك لأنّ الإنسان مازال غير قادر على إدراك مواطن المصلحة أو المفسدة إدراكا كاملا لقلّة علمه وخبرته ولعدم ثقته في أحكام العقل، وعلم الله الوارد في النقل لا يترجم بالضرورة إلى حكمة يمكن لإنسان أن يستوعبها في ظنّ الأشاعرة، خلافا للمعتزلة الذين يرون أن الحسن ما حسّنه العقل والقبيح ما قبّحه العقل. وبما أنّ الوجدان العربي المعاصر هو وجدان أشعريّ في الغالب، إذ أن الاعتزال كان مذهب النخبة، و لم تتبنّه الدولة إلاّ لمدّة قصيرة، فإنّ أغلب المسلمين من العرب اليوم مازالوا لا يثقون في قدرة العقل على إدراك حكمة الشارع أو على التقييم المستقل بالأحرى لما هو حسن و ما هو قبيح، أو لما هو نافع و ما هو ضار، في ما يتوفّر الإنسان المعاصر في الواقع على الحد الأدنى من العلم و الخبرة اللذين يمكّنانه من التقييم الذاتي المستقلّ لما يصلح له و لما يضرّ به، حتّى و إن كان الوازع العلميّ يبقى محتاجا إلى منبع قيميّ يحفزه (الحسّ المدني الراقي، أو الأخوّة الإنسانيّة أو الروحيّة). ولكنّ الإنسان لم تتح له فرصة هذا الاختيار الحرّ والترشّد الذاتي إلاّ بفضل الدور الحضاري العظيم الذي قام به الأنبياء ليخرجوه من طور البربريّة والتوحّش، ويدخلوه إلى حضيرة الإنسانية والمدنيّة، فالدين في جوهره تمدّن، وهو أوّل من أتى بفكرة القوانين والتشريعات لتنظيم المجتمعات البشريّة[21]، وإنّما وظّف الدين نوازع الإنسان الطبيعيّة من خوف وطمع لتمكين تلك المبادئ الحضاريّة والقيمية من نفسه: فالناس يدعون الله "خوفا وطمعا". وقد أدرك المتصوّفة ضرورة إتيان الصواب من الأعمال من دون خوف أو طمع وإنّما بدافع محبّة الخير الأعظم. وقد اتخذ القانون الأخلاقيّ طابعا عقلانيّا صارما لدى واضع "أسس ميتافيزيقا الأخلاق" الفيلسوف الألماني إيمانويل كأنط.

ولذلك يجدر بالفقهاء المعاصرين أن يخرجوا من دائرة البراديغم الفقهي القديم الذي توعز فيه المقاصد إلى الشارع، مع أنّها استنتجت بالنظر العقلي، لتسند صراحة إلى الإنسان[22] الذي تصبح استقلاليّته الفكريّة، بعد أن تدرّب عليها طويلا، المقصد الأسمى لتلك المقاصد، أو مقصد المقاصد، ليلجوا إلى رحاب البراديغم الحقوقي المعاصر: براديغم حقوق الإنسان. ولكن ما هو نموذج الإنسان الذي سيسعى إلى حفظ حقوقه؟ وهل سينظر إليه في عزلته أم ضمن محيطه الطبيعي والاجتماعي والحضاري؟ وهل يمكن الحديث عن حقوق فرديّة في غياب حقوق الشعوب التي ينتمي إليها هؤلاء الأفراد؟ أم أنّ بعضها هو المعبر للبعض الآخر؟ أم الأولى أن تسير كلّها جنبا إلى جنب؟

وأخيرا أليس من الأجدى أن يشرع في التفكير في بناء براديغم حقوقيّ جديد يرث البراديغم الفقهي التقليدي والبراديغم الحقوقي الرأسمالي الغربيّ معا؟ !

للاطلاع على البحث كاملا المرجو الضغط هنا

المراجع والمصادر

- القرآن الكريم.

- ابن خلدون، المقدمة، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984.

- ابن عاشور، الطاهر، مقاصد الشريعة الإسلامية، الشركة التونسيّة للتوزيع، 1978.

- محمد الطاهر بن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، الشركة التونسية للتوزيع، تونس، ط.2، 1985.

- الجليدي، مصدق، ختم النبوة: إبستيمية مولد العقل العلمي الحديث، تونس 2002.

