هل صحيح أنّ الإسلام دين علماني لا كهنوتية فيه؟!!

فئة :  مقالات

هل صحيح أنّ الإسلام دين علماني لا كهنوتية فيه؟!!

يعتبر التنوير الغربي حركة ثقافية، ونهضة إنسانية عملية واسعة مكنت أوروبا - بعد مخاضات تاريخية وصراعات مجتمعية طويلة وعسيرة - من وضع الأسس واللبنات الأولى لنهضتها الحضارية المدنية الإنسانية الحديثة.

وبعد مرور مدة زمنية طويلة نسبياً على انطلاق تجربة التنوير والحداثة الغربية[1] (التي تحولت إلى نماذج حية، بكل ما وصلت إليه من مكتشفات واختراعات ونتاجات مادية ضخمة، وما حققته من إنجازات ومكتشفات علمية فريدة تجلت واقعياً في بناء حضارة مدنية إنسانية فاعلة ومنتجة ألهمت الوجود الإنساني كله)، لم يفلح العرب حتى اللحظة في تحقيق أي استثمار إيجابي فعال ومنتج لها، حيث لا يزال سؤال الحداثة والتنوير - وعموم أسئلة النهضة العربية المتمحورة حول البحث في أسباب تقدم الغرب وتأخر العرب والمسلمين - سؤالاً إشكالياً بامتياز في داخل الفضاء الثقافي والمعرفي العربي بالرغم من مضي عقود عديدة على طرحه من قبل مفكري النهضة العربية الأوائل (من رفاعة الطهطاوي وفارس الشدياق إلى بطرس البستاني وشبلي شميل وفرح أنطون وسلامة موسى وغيرهم)[2].

كما لا يزال هذا السؤال يحظى باهتمام مفكرين وباحثين آخرين ممن اشتغلوا على قضايا التنوير والنهضة لاحقاً، وذلك بالنظر لعدم تمكننا نحن العرب من اللحاق بركب الحضارة المدنية والعلمية الكونية حتى الآن، وبقائنا في حالة جامدة من عطالة العقل والفكر، غيّبتنا عن ساحة الوجود والتأثير في الحياة العالمية، ومنعتنا من إنتاج الفاعلية الحضارية الذاتية، لنركض ونلهث وراء ترهات وأباطيل وإشكالات تاريخية وثقافية لا حصر لها، تستخدمنا أسوأ استخدام، وتوظفنا لصالح معانيها الرمزية الفاقدة للمنطق والحضور والفعل الحقيقي.. فكانت النتيجة هي هذا التأثير السطحي والفاعلية المحدودة والإنتاج الفكري والعقلي والعلمي العربي والإسلامي الضعيف وغير النوعي، وهذا الدور المنفعل والحضور البسيط غير التكاملي والمكانة الدولية المتدنية جداً في سلم درجات المعايير الحضارية التنموية وغير التنموية، ليقتصر حضورنا النوعي والكمي فقط على انتشار قيم الاستهلاك السلبي وثقافته واجتياحها لمجتمعاتنا، وهيمنة عقلية الشراء لمنتجات وتقنيات الآخر (الغربي المتقدم) من دون وعي لثقافته وفلسفته وقيمه الحضارية التي كرسها بوصفها تقاليد وخطوطًا ثابتة عريقة، شكلت - ولا تزال - نواظم ومعايير وتقاليد سلوكية عالمية راسخة، حول كيفية نجاحه العملي المذهل وآليته في الإنتاج العقلي والفلسفي الضخم الذي كان وراء كل ما جرى فيه من تقدم علمي وتقني وصناعي لاحق، انطلق وتمحور حول العقل والإبداع العقلي فقط[3].

لقد قام الغرب عبر تاريخه الحديث بترسيخ ثقافة العقل والعلم والوعي العملي في نفوس الناس، وفي سلوكهم اليومي، بهدف الخروج من حالة الوصاية والقصور العقلي التاريخي الذي كان مسيطراً على مجتمعاته، وعمل على تمكين الوجود الفردي، أي تعميق حس الإنسان وانتمائه لذاته وفكره وعقله، أساسًا ومحورًا للحياة والوجود.

