هل في التاريخ حقيقة موضوعية؟

فئة :  مقالات

هل في التاريخ حقيقة موضوعية؟

صرّح تولستوي ذات مرّة: "أنّ موضوع التاريخ ليس ما يريده الإنسان، بل تصوّرنا لما يريد"، وهذا يلتقي مع حكم قديم يقول: "على الإنسان أن يفسّر التاريخ ويرفضه". يشير قول الروائي الروسي، في علاقته بالتاريخ، إلى الفكر الرَغَبي، الذي يُسقط أهواءه على ما كان وما سيكون، وعلى طموحات لا تأتلف مع الوقائع الموضوعية، وربما يومئ إلى تجربته في عمله الكبير: "الحرب والسلام" الذي قرأ فيه روائياً زحف نابليون على روسيا وارتداده خائباً. ويستحضر القول الثاني رغبات الإنسان وشكوكه، ويعترف أنّ للتاريخ حركة مستقلة به، لا تمتثل إلى الإرادة البشرية.

تتداخل في موضوع التاريخ مفردات متعددة، تتقارب وتتباعد، دون أن تشكل وحدة متجانسة؛ فالتاريخ لا يساوي الماضي، وإن كان للماضي علاقة به، ذلك أنّ الماضي وحدة زمنية منقضية، يتلوها حاضر لا يمكن التقاط معناه إلا بعد رحيله. وإذا كان في الحاضر ما يربك معناه بسبب نقصه، فهو تجربة لم تنته، فإنّ الارتباك في علاقته بالماضي، يصبح أكثر اتساعاً: فلا أحد من الحاضر عاين الماضي، ولا أحد اختبر الماضي وأعطى فيه حكماً يتفق عليه الجميع. تبقى علاقة الأحياء بالأموات التي تنطوي على التذكّر والتعلّم والوفاء أحياناً دون أن تقيم حواراً فعلياً بين الطرفين، بل إنّ هذا الحوار لا يستوي، حتى في حال قيامه، بسبب اختلاف المعرفة والمقاصد أو اختلاف التجارب بشكل أدق. فما أنجزه القدماء انصاع إلى احتياجاتهم، وما يستلهمه الأحياء من الأموات يلبّي احتياجاتهم أيضاً. ومع أنّ دارسي المجتمعات المختلفة يقولون بالزمن التتابعي، إذ كلّ زمن يستأنف ما قبله ويمهّد لزمن يعقبه، فإنّ هذا المنظور يُشتق غالباً من التصورات الذاتية، لا من الوقائع التي دارت ذات مرة في شروط مشخّصة. ولعلّ التمييز بين القائم والصورة الذهنية عنه، هو ما عبّر عنه جمال الدين الأفغاني، حين قال: "إنّ صورة الإسلام من صورة المنتمين إليه"، مؤكداً أولوية المعيش على التصورات المرتبطة به، وأنه كان للمسلمين في أطوارهم المختلفة أحوال مختلفة، كتب عنها المؤرخون بعد انقضائها من وجهات نظر متباينة.

يقود قول الأفغاني إلى مقولة: "التراث" التي تختلط، بأشكال لا متكافئة، بمقولتي: الماضي والتاريخ؛ ذلك أنّ التراث الذي يحيل على الماضي لا وجود له إلا في تحوّلاته التاريخية، كما يجلوها الحاضر؛ فهو ساكن المعنى وثابت الدلالة في الوعي السكوني وأقرب إلى الاختراع، وهو متحوّل متبدّل حين يدرج في الحاضر ويتفاعل مع أسئلته، مبتعداً عن دلالته السابقة. ومن هنا جاءت مقولة: ترهين الموروث، التي تقرأ التراث كعلاقة من الحاضر، وكعنصر من العناصر التي تصوغه، بل إنّ في هذه الدعوة ما يسمح بالتفريق بين التراث، من حيث هو، والموروث الصادر عنه، إذ التراث هو المعطى الثقافي الذي تركه الماضي "لنا"، وإذ الموروث هو التراث في اندراجه في الحاضر وتفاعله معه.

