"نصائح" فكرية للعام الجديد: تصفية الذات من مرايا الآخرين

فئة :  مقالات

"نصائح" فكرية للعام الجديد: تصفية الذات من مرايا الآخرين

قد لا يكون متوقعا أو شائعا أنْ يُقدّم للناس، احتفاءً بقدوم سنة جديدة، نصائح في الفكر والفلسفة وقراءة الذات والآخر؛ ولعل هذا يكشف عن أن رؤية كثير من الناس للفكر والفلسفة والمعرفة كوسائل للمتعة والراحة ومقاومة ضغوط الحياة، واجتراح الملذات والنجاحات وتنظيم الحياة اليومية والارتقاء بأداء الأفراد...ما زالت غير عادلة، ولم تصل إلى حدّ تقديم المعرفة الجادة كمنبع للإسعاد وطريق لاشتقاق المسرات وسكينة الذات وفرح الروح والوجدان واطمئنان الضمير. من هنا تأتي هذه المقالة، لتحاول بثّ تقليد جديد يقف إلى جانب تقاليد راسخة في استقبال سنة جديدة، مثل قراءة الطالع والأبراج، والاهتمام بأفكار تغيير "ستايل" الملابس والمنازل والحاجيات.

كان الفيلسوف نيتشه يقول: "يجب علينا دوماً أنْ نولّد أفكارنا من صميم آلامنا، فوحده الألم العظيم هو المحرر النهائي للعقل". لربما نحتاج بعض الألم كي نفهم الحياة أو نتقبلها. هذا لا يبدو، على الأغلب، خيارا محبباً أو مطلوباً لذاته، بل نحن مجبرون على قبوله، حيث لا تعطينا الدنيا ما نريد بدون تنازلات وتضحيات وخسارات، بل خسارات فادحة أحياناً. وقد تبدو الحكمة في أحد أهم مضامينها وحقيقتها أنها المقدرة على تقبّل التنازلات والتخفف من المواقف القصوى والرغبات الجامحة، بل توسّل النسبية والمواقف الوسطى، مع أنها قد تبدو صادمة لـ"نرجسيتنا المجروحة"، وعلى الضد مما توافقنا على أنه الكبرياء والكرامة والأنفة والمبدئية.

ليس الجميع قادرين على مواجهة الآلام وتحدي الوجع واستخراج الحكمة من أغواره. قليلون من يناسبهم قول هنري فورد إن "الفشل هو الفرصة التي تتيح لك أن تبدأ من جديد بذكاء أكبر"، فيما الغالبية تنسجم مع حديث شكسبير عن أن "الحزن الصامت يهمس في القلب حتى يحطّمه".

قلة من الناس لا تعبأ بتكسير المرايا حين ترى أنها لا تعكس صورتها التي تحب أو تريد، والأكثرية تدمن على التحديق في المرايا لتتأكد، كل ساعة، من أن صورتها لم تُصَبْ بالتغيير. تلك القلة تبني ذاتها باستقلالية كبيرة عن نظرة الآخر إليها، فيما الأكثرية "تفصّل" مقاس ذواتها بشكل أكبر وفق نظرة الآخرين واعتباراتهم.

جرأة القلة وتحديها، لا تمرّ بالتأكيد بدون مكابدة وألم وصبر وتضحيات، لكنه الألم الذي يُحرّر، ويلملم ويقلّص المسافة بين "الجواني" و"البراني"، وينتصر على عُقد الذات وانفصامها وازدواجيتها وغربتها، ألم يقل جمال الدين الأفغاني: "بالضغط والتضييق تلتحم الأجزاء المبعثرة"؟.

أظنّ أنه لا تحرّر ذاتيا بلا معاناة وتحدّ؛ فالحكمة والخبرة لصيقة المعاناة والمغامرة وتحدي الذات. وليس ثمة خبرة تنمو أو حكمة تتراكم بدون ترويض الذات وإعادة النظر فيها على الدوام. حُسن إدارة الشكوك والتمعن فيها وتفكيكها يولّد الثقة، و"اليد المرتجفة لا تصيب هدفها"، كما قال محمد الماغوط.

إنك تتحرر حين تسأل أكثر وحين تبحث عن الإجابات التي تحررك. تتحرر حين تمتعض من الإجابات التي تقيدك. وأول القيود أن تقبل إجابات أو تتحايل على تجميلها، رغم علمك أنها تعاكس أشواق البشر في الحرية أو أنها لا تحترم عقولهم أو على الأخص أنها لا تثق بالمرأة.

هل يا ترى نحمّل الأمور أكثر مما تحتمل حين نستدعي هنا قول سارتر: "أكره الضحايا الذين يحترمون جلاديهم"؟

التغيير طبعُ الحياة، والمياه ذاتها لا تجري مرتين في النهر الواحد، كما قالها قديما هراقليط، ووجهك في المرآة ليس هو قبل وقت مضى.

ترى لماذا ينتاب القلق بعضنا إذا ألمّ به التغيير، وطالت معاول الزمن أفكاره وسلوكياته ومظهره، فيما يبدو آخرون أكثر تعاوناً مع الزمن ليفعل فعله، ويلوّنهم بريشته، ويترك بصماته ومشارطه في ذواتهم وطباعهم ومظهرهم؟. وحين تظنّ أن صورتك التي كنتها طفلاً ثم فتى فشاباً هي التي ينبغي أن تعضّ عليها بالنواجد مكتهلاً ثمّ شيخاً كبيراً، تكون قد اخترتَ أنْ تكون أسير تلك الصورة التي اخترت تأبيدها وفاءً لها، وخوفاً من تجاوزها وتخطيها.