وعلى هذا الطريق نشأت ثقافة حقوق الإنسان المقدسة، وتمكن “الإنسان-الفرد” من السير على طريق الحياة والوجود بلا وصاية من أحد تاريخي أو ما ورائي، وانطلق هذا الفرد لبناء مجاله المجتمعي السياسي المتوازن والعادل والمتساوي والحر بوعيه وإرادته المدركة وخياره العقلاني وقراره الحر، بلا هيمنة ولا سيطرة ولا إرشاد من دين أو نص أو غيره..

وتزداد حالياً أهمية الحديث عن قضية التنوير والحداثة العقلية في ظل ما أفرزه واقع ما سمي بـ"ربيع الثورات العربية" من هيمنة التيارات والخطابات والحالات الدينية والتنظيمات السلفية التكفيرية على معظم تلك الثورات، وتحكمها بمستقبل كثير من تلك الدول العربية التي نجحت فيها تلك الثورات، وعقدت فيها انتخابات ديمقراطية أشادت بها حتى الدول الغربية، بالرغم من كونها أدت إلى فوز كثير من تلك الحركات الدينية بغالبية مقاعد البرلمانات والمجالس المحلية.. الأمر الذي يدفعنا بوصفنا مثقفين للتأكيد مجدداً على أهمية النقد والمساءلة والمحاسبة الفكرية والعقلية للفكر والنقل والتراث الحاكم، وإعادة طرح هذا السؤال التنويري على شكل (أوصيغة) قابلية الإسلام وإمكانيته -دينًا إنسانيًّا عالميًّا- ليكون ديناً مدنياً علمانياً، يقبل نقيضه الفكري والسياسي، ويحترم صيغة النظام الديمقراطي القائمة على التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة!؟..

فهل يقبل دعاة الفكر الإسلامي المعاصر ورموزه، بفتح المجال السياسي الإسلامي العام -بكل ما يترتب عليه من طروحات ومفاهيم وأحزاب وتنظيمات وحقوق- أمام المناقضين لهم فكراً وعقيدة وسلوكاً حتى لو كانوا ملحدين ولا دينيين؟!! وهل يقبل الإسلاميون بفكرة الدولة المدنية العلمانية (الحيادية تجاه الأديان والعقائد) والتي تقوم على فكرة “الإنسان-الفرد” الحر في وعيه وسلوكه وخياراته الفكرية والسياسية والعقيدية، وغير الخاضع سوى للإرادة العامة المتمثلة في القانون المدني "العلماني" العام الناظم لحركة الدولة والمجتمع؟!..

الإسلام وتحديات الحداثة:

لابد بدايةً من أن نشير ونحدد هنا بأنّ ما قصدناه وعنيناه من كلمة الدين سابقاً، هي المعرفة الدينية البشرية التي توصل إليها بشر مثلنا عبر تجاربهم الخاصة، وتشكلت نتيجة تفسير وتأويل وشرح لنصوص دينية لا تزال تحظى بقداسة لدى أصحابها.

هذه الشروحات والتفاسير والموروثات الكلامية الدينية الضخمة التي تعددت وتمظهرت في الفقه والشريعة وعلم الكلام والتاريخ وغيرها، أصبحت هي بحد ذاتها –في نصوصها ومقولاتها- مقدسة، بل باتت ديناً لدى الغالبية العظمى من متبعي الدين الإسلامي، تم خزنها وحفظها على شكل قوالب وأنماط محددة ومسيِّرة للوعي الديني العملي على مستوى الفكرة والسلوك.

هذا ما قصدناه من سجالنا النقدي مع كلمة الدين، ولم نقصد من الدين تلك المعرفة الذاتية والتجربة العرفانية الحرة الخالصة والخاصة بكل شخص في طبيعة فهمه ووعيه الذاتي لطبيعة العلاقة والتجربة الروحية الخاصة بينه وبين خالقه.

