هل يجوز الحديث عن إعلام عربي؟

فئة :  مقالات

هل يجوز الحديث عن إعلام عربي؟

يجوز الحديث عن وجود إعلام عربي، إذا لم يكن بالتجاوز الخالص؛ فاحتكامًا إلى ثلاثة معطيات أساسية، من غير الموضوعي إغفالها أو القفز عنها، وهي: الأول: يتعلق باللغة، إذ الإعلام العربي؛ صحافة وإذاعة وتلفزيون ومحطات فضائية ومنابر إلكترونية وغيرها، إنما هو إعلام ينطق العربية في مجمله، لا يحيد عنها كثيرًا، اللهم إلا بإعمال بعض اللهجات القطرية التي أضحت مفهومة ومتداولة، ولا عسر في التعامل معها أو بها من لدن عامة الجماهير العربية. أما الثاني، فيرتبط بكون الإعلام إياه، إنما هو موجه شكلاً ومضمونًا لدول وشعوب قوميتها عربية بالأساس، سواء أكانت قاطنة في الدول العربية، أم مهاجرة في داخل بعض من هذه الأخيرة، أم متواجدة في الغرب. ويتعلق المعطى الثالث بمادة الإعلام ذاته ومضامينه، إذ يشتغل في قلبه كما في قالبه وبكل حوامله، على القضايا العربية، بصرف النظر عن محتوى هذه الأخيرة، وطبيعتها، والشكل الذي تقدم به نصًا أو صورة أو صوتًا.

يجوز إذن، الحديث عن إعلام عربي اعتمادًا على هذه المعطيات، أو على خلفية من استحضارها، لكنه يتعذر أيما يكن التعذر حينما نعتمد، في مقاربتنا للإعلام العربي، زاوية ورؤية منظومية شاملة، تتغيا مساءلة الإشكالية في مختلف خلفياتها وأبعادها. وعلى هذا الأساس، يبدو لنا حقًا أن ما اصطلح على تسميته بالإعلام العربي هو كذلك في مطلقه وجوهره. وقولنا بهذا، إنما يرتكز على ثلاثة اعتبارات كبرى: أما ذاته لا يخضع لرؤية موحدة، ولا يرتكز على استراتيجية قومية، لا تندغم بصلبها الاستراتيجيات الإعلامية الوطنية فحسب، بل تصاغ الاستراتيجية ذاتها وفق منظور شمولي من البداية، وليس بالمحصلة النهائية.إنما نحن في الإعلام في الوطن العربي إزاء إعلام قطري، تحدد له الحكومات القطرية، إذا لم يكن التوجه العام والفلسفة الكبرى، فعلى الأقل الخطوط الحمراء التي لا سبيل لتجاوزها، وإن بالتلميح المبطن، بحكم التأويل المتأتي من القراءة فيما بين السطور.

ومن المتعذر حقًا بغياب رؤية موحدة واستراتيجية عمل عربي مشترك، الحديث عن إعلام عربي بالمعنى المنظومي للكلمة؛ أي الحديث عن إعلام له هوية جامعة، تؤسس له المجال، وتوجه فعله في الزمان والمكان، وترسم له التوجهات المستقبلية الكبرى. أما الاعتبار الثاني، فيكمن في غياب جهة واحدة تفوض لها الحكومات القطرية أمر صياغة توجه عام، يحكم الإشكالية الإعلامية، ويجعلها إشكالية العرب مجتمعين، لا إشكالية كل قطر على حدة.ومعنى هذا أن الجامعة العربية مثلاً، والتنظيمات المتخصصة المتفرعة عنها، لم تستطع إفراز منظومة إعلامية عربية، تحكم العملية الإعلامية في شكلها، كما في تفرعاتها، وفي مضامينها، لأسباب متشعبة لم تعد الحاجة كبيرة لتكرارها، أو التداول بشأنها.من الصعب إذن، الحديث عن إعلام عربي في عدم وجود جهة قارة ومحايدة تقوم على صياغة منظومة إعلامية للعرب جميعًا، دونما إكراه من هذا النظام، أو ضغط من ذاك.

أما الاعتبار الثالث الذي يجعلنا نتحفظ على عبارة إعلام عربي، فيكمن في غياب رأي عربي عام، تصاغ الشبكات البرامجية والكتابات الصحفية على خلفية من استحضاره، أو وفقًا لرغباته وتطلعاته. نحن في الوطن العربي إزاء إعلام قطري يصوغ سياساته، إن وجدت أصلاً، وفق رغبات وتطلعات كتل بشرية قطرية، من المتعذر حقًا إعمال نظرية الرأي العام لاستقرائها معطىً سوسيولوجيًا أو حالة اجتماعية.