يسمح الالتباس الذي يحايث النظر إلى الماضي بتعريف محدّد، ولو نسبياً، للتاريخ، حيث يمكن القول: التاريخ هو ما انتهى إلى الحاضر وأعطاه صورته، وهو المستقبل الذي يولد من إمكانات الحاضر المعيش. يصبح الحاضر، في هذه الحدود، هو الزمن الوحيد المعترف به، تمكن ملامسته وتقويمه والحكم عليه، بعيداً عن ماضٍ كانت له أحواله المتباعدة، وبعيداً عن مستقبل لم يأتِ بعد.

1- أسئلة حول المفاهيم:

ينطوي الموضوع في علاقتيه على ما يثير الارتباك، ذلك أنّ فيهما مجالاً لاختلاف وجهات النظر؛ فقد رأى البعض في التاريخ علماً له قواعده وقوانينه، دفع بمفكرين متنوّرين متفائلين إلى الحديث عن "صناعة التاريخ"، بما يضمن للإنسان الوصول إلى المجتمع الذي يريد. وعلى خلاف هذا المنظور الذي تتراءى فيه ملامح ماركسية ـ هيجيلية، وليس بعيداً عمّا يدعى "بعد الحداثة"، اعتبر آخرون أنّ التاريخ لا يراهن عليه، وأنه أقرب إلى الحكايات، وأنّ له سردية خاصة به، تقصّر المسافة بين النص التاريخي والنص الروائي، ينوس بين الموقفين ثالث، نسب ذاته إلى تصوّر "مادي"، يقول بأن التاريخ يتقدّم إلى الجهة التي يريد، وأنّ الحديث عن "صناعة التاريخ" مزيج من الأحلام والأوهام.

وقد يعود البعض مباشرة إلى كلمة التاريخ، وهي يونانية الأصل، بالمعنى الذي قصده هيرودت (القرن الخامس قبل الميلاد)، إذ التاريخ استقصاء لواقعة إنسانية، يبحث عن الأسباب والآثار، ويأخذ بمبدأ: العلة والمعلول. كان في تصور المؤرخ اليوناني ما مايز بين "أساطير الآلهة"، وتاريخ الإنسان، معتبراً أنّ الأساطير حقيقة ثابتة مكتفية بذاتها، وأنّ التاريخ الإنساني متحوّل ومتعدّد المراجع، يقرأ الفروق بين الأزمنة المتبدّلة. ومع أنّ في هذا التمييز ما يحرّر النظر من الثوابت المقدّسة، وما يلتحق بأوضاع إنسانية، فإنّ مفهوم التقصي التاريخي لا يقدّم إجابة ناجزة، ذلك أنّ هناك فرقاً بين "التقصّي" الذي يبدو منهجاً "علمياً"، والمؤرخ "المتقصي" الذي يذهب إلى مراجعه حاملاً معه إيديولوجيا محددة وأفكاراً مسبّقة، تملي عليه السؤال الإجابة. ولن يختلف الأمر إذا استعضنا عن "التقصي" بالوثيقة التاريخية التي أشار إليها عبد الله العروي، لأنّ معنى الوثيقة من نظر المؤرخ الذي يتعامل معها.

في الحالات جميعاً، يبدو أنّ "علم التاريخ" الذي ازدهر في القرن الثامن عشر، لم يستطع أن يكون علماً بالمعنى الدقيق؛ فقد وُلد في الحاضنة التنويرية التي اعتقدت أنّ النظر التاريخي تحرّر من المعطيات الأسطورية، والأحكام الدينية والأحكام الذاتية. ولعلّ هذا التصور هو الذي دفع طه حسين في كتابه "في الأدب الجاهلي"، إلى إدراج تاريخ الأدب في حقل العلوم الدقيقة، حاله حال الفيزياء وعلم الأحياء، وهو الذي دعاه إلى الأخذ بمنهج الشكّ الديكارتي، الذي افترض عقلاً موضوعياً، يبدأ وينتهي بلا أوهام أو قياسات خاطئة.