من هنا نعتقد بأنّ تحديات الحداثة وأسئلة التنوير تفرض علينا -في سياق العمل على تطوير النواظم المعرفية المحددة لمجتمعاتنا- امتلاك أجوبة عملية واضحة ومحددة ومؤطرة ومتفق عليها بين النخب المثقفة والتيارات الفكرية القائمة، بهدف بلورة (وتكوين) وعي علمي ومعرفي، وتوافقات مشتركة بين كل تلك الاتجاهات العاملة على الأرض، لأنّ غياب الإرادة المجتمعية الحرة الجامعة -أو على الأقل إقامتها على القسر، وعدم التوافق بين الجماعات السياسية القائمة- لن تحقق أيّ غايات نبيلة في بناء مجتمعاتنا العربية وتطويرها على أسس ومعايير سياسية وثقافية جديدة قد تمكنّنا من الإجابة العملية على أسئلة العصر، وتغيراته المتواصلة.. وها هي بلداننا العربية التي نجحت فيها ثورات الشباب العربي بدأت تعاني من اهتزازات مجتمعية وسياسية نتيجة غياب التوافق السياسي الصحيح المطلوب للبدء ببناء تلك الدول من جديد على قواعد متينة من المدنية والديمقراطية والحكم التداولي.. فكل تيار انطلق ليشد الحبل نحوه وكأنّه قابض على ناصية الحقيقة لوحده.. وكل حزب يدعي نظافة كفه وسلوكه، وكل تيار يزعم امتلاك الإجابة النهائية الحاسمة على أسئلة الواقع وشؤون المجتمع الصعبة، وهذا كله يؤثر –بلا شك- في عدم بلورة خيارات والتزامات سياسية ومجتمعية واضحة، خاصةً على صعيد عدم تكوين وعي عقلاني مشترك لمفهوم الدين، وقضية إدخاله في الحياة والعصر والحداثة الكونية.

وعلى هذا الصعيد يعاد بين وقت وآخر طرح قضية قبول الإسلام لفكرة العلمانية بوصفها قضية فكرية وسياسية، أو اتجاهًا فلسفيًّا اجتماعيًّا، بما تتضمنه من إعلان نهائي وحاسم لانتصار العقل على الأعراف والتقاليد، واعتبار أنّ مصدر السلطة ونبع القانون ليس شيئاً مجرداً، بل هو كائن هنا في هذا العالم الأرضي النسبي وليس في العوالم الخفية (الدينية وغير الدينية) الأخرى.. وأّن السياسة عموماً التي تعني إدارة الشأن العام، وفصل الخصومات بين الناس بالقانون ومنطق العدل، وبناء المجتمعات على أسس الحرية والمساواة وغيرها من القيم الإنسانية، لا تتقوم بأفكار مسبقة، ولا تنزل ككتلة خرساء وصماء من فوق، بل هي عمل يومي إجرائي علمي وقانوني، وفن إدارة شؤون الناس بنفسها ولنفسها من دون وصاية ولا غطاء فوقي.

الإشكالية تكمن أساساً هنا، في مدى قابلية اجتهاد المفكرين وعلماء الدين الإسلامي[4] في النص التاريخي الثابت، وتحريكهم لمياه مستنقعاتنا الفكرية الراكدة، من خلال عملهم على بناء توافقات معرفية وعملية جديدة غير مسبوقة حتى لو كانت صادمة، لها عمقها المجتمعي، وتنطلق من صميم الدين الإسلامي، تقدم لنا هذا الدين كحالة حضارية إنسانية في الفكر والإحساس والممارسة، غير قابلة للتسييس، رافضة ومانعة لوجود سلطة تدعي لنفسها العصمة والتأييد اللاهوتي، وتصادر على البشر والمجتمع حرياتهم وكراماتهم، وتتحكم في مصائرهم ووجودهم بالرغم من أنّ الخالق نفسه قد منحهم نعمة العقل والتفكير، وأودع فيهم عنصر الإرادة والقرار، وأعطاهم القدرة على تمييز الخطأ عن الصواب.

بهذه المعاني يتحرك هذا الدين في خط مصلحة الإنسان، ويقف في جانب إعطاء الناس خياراتهم العملية الحرة - بما فيهم من آلة تفكير ووعي وعقلنة - لبناء حياتهم وإدارة مختلف شؤونهم وأنظمتهم الوجودية السياسية والاجتماعية وغيرها.

