وعي التمييز بين الدين والتديّن: نحو محددات فكرية للإصلاح الديني

فئة :  مقالات

وعي التمييز بين الدين والتديّن: نحو محددات فكرية للإصلاح الديني

في بسط الإشكال

يبدو لأول وهلة أن التمييز بين الدين والتدين من البداهات التي يعيها العقل الإنساني ويسلك بموجبها في مناحيه الفكرية، أو هكذا يوحي الحس المشترك بادئ الرأي، لكن بتدقيق النظر يظهر أن الواقع التاريخي وحتى الحاضر سار عكس ذلك تماما، فلطالما طابق العقل الإنساني في تاريخه الطويل بين الدين والتدين، ولم يشذ عن ذلك دين من الأديان أو فرقة من الفرق أو مذهب من المذاهب. بكل تأكيد نفهم ذلك بالنسبة للمؤمن، فالحقيقة واحدة ووحيدة، لا تقبل أن تتوزع على طرفين، وتقتضي بالضرورة أن الدين لا يمكن أن يتفرع عنه التدين.

هكذا انتهى العقل الإنساني الديني إلى اعتبار الدين فقط دون أن يعترف أو يطلق اسما محددا على ممارسة الدين. في هذا السياق لم تولي مشاريع الإصلاح الديني في المجال الإسلامي أهمية تذكر للتمييز بين الدين والتدين كمهمة ذات أولوية في بناء فكرة الإصلاح إزاء الواقع القائم، بل كرّست دعواتها باعتبارها الأكثر تطابقا مع الدين[1] مما أدى إلى إعادة إنتاج نفس المسلكيات الفكرية في مقاربة الإصلاح دون مساءلة المنطلقات الفكرية المؤسِسة وعلى رأسها دعوى مطابقة التدين للدين.

ومن هذا المنطلق نحن في حاجة إلى قراءة مجهرية للخطاب الإصلاحي الإسلامي[2] يفكك المفاهيم والمناهج ولحظات التأسيس. ولا غرو أن فك الارتباط بين الدين والتدين، بين الفكرة والممارسة، المثال والواقع، الجاهز والمعيش، النهائي واللانهائي، ورصد المسافة الفاصلة بينهما من أصعب المهام البحثية؛ فبقدر تعقد التفاصيل والأحداث والآليات والمصالح والرهانات التي صنعت المطابقة وسحبت إحداهما على الآخر لجهة التضخيم أو التصغير، بقدر تعقد تفكيك العلاقة وردّها إلى موقعها الأصلي وحجمها الطبيعي، ردّ المطلق إلى النسبي والاعتراف بالفاعلية الإنسانية في تعاطيها مع الدين في التاريخ.

لقد ألِف العقل الديني هذه المطابقة الضامنة وحدها لمصداقية اعتقاده واطمئنانه الوجودي وحظوته الاجتماعية. والأمر يصح على العقل الديني الإبراهيمي كما على غيره من العقول الدينية.

نماذج من الفكر العربي المعاصر

لقد تناول الفكر العربي الإسلامي المعاصر موضوع الدين والتدين باهتمام بالغ ينم عن راهنيه القضية في سياق التحولات الكبرى التي يشهدها العالم العربي، ونقترح عرض مساهمتين جديدتين لمفكرين كبيرين أفرد كل منها مؤلفا خاصا لمعالجة الموضوع.

أحدهما المفكر المصري عبد الجواد ياسين المعروف بأعماله الرصينة في دراسة التاريخ السياسي الإسلامي، والذي خصص كتابا بعنوان: الدين والتدين: التشريع والنص والاجتهاد.

والثاني المفكر العربي عزمي بشارة الذي خصص الجزء الأول من ثلاثيته الدين والعلمانية في سياق تاريخي لموضوع الدين والتدين.