لن يختلف الأمر عند الانتقال من مفهوم التاريخ إلى مفهوم: "الحقيقة"، ذلك أنّ العقل الإنساني، وكما أظهرت التجربة، يأتلف مع النسبي لا الكلي ومع المتعدد أكثر من الأحادي، ومع الاختباري لا المعطى الجاهز بشكل نهائي. ولهذا بدا المتعدد الذي عالجه الأدب والفلسفة آية على اللا يقين وعلى اختلاف المقدمات والنتائج. تجدر الإشارة في هذا المجال إلى الفرق بين التصوّر الصادر عن "تحزّب فكري" مسبق (العقائد الايديولوجية)، وعن ذاك الصادر عن اختلاف الوسائل والمقاربات، فالأول ينزع إلى الثبات ولا سبيل إلى تعديله، بينما الثاني قابل للتغيير والمراجعة والتصحيح الذاتي.

يبدو التاريخ لدى المدافعين عنه علماً مبرّأ من الأهواء والخطأ، له أسانيده ووثائقه، إن لم يبدُ علماً له هيبة وجلال، كما أشار محمد المويلحي صاحب "حديث عيسى بن هشام". غير أنّ الواقع التاريخي يقول بغير ذلك، فالتاريخ يكتبه المنتصرون، والمنتصر يصوغ التاريخ الذي يشاء، يصوغ تاريخ المهزوم أيضاً. ولهذا فليس صائباً قراءة التاريخ الأموي في الكتابات العباسية فقط، فقد أسقط العباسيون الحكم الأموي وعاملوه بقسوة عاتية. وليس معقولاً أن يقرأ تاريخ العرب في فلسطين في كتب المؤرخين الصهاينة. وسواء ازدهر علم التاريخ في القرن الثامن عشر، كما يؤكد قسطنطين زريق، أم ظل مزيجاً من الوثائق والأساطير، فمن المحقق أن قراءة التاريخ محصلة لجملة من الافتراضات التي تحتمل التكامل والتنافي المتبادل في آن. فعلى خلاف علم الفيزياء الذي لا مكان فيه للخيارات الإيديولوجية، والذي يبدأ وينتهي بمعطيات التجربة، فإنّ علم التاريخ الذي لا يمكن أن يكون علماً، عرضة للأهواء والنوازع والمشارب. ولم يكن إدواردو غاليانو مخطئاً حين كتب بمناسبة مرور خمس مائة عام على اكتشاف أمريكا، دراسة عنوانها: "أمريكا التي لم تكتشف بعد"، نقض فيها "الأساطير البيضاء" التي اخترعت أمريكا اختراعاً كي تسوّغ وسائل وأهداف "اكتشافها". وقد يقال مباشرة: إنّ هناك فرقاً بين التاريخ العلمي الذي يقبل بالوثائق والبراهين، والتاريخ الإيديولوجي الذي يلبّي الأهواء. غير أنّ مفهوم "ميزان القوى" القائم أبداً بين مجتمعات مختلفة، لن يستفيد كثيراً من هذا التفريق. ولعل العودة إلى شخصية الرسول العربي في الدراسات الغربية القديمة والحديثة معاً يكشف عن وجهات نظر متعددة ومتنوعة، تحتمل من الصحيح قليلاً ولا تقول بالحقيقة إلا في حالات قليلة.

2- التاريخ والحقيقة في مجال محدّد:

حين كتب المؤرخون المسلمون عن "الفتنة الكبرى" التي ذهب ضحيتها الخليفة الثالث عثمان بن عفان، سردوا روايات متعارضة، بعضها يرى في عثمان ـ رضي الله عنه ـ وهو الذي لقب بـ "ذي النورين" امتداداً لأبي بكر وعمر، وبعض آخر يقطع بينه وبين الطرفين الذين سبقاه. ويصبح الأمر أكثر إشكالاً وارتباكاً حين تكون المسافة الزمنية بين الكتابة التاريخية وحياة الخليفة محدودة، إذ القول ببعد الزمن لا معنى له، وحين يكون هؤلاء المؤرخون قائمين في حيّز زمني متقارب. وبداهة فإنّ كتاباتهم لم تكن تنطلق بشكل عام من حياة الخليفة الثالث، بل من مواقف مسبقة، تميل إليه بقدر، أو لا تميل إليه على الإطلاق.