الإسلام بين تراثين.. هل يقبل العلمنة؟:

ينقسم الموروث الديني الإسلامي إلى نوعين من التراث، تراث الشريعة الذاتية كما هي في نصها المقدس الأصلي، وتراث تأويل النص وشرحه، أي الفهم والوعي البشري له.. وهذا عبارة عن معرفة بشرية خالصة، نسبية، شارحة للنص، ومفسرة له، ومتجددة في تقييمها الفكري له، أي هي في سيرورة وتطور على المستوى الزماني والمكاني، بالنظر لتطورات الحياة والعصر وتغيراتهما.

من هنا يأتي اقتناعنا بأنّ الإسلام –الذي أثنى على العقل، ومدح العقلاء، وتحدث عن أهمية الوجود العقلي في آيات قرآنية كثيرة تربو على الخمسين آية، معتبراً العقل قاعدة التجدد والبناء- لا يعيش مشكلة عملية أو أزمة معرفية كبرى تجاه "العلمنة" باعتبارها فكرة سياسية أو حتى اتجاهًا فلسفيًّا حياديًّا تجاه الأديان، لأنّه هو نفسه (أي الإسلام) يتحرك - في خطوطه التاريخية - على منحى العلمانية، من حيث أنّه يؤيد حرية الناس، ولا يضع حداً أمام خيارات البشر، ويرفض احتكار السلطة من قبل أي إنسان أو مجموعة أو فئة تحت أي مسمى كان، ولا يتبنى “التراتبية الاكليروسية” الدينية المعروفة.. ولا يحصر السياسة والحكم في اتجاه أو طبقة محددة.

ولو قمنا بمراجعة سريعة لتاريخنا الثقافي العربي والإسلامي، سنجد أنّه لم تتكرس حالة "طبقية" خاصة برجالات الدين المسلمين، بل كل ما يمكن ملاحظته -على امتداد ساحات هذا التاريخ- هو وجود مشايخ ومفتين وعلماء دين كانوا يفسرون النصوص، ويشرحون الأحاديث، ويقدمون الفتاوى، فيخطئون فيها ويصيبون، ويتصرفون في الواقع من حيث أنّهم أفراد ينتمون إلى دائرة حضارية واحدة، ويندمجون في واقعهم، ولم يقدموا أنفسهم أو لم يُقدموا كفئة صاحبة امتياز "بطركي" خاص، بالرغم من وجود بعض المظاهر الخاصة القليلة لتلك الحالة الدينية الأرثوذكسية المتناثرة في داخل اجتماعنا الديني العربي والإسلامي هنا وهناك، ولكنها بقيت حالات نادرة، غلب عليها الطابع الذاتي لا العام، وهي محصورة كماً ونوعاً.

وعندما يقول بعض المفكرين بأنّ هناك حالات نصوصية "أوامرية" وإلزامات مقدسة (أحكام وقواعد شرعية) تجبر المسلم على تبنيها والخضوع لها، وقد تكون على طرفي نقيض من التزاماته الواقعية (العلمانية) المتجددة الأخرى.. فهذا لا ينتقص من فكرتنا حول مدنية الإسلام وعلمانيته، لأنّ الفرد الملتزم بالدين عندما يتبنى رأياً دينياً معيناً حول أمر حياتي أو ديني محدد، فإنّه يتبناه بإرادته ووعيه واختياره، من دون فرض أو قسر أو إكراه من أحد، حتى من الدين ذاته، خاصة عندما ينتهي هذا التبني الحر -تجريبياً وواقعياً- إلى النجاح المنشود.. وهذا لا يضر أصلاً بالقانون العلماني المفترض أنّه يقود حركية الدولة، وهو يشبه حالة أن تختار أو تتبنى دولة أو أمة ما دستورها الناظم لشؤونها المتنوعة لتعمل بموجبه في الحياة من دون أن يتبنى هذا النص الدستوري إنشاء طبقة تختص بالقداسة تتحصن وراء أو تحت سقف الدستور..