· عبد الجواد ياسين

ينطلق الدكتور عبد الجواد ياسين في تناوله للموضوع من افتراض مفاده أن الدين والتدين ينتميان إلى مستويين مختلفين؛ الأول من خارج الاجتماع والثاني من صلب الاجتماع.

إن ما يؤكد هذا الافتراض حسب ياسين أن الظاهرة الدينية تتميز بمظهرين باديين للعيان؛ "

المظهر الأول: لم يستطع الصمود في وجه تطور الاجتماع، وهذا يعني أنه من ذات طبيعة الاجتماع.

والمظهر الثاني: تمكّن من الصمود، وهذا يشهد لمقولة أنه من غير طبيعة الاجتماع. الشق الأول هو الشق الاجتماعي من البنية الدينية، أي الشق الذي أُلحق بمنطوق الدين بفعل التدين، بينما الشق الثاني هو الشق الإيماني الأخلاقي الذي يمثل الجوهر المطلق للدين، أي الشق القادم من خارج الاجتماع. الذي تراجع أما التطور هو التدين (الاجتماعي التاريخي بطبيعته)، وليس الدين (الإيماني الأخلاقي بطبيعته)، والذي نشعر أنه يعمل بشكل غريزي في الطبيعة البشرية. وهذه العبارة الأخيرة تعني أنه سابق على الاجتماع الأمر الذي سيفضي-بالضرورة إلى استدعاء حساسية الروح الفردي أو التجربة الذاتية لتكون المصدر الأصلي للإيمان الديني، والضامن الأخير لبقائه، دون الأشكال الاجتماعية التي كرّستها المؤسسة وظلت على الدوام تشكل سلطة ذات طابع قهري يضغط على خصوصية الروح، ويحد من دفء التجربة"[3].

إن التمييز الذي بسطه ياسين بين شقا الظاهرة يعود إلى السجال الذي احتله الدين في العلوم الاجتماعية مطلع القرن العشرين حينما تنبأت بأن الدين إلى تراجع وخفوت بفعل زحف الحداثة والعلم، ثم ما لبت أن عاد وامتد في السبعينات فيما سُميّ بين العلماء ب "عودة المقدس"، وما يقدمه ياسين يمكن اعتباره تفسيرا نوعيا لهذه العودة التي ظلت العلوم الاجتماعية ترجعها إلى عوامل موضوعية محضة[4] من خارج الدين نفسه. على العكس من ذلك يرى ياسين أن العودة أو الاستمرار إن صح التعبير يعود إلى الجوهر الثابت في الدين، الدين في ذاته، الذي وفد من خارج الاجتماع، ومنغرس في الطبيعة البشرية.

بالنظر إلى الأعمال السابقة للدكتور ياسين ونماذجه التطبيقية في الكتاب يتبين أن غرضه من تحريك التدين بعيدا عن الدين يتوجه إلى نزع سلطة الحقيقة من أدعيائها الذين استغلوها في الاجتماع السياسي تاريخيا ومازالوا معاصرا، وهو بذلك يوجه نقدا في مقتل إلى العقل الديني السلفي الذي اعتبر أن "لاشيء في البنية الدينية يرجع إلى الاجتماع، وبالتالي لا معنى للحديث عن فارق بين إلهي جوهري، واجتماعي عرضي، أو عن فارق بين الدين والتدين، ثمة شيء واحد جوهري مطلق وثابت[5]. ولم يقف عند هذا الحد بل انتقد، أيضا، العقل التجريبي الاجتماعي؛ الذي يعتبر أن لا شيء في البنية الدينية يأتي من خارج الاجتماع، وبالتالي لا معنى للحديث أيضا عن اجتماعي متغير وإلهي ثابت، أو عن فارق بين الدين والتديّن، ثمة شيء واحد نسبي ومتغير."[6]