فقد كتب الطبري، العالم المدقق والمتفق على علمه، عن "الفتنة الكبرى"، وعمل على تحليل أسبابها وآثارها، محاولاً أن يكون نزيهاً بعيداً عن التعصب. ولذلك توقف أمام المخالفات المالية المنسوبة إلى عثمان، وما قيل عن تصرفه بأموال المسلمين، بلا رويّة ولا حكمة وصولاً إلى تعيين الولاة، كما تمليها صلات القربى.... بيد أنّ الطبري لا يسوق الروايات التي تتهم عثمان إلا ليعود وينفيها، يفسرّها ويفنّدها ويردّ عليها، ملتمساً الأعذار والمبررات، ومفتشاً عما يقوّض الاتهام ويبطله. فالخليفة الثالث في رأي الطبري كان يقدّم قروضاً تستعاد إلى خزينة المسلمين. أمّا الهدايا والهبات فكان يقدّمها من ماله الخاص، وهو الذي عُرف بثرائه قبل أن يدخل في الإسلام، إضافة إلى طبع تميّز بالجود والكرم. ولم يكن توزيعه للأموال على المسلمين مغايراً لما فعله السابقون عليه، محاذراً أن يرتكب معصية أو أن يخرج على تعاليم الدين. وإذا كان هناك من خطأ، فإنه لم يكن مقصوداً، وإنما جاءت به الأحوال المستجدة، خاصة أنّ عثمان كان خليفة في زمن تدفق الأموال على المسلمين والخلافة، وفي زمن توسّع الديار الإسلامية بشكل غير مسبوق.

أنجز الطبري، العالم الجليل الذي توفي عام 310هـ، كتابة تصف وتحلل وتأخذ موقفاً، تفصل بين النقد والاتهام وبين النقد والتعصب، وتصل إلى حكم أخير، لا يفصل بين المعرفة والإيمان؛ فقد ألزم الطبري نفسه بتبرير سياسات عثمان، وتهميش النقد الموجّه إليه، حرصاً منه على صورة الخلفاء الراشدين، وإيماناً منه بفضائل العهد الراشدي الذي شكل للمسلمين مرجعاً لا يمكن المساس به. انتهى المؤرخ إلى "معرفة إيمانية"، تضع الإيمان في خدمة المعرفة، وتضع المعرفة الإيمانية في خدمة المسلمين.

إلى جانب الطبري، كان هناك مؤرخ آخر: اليعقوبي، المتوفى عام 292 هـ؛ أي قبل وفاة المؤرخ الأول بأقل من عشرين عاماً. واليعقوبي عالم ضليع في علمه، كما يقول القدماء، لُقّب بالكاتب والإخباري، لانصرافه إلى التدوين والكتابة واقتفاء الأخبار. ولد في بغداد وطلب العلم في خراسان، وجمع معلوماته من مصادر متعددة. تولت عائلته مناصب مرموقة في الدولة العباسية وظفر هو ببعض المناصب الحكومية. صنّف سبعة كتب منها: "التاريخ والبلدان" و"أسماء الأمم السالفة"، واتخذ من تعاقب الدول وعهود الحكام منهجاً، ميّز "تاريخه التعاقبي" من غيره. استعرض الفتنة الكبرى بشكل مرسل لا إسناد فيه؛ فالروايات كانت قد استقرت قبله، وذلك بأسلوب يتصف بالتركيز والاختصار. وإذا كان الطبري اعترف بأخطاء عثمان كي يدحضها، فقد رصد اليعقوبي الأخطاء وندّد بها، لأنها مخالفة بيّنة لسنة الرسول وسنة الخلفاء من بعده، وخروجاً على ما أمر به الله. فالخليفة القتيل أسرف في البذخ والتبذير وراكم الأموال وخصّ أقاربه وأصحابه ومنع الكرم عن غيرهم، بل إنّ المؤرخ أوغل في إظهار نقائص عثمان، ساعياً إلى إدانته، كما فعل في كتابه "مشاكلة الناس لأزمانهم"، حين جعل منه خارجاً على التعاليم الدينية، و"حريصاً على الخروج عن سنة الرسول وسيرة أبي بكر وعمر".