إنّ العلمانية والإسلام يلتقيان في فكرة الحرية والاختيار الفردي الحر، بالرغم من وجود نصوص دينية -غير محكمة- عديدة توحي بعكس ذلك عندما يتم تفسيرها وتأويلها من قبل كثير من علماء الدين المنتفعين والمتكسبين على هذا النحو القدري الجبري، بهدف الإبقاء على حالة "النقاوة والأصالة الدينية" و"صفاء الهوية النقية" المزعومة، والتي لم تجد لها أصداء قوية في الواقع العربي المجتمعي العام.. حيث أنّ العرب والمسلمين مندمجون كلياً في حداثة العصر المادية، ولو من باب تبني حداثة الشكل دون حداثة المفهوم والنسق الثقافي والفلسفي الحضاري الذي أنتجها، فهذا الأخير يحتاج إلى وقت طويل، ودونه مراجعات نقدية وحفريات معرفية عسيرة.. المهم أنّ اجتماعنا الديني بدأ يتغير سياسياً لتبني خيارات سياسية تقوم على فكرة الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وهذا أمر حيوي وتطور نوعي كبير للغاية.. يجب التأسيس الجدي عليه.. ومرده أساساً إلى حالة الانفتاح على تيارات الغرب الثقافية والسياسية المعاصرة، والتفاعل الكبير الذي نجم عن احتكاك كثير من نخب الحالة الإسلامية ومفكريها مع واقع الغرب السياسي والفكري الحديث، ورؤيتهم عن كثب للنجاحات الباهرة التي حققتها تجربة الغرب "العلماني" الأوروبي والأمريكي على صعيد العلم والتجربة والتقنية والتطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مقارنةً بالطبع، مع تأخر مجتمعاتهم، وتخلفها الاجتماعي وارتكاسها الحضاري الكبير.

وعندما نقول بأنّ الدين الإسلام علماني السبيل والتوجه والسلوك، فنحن نستند أساساً على مقولات ونصوص دينية نهائية تعتبر أنّ الحرية هي خيار الناس وحقهم الأساسي في الإيمان والكفر، وهذا الاختيار هو من أهم حالات الاختيار الذاتي الفردي.. والنصوص كثيرة في هذا الاتجاه:

(.. فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)..

(إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء)..

(..إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)..

(الناس أدرى بشؤون دنياهم)..

(متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً..)

(كل نفس بما كسبت رهينة..)

( لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم..).. الخ.

طبعاً تلك النصوص الدينية، وإن كانت تعطينا صورة معينة عن حق الفرد بالحرية والاختيار وهي أساس فكرة المدنية والعلمنة، فإنّها من جهة أخرى، لا تعبّر عن وجود حالة ثقافية ومعرفية تاريخية متجذرة من العلمانية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية بالمعنى الحرفي الاصطلاحي المعروف في الدول التي انبثقت فيها فكرة العلمانية، لأنّ العلمانية حتى تتحقق في أي مجتمع من المجتمعات لابد من أن تتوفر على صفتين، فكرية وعملية، فأما الفكرية منها فهي أن تكون العلمانية تعبيراً عن حالة الاستقلال العقلي والمعرفي "الإبستمولوجي" للعقل الإنساني، كما يقول عادل ضاهر.. بحيث يمتلك العقل الإنساني القدرة العملية على الوصول إلى كل مستويات التحصيل والتحليل والفعاليات الحياتية بصورة مستقلة عن كافة أشكال المرجعيات الوصائية وبالأخص منها سلطة ومرجعية الموروث الديني.

وأما الصفة العملية للعلمانية، فهي أن تكون قانوناً إجرائياً أصيلاً في بنية الدولة يحقق الفصل بين الدين والدولة، أي أنّ الدولة حيادية دينياً، وأيديولوجياً عموماً. فلا هوية دينية أو مذهبية للدولة تتحدث باسمها.. مما يسمح بأن تكون علاقتها بمن ينتمي إليها علاقة دولة مدنية مستقلة بمواطنيها من كل المكونات والمرجعيات والطوائف والأديان.

بالمعنى السابق، الفكري والعملي، لم تتحقق العلمانية في مجتمعاتنا على الصعيد الثقافي والفكري، لأنّ الدين الإسلامي كان حاضراً بقوة في كل نشاطات الدولة العربية وفعالياتها وسلوكياتها، أي أنّ الدولة لم تكن مستقلة عن الإسلام في كل تاريخها.

