نهاية الأصولية ومستقبل الإسلام السياسي

فئة :  قراءات في كتب

نهاية الأصولية ومستقبل الإسلام السياسي

نهاية الأصولية ومستقبل الإسلام السياسي

فرج العشة، دار الريس للكتب والنشر، بيروت، 2009، 219 ص.


ينطلق المؤلف بهذا الكتاب من مسلمة لديه، مفادها أن التأويلات والقراءات المختلفة التي تأخذ من الإسلام مادة وموضوعا، قد فرضت سؤالا محوريا حول موقف المسلمين عموما من مسألة الحداثة، وموقفهم من الديموقراطية وحقوق الإنسان بوجه عام.

فإذا كان من الحركات الإسلامية ما يتخذ لنفسه موقفا معتدلا من الحداثة، فيأخذ منها ما يتراءى له متوافقا ونظرته، فإن العديد من الحركات المتشددة أو الأصولية في رأي الكاتب، من يرفض هذه الحداثة بالجملة والتفصيل، لدرجة التنديد بها وتكفيرها، وإعلان الحرب عليها وعلى روادها. من هنا تأتي، يقول الكاتب، أهمية دراسة مواقف هذه الحركات مجتمعة، للنظر في مدى ملاءمة آرائها ومواقفها من قضايا الحداثة، وعولمة المعلومات، وحقوق الإنسان.

إن الخطاب الأصولي، بنظر المؤلف، إنما هو بمجمله خطاب شمولي، "لا يعترف بالآخر، ولا يتناسب مع المواطنة والديموقراطية"، وهو المنطق الجامع لمعظم الحركات الإسلامية، لا بل ويمثل أحد سماتها الكبرى، سواء توسلت ذات الحركات العنف كوسيلة لبلوغ السلطة، أم أبدت رغبتها ظاهريا للقبول بقواعد اللعبة السياسية، المفضية للحكم بالطرق السلسة. في كلتا الحالتين، فإن الحركات الإسلامية، إنما تتكئ على تأويلات متعددة ومتقاطعة من أجل خدمة أهدافها وغاياتها.

ولعل من هذه التأويلات، المقولة الفكرية التي مفادها أن من لا يدين بالإسلام مصيره جهنم، ويشكل في الآن نفسه خطرا على المجتمع، مما يستوجب استئصاله، أو منعه من ممارسة حقوقه السياسية والدينية في حدها الأدنى. من هنا ما يسميه المؤلف بـ "استبدادية الإسلام السياسي، في رفض الآخر، وعدم الاعتراف بشرعية حقه في الممارسة السياسية، حيث يتسنى لهذا الإسلام أن يسود".

يتسم خطاب الإسلام السياسي، في رأي المؤلف، في كونه "يقوم على استدعاء الماضي، واعتباره المقياس الذي يجب أن يقوم عليه الحاضر فكرا وممارسة. يجري تصوير العهد النبوي وفترة الخلافة الراشدية، بأنهما النموذج الذي يجب استعادته، من دون الأخذ في الاعتبار تغيرات الزمن والتطورات التاريخية والاجتماعية التي طرأت على العالم العربي والإسلامي، منذ أكثر من خمسة عشر قرنا".

من جهة أخرى، "يرفض الخطاب الأصولي المفاهيم الحديثة حول الدولة، ومسألة تداول السلطة، وحق المجموعات في المشاركة في الحكم، بصرف النظر عن دينها وجنسها، وتكريس الحقوق السياسية والإنسانية في الحرية والعدالة والمساواة أمام القانون، وهي مبادئ أتت بها التطورات السياسية الحديثة، بعد نضال قادته شعوب متعددة، وكرسته في شرعة حقوق الإنسان والمواطن، تحت عنوان تحقيق الديمقراطية وحق الشعوب في الوصول إلى إنجازاتها. يأتي هذا الرفض تطابقا مع التمسك بأفكار الماضي ودولة الخلافة الراشدية التي كانت في نظرهم قائمة على مبدإ الشورى الذي يشكل البديل الديمقراطي عن منتجات الحداثة والتقدم".