حاكم اليعقوبي، وليس بعيداً عن منظور الطبري، عثمان مؤرخاً، فرصد أخطاءه في لائحة اتهام مفصّلة، وحاكمه "متشيّعاً"، وهو يعارض إسرافه بزهد علي بن أبي طالب وعفته. كما لو كان قد استولد نقائص عثمان المفترضة من فضائل علي، أوّل من أسلم من الرجال و "أكثر شخصيات الصحابة دفاعاً عن الإسلام، جمع القرآن واعترف بفضل الله والملائكة". فرض التشيع على المؤرخ تجاهل انتقادات عمر بن الخطاب لعلي، مؤمناً بأنه شخصية صحابية لا نقص فيها، قادرة على حمل المسلمين على "مرّ الحق" وسلوك الصراط المستقيم.

السارد الثالث كتاب لمؤلف مجهول (توفي في أواسط القرن الثالث الهجري)، عنوانه: "الإمامة والسياسة"، يُنسب خطأ إلى ابن قتيبة الدينوري المتوفى عام 276 هـ. يتميّز الكتاب، كما يقول المؤرخون، بالتساهل في الأسانيد والتركيز على الإسناد الجمعي، والوشاية بعلم غزير طلبه صاحبه في المدينة ومصر والمغرب، وبمنهج واضح ينصرف إلى مؤسسة الخلافة لا غيرها، ويرى الصراع حولها صراعاً شخصياً غير ديني. قاده منهجه إلى إغفال الجوانب الاقتصادية والإدارية والثقافية، وإلى سرد وقائع "الفتنة الكبرى" بحياد ملتبس، يساوي بين شخصيات متوازية تتصف جميعاً بالخير والطيبة، فهو مدافع عن خلافة عثمان الدفاع كله، فهي شرعية ولا زوغ فيها، وتبذير الخليفة، إن كان هناك من تبذير، أثر موضوعي ومنطقي للأموال المتدفقة، ولا ضرورة للإشارة إلى حكايات تشكك بورع عثمان واستقامته، وإذا كان من يستحق اللوم فهي الأطراف التي تحيط بالخليفة وتستغل طيبته وكرمه، وهو مدافع أيضاً عن علي وأولاده، يختار من الروايات ما يؤكد حكمة علي، التي لا تغايرها حكمة الخليفة القتيل في شيء، بل إنّ حِرص صاحب "الإمامة والسياسة" على الدفاع عن مؤسسة الخلافة، قاده إلى تأييد الأمويين والشيعة والعباسيين، باستثناء حقبة عباسية متأخرة. ولهذا يبدو كتاب "الإمامة والسياسة" مزيجاً من الأدب والورع والتاريخ، اصطفى صاحبه روايات معينة وأغفل أخرى، معتقداً أنّ واجبه الدفاع عن الخلافة الإسلامية، دون التوقف أمام صفات الخليفة، وأنّ عليه الرد على منتقديها، حتى لو جاء النقد من نفر من الصحابة.