أما ما تحقق من فكرة العلمانية بالبعد العملي في مجالنا الديني العربي والإسلامي فقد جاء من خلال الدعوة الفقهية الإسلامية التقليدية التي ظهرت أيام الأمويين، لما يسمى بـــــ"ولاية المتغلب" (والملك العضوض)[5]، والتي تقوم على قاعدة تأييد "الإمام" أو "الأمير" المنتصر على الآخر بقطع النظر عن الحق والباطل، والحلال والحرام الديني، درءًا للفتنة ومنعاً لشيوع الفوضى في الدولة. هذا السلوك دنيوي إجرائي وهو حالة توظيف للدين في الدنيا.

في هذا الإطار السياسي الذي يستند أساساً إلى فصل الديني عن السياسي، أخذت معالم أخرى للفصل تبرز في شكل طبيعي كما يقول خال الدخيّل.. فالجماعات الدينية، وعمليات تشكل المذاهب، وتدوين الحديث، وتدوين الفقه وأصوله وتقعيدها، وتفسير القرآن، كانت تتم خارج الإطار الرسمي للدولة، ومن دون علاقة بها. هناك مؤشرات إلى أنّه تم توظيف رواية الحديث لمصلحة هذه الدولة، أو ضداً لمصلحة تلك، وهي مؤشرات تحفل بها المصادر، لكن هذه تتم عادة من منطلقات ولأهداف سياسية.

إنّ قيمة تطبيق العلمانية وأهميتها في مجتمعاتنا حالياً لا تنبع من كونها مورست أو لم تمارس تاريخنا الديني، مع أهمية "تبيئة" هذا المفهوم ثقافياً عندنا، وتقريبها إلى أذهان العامة التي تنفر وتشمئز حتى الآن من هذا المفهوم السياسي والفكري الحديث، وذلك بهدف إيجاد حاضنة شعبية ومقبولية مجتمعية عامة له.. بل أهميتها تنبع من ضرورة معرفة الناس والجمهور العام (المولع بالقداسة) أنّ سلوك (وأفعال) رموز التاريخ الديني وزعاماته "المقدسين" عند هذا الجمهور العام، كانوا خاضعين للبعد الدنيوي الإجرائي، وليس للمعايير والأسس الدينية القدسية، مع ادعائهم عكس ذلك.. ولم يكن الدين -في ذلك كله- سوى غطاء للتبرير والتسويغ الفقهي فقط.. لأعمال دنيوية بحتة كان كثير من رموز التدين ودعاته يمارسونها بصورة أقذع وأفظع من ممارسة الناس العاديين لها.

وهذا المقال ليس إلا محاولة بسيطة لاستعادة هذه الفكرة القائمة على الحرية والاختيار إلى المجال الثقافي العربي والإسلامي.

من هنا اعتقادنا بأنّ بواعث النهضة العربية والإسلامية ومنطلقاتها الأساسية المطلوبة على مستوى الذات والموضوع، لن تشتعل من جديد إلا بإعادة الاعتبار لسؤال الحرية ذاتها وفكرتها وقيمتها باعتبارها قيمة القيم الدينية.. وإذا ما حدث هذا النهوض من دون فكرة الحرية وقيمتها -وهو لن يحدث- فلن يتعدى حدود إثارة الصراعات والتدافعات، وإيقاظ الهويات القاتلة النائمة المغلقة قومياً وعرقياً ودينياً كما يجري حالياً في غير بلد عربي وإسلامي، لا تزال أنهار الدماء والدموع جارية من كل حدب وصوب فيها.


[1] يختلف العلماء والمؤرخون حول بداية عصر التنوير، حيث يعتبر بعضهم أنّ بداية عصر التنوير كانت من منتصف القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر، وإذا ما عدنا إلى العقد السادس عشر، فسوف نرجع عصر التنوير إلى أصوله في أسلوب الخطاب لديكارت، الذي نشر في 1637م.. وهناك من يعتبر أنّ عصر التنوير بدأ مع الثورة المجيدة في بريطانيا عام 1688م، أو مع نشر نيوتن مبادئ الرياضيات، والذي ظهر أول مرة في العام 1987م. وبالنسبة إلى نهاية عصر التنوير، اعتبر بعض العلماء أنّ الثورة الفرنسية عام 1789 أو بداية الحروب النابوليونية (1804 حتى 1815)م، هي التوقيت المناسب لنهاية عصر التنوير. (راجع: الموسوعة العربية/عصر التنوير، د.حنان قصاب حسن، ود. نبيل الحفار.. دمشق، 2007م).. (راجع أيضاً:

Broadie, Alexander, ed. The Scottish Enlightenment: An Anthology (2001) excerpt and text search.)