عن أي إعلام عربي يمكن الحديث إذن، في غياب رأي عام تصاغ السياسات الإعلامية على أساس من اعتباره وقياسه واستحضار ضغطه؟

لهذه الاعتبارات وغيرها، فإنه من المتعذر حقًا الحديث عن إعلام عربي مبني على تصور قائم على رؤية بعيدة المدى، ومرتكز على استراتيجية محددة الأهداف والغايات. ولو تسنى للمرء، في المقابل، أن يتساءل بالسالب في وجود إعلام عربي، لوجد لذلك على الأقل ثلاثة مشتركات كبرى، توحد إعلام هذا القطر ولا تجعل تباينًا مع إعلام قطر آخر:

أما المشترك السلبي الأول، فيتمثل في الانبهار الذي استتبع طفرة تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال، ولم يترجم الترجمة الصحيحة، أو لنقل لم يوظف التوظيف الصحيح، على مستوى المضامين.فبالاحتكام إلى القنوات الفضائية العربية، نلاحظ تناسلها الكثيف داخليًا وعلى مستوى بلدان المهجر، لكنها تبقى في معظمها تافهة في محتوياتها، ولا تحكمها رسالة إعلامية يمكن بناء التقييم عليها، ناهيك عن فضائيات الإباحة والعري والغناء متدني المستوى. ومعظم القنوات الفضائية القطرية تصب في هذا التوجه، لدرجة تعطي الانطباع معها، بأننا إزاء إعلام عربي حقًا خاصيته الأساسية الرداءة والميوعة والسطحية وتتفيه الأذواق العامة.

أما المشترك السلبي الثاني، فيكمن في إشكالية الخطوط الحمراء التي لا يسلم منها هذا الإعلام القطري أو ذاك، ليس فقط فيما يتعلق بالإعلام العمومي، والخاص ذي البث الأرضي، ولكن الباث عبر الأقمار الصناعية، عامًا كان أم خاصًا أم بين بين.

ولا يقتصر الأمر في هذه النقطة، على صفة القداسة التي غالبًا ما يضفيها الإعلام القطري على الحكام، والمنزلة الدونية التي يضفيها على المحكومين، ولا على الخاصية المشتركة للإعلام ذاته في التعتيم على قضايا الشأن العام، بل على المتابعات القضائية والإدارية التي يتعرض لها المهنيون، جراء تطاولهم أو "تجاوزاتهم"، بسبب نبشهم في قضايا مصنفة ضمن مصنفات "الأمن القومي"، أو "حساسية المرحلة"، أو بسبب تعرضهم "للذات الأميرية"، أو "لهيبة السلطان"، أو "لعظمة الملك" أو لما سوى ذلك.

أما المشترك السلبي الثالث، فيرتبط بغياب الاستقلالية التي تميز معظم مفاصل الإعلام القطري، والذي يحول، أقصد الغياب، دون تطلع الإعلام إلى تشكيل سلطة مضادة، في أفق بناء السلطة الرابعة التي ينشدها الحقل الإعلامي في ظل ثورة تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال، المواكبة للقرن الحادي والعشرين. فالمنابر العمومية ملك للسلطة أو تدور في فلكها، والمنابر الخاصة يحكمها منطق الربح، وتدور بهذه الصيغة أو تلك في فلك السلطة، سواء في داخل بلد المنشأ، أو باستديوهاتها في بلدان المهجر وهكذا. وعليه فمن شبه المستحيل حقًا المراهنة عليها لتشكيل سلطة، أو لبناء أسس رأي عام، أو للدفع بالقضايا الكبرى المطروحة. نحن إذن، بهذه المشتركات الثلاثة، إزاء إعلام عربي يجمعه السالب أكثر ما يوحده المجيب، ولذلك فإن الحديث عن وجود إعلام عربي بالمعنى المنظومي للكلمة، إنما هو حديث مجاز أو للتجاوز.

صحيح أن بعض الفضائيات، في الخليج تحديدًا وفي المهجر أيضًا، استطاعت ونجحت في استقطاب جماهير عربية واسعة من كل بقاع الأرض، لهذا الاعتبار أو ذاك، كالتخصص، والبث المباشر، والإبداع في تشكيل الشبكة البرامجية على خلفية من التطلع للقرب من كل شرائح المجتمع العربي...إلخ، لكنها على الرغم من ذلك لم تستطع التأسيس لقاعدة يعتد بها، بقدر ما تزكي وتبني للاستثناء، استثناء وجود إعلام عربي في ظل سيادة الإعلام القطري، المتشبث بالقطرية الضيقة، والباني لهويته بالانطلاق منها أولاً وأخيرًا.