يقدّم كتاب "الإمامة والسياسة"، في شهرته الواسعة، نموذجاً تقليدياً في الكتابة التاريخية، عنصره الأول إيمانية صرفة تساوي ضمناً بين نقد مؤسسة الخلافة والهرطقة، وعنصره الثاني بيان جميل، ذلك أنّ الكتاب "قطعة أدبية" متكاملة، ذات لغة متينة خالية من اللحن، تنمّ عن إحساس أدبي واضح"، تشير إلى أديب أو إلى إنسان مشغول بوحدة الدين والأدب، إذ يمدّ الأدب الدين بوسيلة تجلو معناه، ويعطي الدين الأدب مادة تبرّر وجوده. والسؤال المفقود هو التالي: ما معنى حياد المؤرخ، إن كان الصراع على الخلافة صراعاً شخصياً غير ديني، كما يذهب الكتاب؟ الجواب قائم في معنى الخلافة لا في سير الخلفاء، حيث الخلافة تقدّس الخليفة، تنزّهه عن النقص وتضعه فوق النقد، وتسمو به فوق المحاكمة. وهذا ما يجعل دراسة سير الخلفاء أمراً نافلاً أو سرداً أدبياً لفضائلهم الأكيدة.

يتمتع المؤرخون الثلاثة بالمعرفة والورع والبحث عن الحقيقة. مع ذلك فإنّ كتاباتهم تطرح قضية "المعرفة الإيمانية"، بلغة معينة، أو "شخصنة العقيدة" بلغة أخرى، التي تجعل المؤرخ يساوي بين الخليفة والحقيقة الدينية، أو تلزمه، وهو حال اليعقوبي، بأن ينقض شخصاً أقل تديناً بآخر أكثر تديّناً وزهداً وتقوى. يحتلّ الأشخاص مواقع المفاهيم، ويتحولون إلى إشارات دينية مكتفية بذاتها، تعوّق البحث الموضوعي وتضيّق عليه. ينطوي الإشكال كله على سلطة الولاء والتحزّب، كأن يتحزّب الطبري، كما صاحب "الإمامة والسياسة" للخليفة عثمان، إيماناً منهما بالخلافة رمزاً وموضوعاً، أو أن يتشيّع اليعقوبي لعلي بن أبي طالب وللسلطة العباسية معاً.

3- الماضي في الحاضر:

هل هناك من انقطاع بين الحاضر والماضي؟ وفي أية شروط يتوحّدان ويكوّنان تاريخاً واحداً، على اعتبار أنّ الزمن التاريخي يتجسّد في حركة دائبة منتجة تنكر الركود الذي يعود إلى "أصل قديم" ويستولد منه أصولاً متعددة؟

تأتي الإجابة على السؤال الأول قائلة بالإثبات، بمعنى محدد؛ فهناك انقطاع بين الزمنين لا يمكن إنكاره، وإلا لبقيت "روما القديمة" قائمة حتى اليوم، ولظل "السلام الروماني" هو شكل السلام الوحيد، وهو ما لا يقول به الواقع اليوم. وعلى خلاف انقطاع الأزمنة الاجتماعية الذي جعل من حضارة العرب في الأندلس حكاية بعيدة، يتكشّف توالد الأزمنة واضحاً في العلوم الفيزيائية. فقد حاورت الرياضيات الحديثة علوم الرياضيات عند اليونان وتجاوزتها، وتعلّم أينشتاين من فيزياء نيوتن وجاء بنظريته النسبية، بينما ترك العرب تراثهم، ولم يؤسسوا عليه تراثاً جديداً. ومع أنّ "الكثيرين" يقولون بالعودة إلى الأصول، فإنّ القول لا معنى له إلا بشرطين: معرفة الأصل في سياقه التاريخي، وتحويله إلى تجربة جديدة تعيد إنتاجه في سياق مغاير، يعي الأزمنة البشرية في احتياجاتها المجتمعية، ويعترف بتجدّد الحاجات والمعارف، ويعترف أنّ معارف "المحدثين" تتجاوز معارف القدماء، كما كان يقول طه حسين، في مدخل كتابه "في الشعر الجاهلي"، بيد أنّ تطوير القديم، على ضوء احتياجات الحاضر، لا يستقيم من دون وعي تاريخي، يقارن بين ما كان وما استجد، وينطلق من الحاجات المشخصة لا الأفكار المجردة. ولهذا فإنّ مقولات الماضي والتاريخ والتراث والأصل تستقي دلالتها النظرية ـ العملية من شكل الوعي التاريخي الذي يتعامل معها. فصورة التراث ترتقي بارتقاء الوعي الذي ينظر إليه، ومفهوم التاريخ يتبدّل بالتراكم المعرفي ـ العملي المتوجه إليه. وما يدعى بـ: "الحقيقة" مجرد افتراض يظلّ مشدوداً إلى حقيقة نسبية بعيدة البعد كله عن "الحقيقة المطلقة". فهذه الأخيرة شأن من شؤون الإيمان الديني الذي له معايير وتعاليم وأسس خاصة به، وله مراجعه السماوية أيضاً. والتاريخ من حيث هو "علم"، كما يقال، له حقله الخاص الذي يختصم فيه البشر، هذا إلا في حالات "الوعي الإيماني" الذي يقبل بالكلام ولا يرضى بالاختبار.