وهذا الوفاء للصورة ليس بالضرورة أن يكون وفاءً لك، فقد تخسر حريتك من أجل صورتك. وحين تحبس "أناك" في صورة، تُضيّق واسعاً، وتنظر إلى "الأنا" بوصفها شيئا واحداً، لا يطالها التعدد والتنوع والاختلاف والتناقض وتغيّر الحال بتغيّر الأحوال. ولأنّ الحقائق والظروف والحاجات تتغير، تتغيّر الأفكار والقراءات والسلوكيات. وأتساءل: هل هذا ما قصده رامبو حين قال: "الأنا هو آخر"؟. وهل هذا ما عناه صموئيل بيكيت حين اعترف: "أقول أنا، مدركا أنه ليس أنا نفسي"؟.

أحيانا نكاد نهجس بأن حياة واحدة لا تكفي لمعرفة الذات وفهم الدنيا. ولأننا أول العمر لا نعرف، على الأغلب، ماذا نريد وما شكل الحياة، وما تنطوي عليه من معانٍ وعطاءات وثراء ونسبية وتنوع، لا يَحسُن الاستسلام لذاك الانطباع الأوليّ عن الحياة، الذي وصل إلى مداركنا ومسامعنا أول الأمر، بل الواجب أن نخضع تلك الانطباعات للاختبارات والنقد والمساءلة لتكون القراءة أكثر دقة وعمقاً شمولاً.

إن من ينظر إلى القمر منتصف الشهر الهجري سيكون متعجّلاً، إنْ قال: "شكل القمر دائري". ولو انتظر شهراً لأدرك أن قوله جزء من الحقيقة، وأنّ للقمر أشكالاً مختلفة. وحين تُصاب عيوننا بالنضج لا يُعدّ ما رأته في ميعة الصبا وزهوة الشباب هو ذاته عند النضوج المتأتي من ازدحام المشاهدات واختلاف زواياها واختلاط مصادرها وتنوّع رواياتها. ولعلّ هذا ما ألمح إليه الشاعر الفلسطيني محمود درويش ذات قصيدة بقوله: " قلتُ يا هذا، أنا هو أنت... لكنني قفزتُ عن الجدار لكي أرى ما لا يرُى، وأقيس عمق الهاوية".

في تأملنا مع ذواتنا وتحديقنا في دواخلنا قد نكتشف أن إرثنا وما كنّاه صار عبئاً علينا، وأنّ ما نحن عليه الآن مفارقٌ لما كنّاه، وقد يُنتِجُ هذا تناقضنا وانفصامنا واختلاف ما نُظهره عمّا نبطنه، وحقيقتنا عن زيفنا. والتصالح مع الذات (لا أعرف احداً متصالحاً تماما مع ذاته!!) يستدعي ربما اختيار ما يعبّر عن مجمل حقيقتنا، وينطق باسمنا، وهو اختيار ليس أبديا، بل قابل للتجدد والتغيّر؛ لأنّ الهدف محاولة العيش بحرية، واقتراف الفرح، والالتقاء بذاتك المشتهاة، وتصفية وجهك من مرايا الآخرين.

كان الفيلسوف الفرنسي إدغار موران، يؤكد أنه مع الإقرار بأنّ "كل ما لا يتجدد يتدهور"، وبأن "أكثر الناس حساسية أكثرهم مللاً"، لكنّ ذلك لا يسوّغ أنّ يكون الرخاء المادي هدفا بدلا من أن يكون الهدف هو السعي لتحقيق السلام الداخلي والامتلاء النفسي والانشراح النسبي والإيجابية والتلقائية. هذا الأمر يلفت الانتباه إلى أنّ أحد أشكال إصلاح الحياة الحديثة يتمثل في "أنسنة" المدن والحياة وعدم إفقار الأرياف وتهميشها، مثلما يتمثل في الثناء على البطء والتوقف عن الجري وراء حياتنا بدلا من عيشها بكل تفاصيلها وحقيقتها. وهذه الدعوة ليست ضد التقدم والحضارة وسهولة العيش، بل هي صرخة لأنْ يكون التقدم والحضارة في خدمة سعادة البشر، لا أنْ يكون البشر عبيدا لهذا التقدم. وينبّه إدغار موران إلى أنّ ذلك لا يعني أيضا التضحية بملذات الاستهلاك لصالح حياة التقشّف والزهد والتقييد المستمر والصرامة والحرمان، بل على العكس من ذلك، فإن الاستهلاك الجيّد هو تعلّم اكتشاف مذاق الأشياء من جديد. ويوضّح موران أنه ينبغي في أقصى حدود الخلاعة والاحتفال أنْ يعقب ذلك مراقبة للذات؛ لأنّ الاعتدال يعطي للاحتفال معناه وعمقه ومضمونه، ويُكسبه الغنى والامتلاء. فالبهجة ليست نقيض الالتزام والوفاء والجدية، والنظرة ذات البعد الواحد دائما قاصرة، وتلزمنا دوما "النظرة المركّبة" و"منطق التسويات" و"الحلول الوسط"، والمثالية تهذّب، مثلما أنّ الواقعية تجعل العيش محتملا، والإيجابية تجعله قدر الإمكان احتمالا بهيجا.