من جهة ثالثة، "يرفض الخطاب الأصولي الفصل بين الدين والسياسة، بل يرى أن السياسة تقوم بدور حماية الدين والعمل على نشره، وأن الإسلام هو دين ودولة، خلافا لما يدعيه العلمانيون، وفق التعبير الأصولي. من هنا، يحتل شعار الدولة الدينية مكانا مركزيا في الخطاب الأصولي، ومن هنا أيضا الإصرار على أن من أهداف الإسلام السياسي استعادة دولة الخلافة التي ألغاها مصطفى كمال مطلع القرن العشرين في تركيا".

في هذه النقطة، يلاحظ الكاتب أن الدين لم يكن يوما مرشدا للسياسة وموجها لممارسة الحاكم، إذ "باستثناء المرحلة النبوية التي كان على الرسول فيها أن يمارس المهمتين الدينية والزمنية، وهي ممارسة في الأمور الدنيوية ظلت محدودة جدا، فإن التاريخ يظهر أن الدين كان دوما في خدمة السياسة، وملحقا بها، حيث يوظفه السلطان لتبرير مشروعية قراراته. كما أن الفقهاء والعلماء، ما عدا قلة منهم، كانوا عاملين في خدمة هذا السلطان، ومنظرين لما عرف بـالآداب السلطانية، بما تتضمنه من إرشادات للمحكومين في علاقتهم مع الحاكم".

أما النقطة الأخطر في الخطاب الأصولي، باعتقاد المؤلف، فهي تلك المتعلقة بقراءة النصوص الدينية، لا سيما منها القرآن، حيث "يصر الخطاب الأصولي على قراءة غير تاريخية للنص الديني، تنطلق من اعتبار كتاب الله الموحى به إلى النبي محمد، كتابا وضع في لوح محفوظ، وهو صالح لكل زمان ومكان، ولجميع البشر على السواء، بوصفه يحوي الحقائق الكاملة في جميع الميادين الدينية منها والدنيوية".

من هذه الزاوية، يلاحظ المؤلف أنه "يغيب عن الأصوليين أن القرآن يتضمن شقين في ما حواه: الأول يقوم على القيم الدينية والأخلاقية والروحية الداعية إلى هداية البشر وعبادة الله، وهو أمر يمكن القول بأنه يتجاوز الزمان والمكان، فيما يحوي القرآن جملة تشريعات كان على الرسول أن يجيب على قضايا واجهته، وهي أمور تتصل بالحياة الدنيوية، وترتبط بزمان نزولها ومكانه، مما يعني أنها ليست متناسبة مع الزمن الراهن".

المعضلة الكبرى في الأصوليين، يتابع المؤلف، أن "هذه التشريعات باتت الأساس في الدين الإسلامي، فيما جرى تغييب البعد الديني والروحي لهذا الدين، وهي التشريعات نفسها التي تحوي آيات عنف تدعو إلى قتل غير المسلمين، نزلت خلال الصراع على نشر الدين الإسلامي، ويرفض الأصوليون اعتبارها قد تقادمت مع الزمن، مما يجعلهم يرون في جهادهم وإرهابهم، تنفيذا لوصايا الله الواردة في هذه الآيات".

أما فيما يتعلق ب"نهاية الأصولية"، فيزعم الكاتب أنه من الصحيح تماما أن "الخطاب الأصولي يسجل كل يوم أدلة على تهافته وتخلفه واستبداده، ويظهر استحالة ترجمته سلطة عادلة"، لكن المؤسف، برأيه، "أن جماهير هذا الخطاب لا تزال تزداد عددا وفاعلية، مما يعني أن لا علاقة بين تهافت الخطاب والانفكاك عنه".

تفتح هذه النقطة على درجة تطور المجتمعات العربية والتخلف المريع الذي تقيم فيه، واستعصاء الحداثة والتحديث في الكثير من ميادينه، إضافة إلى "تسلط أنظمة الاستبداد على شعوبه، وهي عناصر مساعدة لازدهار النزعات الأصولية، وتقديم نفسها البديل عن هذه الأنظمة، في حل مشكلات الشعوب العربية والإسلامية".

يقول الكاتب في هذه النقطة: إن الحديث عن "نهاية الأصولية في المحصلة التاريخية فيه الكثير من المجازفة من الناحية العملية، ذلك أن للأصولية في المنطقة أسبابا عديدة، لا يبدو أنها وجدت أجوبة شافية لا في حداثة أنظمة الحكم السائدة، ولا في البيئة الدولية، التي طالما افتقرت إلى العدالة في تسوية الأزمات على أنواعها".