إضافة إلى تنوّع المصطلحات والتباسها، في علاقتها بكلمتي: التاريخ والحقيقة، فإنّ للتاريخ مستوياته، بقدر ما أنّ له "حقائق" مرتبطة بهذه المستويات. فتاريخ المجتمع، أياً كان شكله ومضمونه، ينطوي على: تاريخ اقتصادي، وآخر سياسي، وثالث ثقافي، ورابع لغوي،... ولكلّ من هذه المستويات التي لا تكون عموماً متطابقة، حقائق لصيقة بها تتكشّف في شروط عديدة، تحتمل افتراضات ناقصة أو مجزوءة، أو حقائق تبطنها الأوهام.

اختصر عبد الله العروي أسئلة كثيرة حين قال، أو اقتبس من غيره، جملة قصيرة: "التاريخ هو تقدّم القيم"، والجملة صحيحة وتطرح مباشرة سؤالاً شائكاً: ما هي جملة التحولات الاجتماعية التي تفضي إلى تقدّم القيم؟ وما هي مركبات وعناصر هذه القيم، وما أشكال التضافر بين الأخلاقي والعملي، وبين الاقتصادي والديني؟ يعود الأمر في النهاية إلى ذاك التمييز بين "العلوم الاجتماعية" "المجزوءة الحقيقة"، و"العلوم الدقيقة" القائمة على الاختبار والقياس والتجريب، الأمر الذي يستدعي "تاريخ المجتمع الصناعي" و"تاريخ المجتمعات غير المتطورة"، وهو موضوع آخر.

"الحاضر هو ما انتهى إليه الماضي، وهو ما ينطلق منه المستقبل". والسؤال هو هل قراءة الحاضر تشرح ما سبقه أم أنّ ما سبق الحاضر هو الذي يشرح الحاضر؟ وشبه الإجابة النهائية، يقول: يتقدم التاريخ إلى حيث يشاء، ويتراجع إلى حيث يشاء، تاركاً في مساره نقاطاً عميقة تصعب إضاءتها بشكل نهائي. وحال الحقيقة من حال التاريخ أيضاً، فهي تارة كلمة مضيئة ونافعة، وهي في أحيان أخرى كلمة لا تقول شيئاً. ذلك أنّ دور الكلمات حجب المعنى، كما يقال.

إشارات

1.عدنان محمد ملحم: المؤرخون العرب والفتنة الكبرى، دار الطليعة، بيروت، 1998

2.يوليوس فلهوزن: تاريخ الدولة العربية، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1968 (الفصل الأول والثاني).

3.طه حسين: الفتنة الكبرى (الفصل الخاص بالخليفة عثمان)، دار المعارف بمصر، الطبعة التاسعة، 1976

4.الإمام محمد عبده: الإسلام بين العلم والمدينة، دار المدى، دمشق، 2002

5.قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، دار العلم للملايين، بيروت، 1981

6.محمد المويلحي: حديث عيسى بن هشام، دار التراث، بيروت، 1969

7.عبد الله العروي: ثقافتنا في ضوء التاريخ، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1992

8.E.Galeano: L'Amérique, La découverte qui n'a pas encore eu lieu, messidor, Paris 1991