[2] هؤلاء هم بعض أهم رواد النهضة والتنوير العربي في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.. وقد ساهم هؤلاء –كل بحسب موقعه واختصاصه- في تقديم عطاءات فكرية ونتاجات معرفية وإبداعات علمية ساهمت بفعالية في تحريك مياه بحيراتنا العربية التاريخية الراكدة والساكنة منذ عصور طويلة (راجع: المشروع النهضوي العربي.. مراجعة نقدية. د. محمد عابد الجابري، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، طبعة أولى، عام 1996م)، (راجع أيضاً: الاتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة 1798 - 1914، علي المحافظة، بيروت، دار الأهلية للنشر والتوزيع، طبعة خامسة، عام 1987م).

[3] تعد الحضارة الغربية، حضارة العقل بامتياز، ولم يحجز العقل لنفسه تلك المكانة الجديدة إلا بعد صراعات عنيفة طويلة خاضتها مجتمعات الغرب، وعلى رأسها رواد العقلانية الوضعية الغربية ضد تقاليد البطركية الكنسية التقليدية المتزمتة وخرافاتها، حيث نجحوا في إبعاد الدين والتفكير الديني القروسطي الذي حكم أوروبا والغرب عموماً قروناً عديدة، عن ساحة الفعل والتأثير في الحياة العمومية، وبات العقل هو إله الغرب الجديد.

[4] لا شك بوجود كثير من علماء الإسلام ومفكريه ونخبه المصلحين والمجددين والمنفتحين، ممن كانت لهم أياد بيضاء فكرياً وحضارياً على صعيد الإسلام وقضايا العصر، ومسائل النقد والتجديد الديني، ومحاولة إدخال الإسلام وتكييفه ومؤامته في العصر.. ولكنها بقيت حالات ومحاولات تجديدية فردية خاصة لم تتحول إلى مشاريع وحالات مؤسسية عامة قادرة على إحداث التغييرات النوعية المطلوبة من زاوية الفعل والتأثير في عموم مجتمعاتنا وأمتنا... بل بقيت تقاليد مجتمعاتنا العربية والإسلامية وعاداتها وأعرافها الموروثة من عصور التخلف أرسخ وأقوى من انفتاح هؤلاء العلماء وتجديدهم واجتهادهم، ومن هؤلاء نذكر هنا مثالاً لا حصراً: محمد عبده، محمد الغزالي، الطاهر بن عاشور، مالك بن نبي، طه عبد الرحمن، مرتضى مطهري، محمد باقر الصدر، محمد حسين فضل الله، محمد مهدي شمس الدين، عبد الجبار الرفاعي، عبد الكريم سروش... وغيرهم كثير...

[5] كان معاوية بن أبي سفيان مؤسس هذا النهج السياسي التغلبي القهري العنيف ورائده في مجالنا السياسي والتاريخي العربي والإسلامي، والذي لا يزال مستحكماً بآليات الحكم والسياسة العربية حتى اليوم.. وتذكر مصادر التاريخ المعروفة أنّ معاوية عندما دخل الكوفة، خطب بالناس هناك معبراً بكلمات مختصرة ومقتضبة عن حقيقة الملك العضوض، ومفصحاً عن حقيقة نواياه تجاه الخلافة والحكم.. قال: "إنّي والله ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا، وإنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون". وبشأن ما صالح عليه الإمام الحسن بن علي، قال: "ألا وإن كل شيء أعطيته الحسن فتحت قدمي هاتين". (راجع: البداية والنهاية، للمؤرخ: أبو الفداء إسماعيل ابن كثير، دار ابن كثير/دمشق، عام 1998م+ كتاب: مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني، مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر-قم، إيران، عام 1965م).