-"مرجعيّة الذات المتعينة في الحاضر: الفرد أم ولاية الفقيه"، مجلة الحياة الثّقافية، السنة 27، العدد 131، جانفي 2002.

- حرب، علي، "نحو فهم تكاملي للإنساندراسات عربية، العدد 11-12، 1983، ص 51-55.

- حنفي، حسن، دراسات إسلامية، دار التنوير للطباعة والنشر، ط1، 1982.

- د. صعب، حسن، تحديث العقل العربي، دار العلم للملايين، د.ت

- الشاطبي، أبو إسحاق، الموافقات، دار المعرفة للنشر، بيروت، لبنان، بدون تاريخ.

- عبد الوهاب خلاف، علم أصول الفقه، المغاربية للطباعة والنشر والإشهار، بدون تاريخ.

- لنسج، تربية الجنس البشري، ترجمة وتقديم وتعليق د. حسن حنفي، التنوير، بيروت، 1981.

- المحجوبي، علي بن حسن، "حقوق الإنسان بين النظرية والواقععالم الفكر، المجلد 31، عدد 4، 2003.

- مصطفى زيد، المصلحة في التشريع الإسلامي، دار الفكر العربي القاهرة، 1954.


الهوامش

[1] خلافا لما فعله حسب رأينا الدكتور محمد علي الحلواني عند رصده العجول لعلاقة التشريع الدنيوي بالنص القرآني (في الطريق الجديد، عدد 14، مارس، 2003).

[2] -انظر عبد الوهاب خلاف، علم أصول الفقه، المغاربية للطباعة والنشر والإشهار، بدون تاريخ، ص. 15.

[3]- انظر سورة المجادلة: 1

[4]- "وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه. فلمّا قضى منها زيد وطرا زوّجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهنّ وطرا وكان أمر الله مفعولا" (الأحزاب، 37)

[5]- انظر سورة البقرة: 219.

[6]- انظر سورة البقرة: 106.

[7]- مراحل النمو الذهني لدى الفرد بحسب بياجيه هي التالية: مرحلة الارتكاسات الأوّلية-المرحلة الحس-حركية-المرحلة الحدسية-المرحلة ما قبل –إجرائية-المرحلة العينية-المرحلة الافتراضية الاستنتاجية (مرحلة التفكير المجرد).

[8]- Voir, Vandan Plas Holper, Ch., Le développement psychologique pendant l’âge adulte et pendant la vieillesse, Puf, Paris, 1998.

[9]- وهو تعريف الشافعية والمتأخرين من الفقهاء.

[10]- المصدر السابق، باب القياس.

[11]- المصدر السابق، ص.13.

[12]- د.حسن صعب، تحديث العقل العربي، دار العلم للملايين، ص.110.

[13]- مصطفى زيد، المصلحة في التشريع الإسلامي، دار الفكر العربي القاهرة، 1954 ذكره د.حسن صعب في المصدر السابق، ص 110.

[14]- الشاطبي، أبو إسحاق، الموافقات، دار المعرفة للنشر، بيروت، لبنان، بدون تاريخ.

[15]-حسن حنفي، دراسات إسلامية، دار التنوير للطباعة والنشر، ط1، 1982، ص 57.

[16]-الشيخ الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، الشركة التونسيّة للتوزيع، 1978، ص 8.

[17]-ذكره ابن عاشور، المصدر السابق، ص 79

[18]-المصدر السابق، ص 70.

[19]-The Angora Reform، Count Lean Ostrorog، ذكره د.حسن صعب، المصدر السابق، ص 103.

[20]- انظر مثلا، المحجوبي، علي بن حسن، "حقوق الإنسان بين النظرية والواقع"، عالم الفكر، المجلد 31، عدد 4، 2003.

[21]-انظر لنسج، تربية الجنس البشري، ترجمة وتقديم وتعليق د.حسن حنفي، التنوير، بيروت، 1981.

أو انظر كتابنا، ختم النبوة: إبستيمية مولد العقل العلمي الحديث، تونس 2002، ص 61.

أو مقالنا "مرجعيّة الذات المتعينة في الحاضر: الفرد أم ولاية الفقيه"، مجلة الحياة الثّقافية، السنة 27، العدد 131، جانفي 2002.

[22]- انظر مثلا، علي حرب، "نحو فهم تكاملي للإنسان"، دراسات عربية، العدد 11-12، 1983، ص 51-55.