· عزمي بشارة

ننتقل إلى مساهمة الدكتور عزمي بشارة التي يظهر أنها تتطرق إلى الموضوع من منظور أعم، فإذا كان الدكتور ياسين نحى بتحليله منحى نصيا بقي لصيقا بالإشكالية السياسية في التاريخ الإسلامي من خلال التطبيقات التي أوردها، فإن الدكتور بشارة يعلن أن تحليله تاريخي في قراءة الدين والتدين، ذلك أن "السياقات التاريخية بالنسبة للدين وأنماط التدين السائدة هي أولا وقبل كل شيء عملية التحديث التي جرت وشكلها وظروفها، ولاسيما منها سياقات عملية العلمنة الجارية والتي جرت"[7]. بتعبير آخر، إن غايته في الأخير فهم مفهوم العلمانية والعلمنة وليس الدين والتدين إلا مقدمة إلى ذلك[8].

لقد تطلب هذا العمل إجراء عدة تمييزيات بين شبكة مفاهيمية يتوه فيها أحيانا الباحث في الظاهرة الدينية، من قبيل: التجربة الدينية والأسطورة والسحر والأخلاق والمقدس، وهي المفاهيم التي لم يعنى بها كثيرا الدكتور ياسين[9]. إن ما يرى ياسين أنه خارج الاجتماع البشري والضامن لاستمرارية الدين في الوجود البشري طول التاريخ يسميه بشارة المقدس جريا على عادة علماء الاجتماع في ذلك منذ كايوا، فالمقدس هو جوهر الدين في حين هذا الأخير هو تجربة مأسسة المقدس[10].

والمقدس ليس هو الله أو الأجداد بالضرورة كما في الديانات المعروفة، بل هو ما تحس به في حضرة المقدس وأنت تمر بتجربته، إنه الإحساس بمعنى وبحقيقة نفسية روحية تختلف عن التفصيلات اليومية المادية، وعن التعميمات العلمية وغير العلمية التي يستنتجها الناس منها. إنه شيء ما يشعر به الإنسان ويجربه مباشرة من دون أن يستنتجه[11].

وسيرا على التحديدات المفاهيمية ينفي الدكتور بشارة مطابقة الدين للأخلاق، حيث يرى أن الدين ليس مجرد أخلاق، فالأخلاق يمكن تبريرها من دون الدين، فلا حاجة إلى الدين إن كان مجرد أخلاق، وهذا اختلاف جوهري بين بشارة وياسين هو الذي جعلنا ندعي أن البراديغم التحليلي لبشارة أعم وأوسع. وفي الأخير ينتهي بشارة إلى أن العلمنة في السياق الغربي إذا صح استخدامها مفهوما هي جزء من عملية فصل متدرجة للديني عن الدنيوي، وللمقدس عن العادي، ولله عن العالم، بما في ذلك، وبمصطلحات فيبرية، طرد السحر من مجال حياتي بعد آخر ومن تجربة إنسانية بعد أخرى، وعقلنة مجال بعد آخر[12].

خلاصة

كحوصلة عامة، يلتقي الدكتور بشارة والدكتور ياسين في الوعي المعرفي بقضية التمييز بين الدين والتدين المستفادة من العلوم الاجتماعية، سوى أن الأول يسير بالتحليل إلى منتهاه حيث ينتقل من مبحث الدين والتدين إلى العلمانية في حين أن الثاني لا يصرح بالغاية التي يبدو أنها الدفاع عن التمييز فقط، هذا من جهة أولى. ومن جهة ثانية، فكلاهما يرفضان اعتبار الدين مجرد إيديولوجيا استلابيه لا بد من التخلص منها، بل إن الدين –وليس التدين-من صلب الاجتماع وفاعل فيه ولا يمكن تجاهله. ويحسب للدكتور بشارة التحديدات المفاهيمية التي رسمت أحواز الإشكال، ولا شك أن الأجزاء الأخرى قيد الإعداد ستغني الموضوع بتطبيقات من التاريخ الحديث والمعاصر، كما أن عمل ياسين أغنى الموضوع في تطبيقاته التاريخية على الاجتماع السياسي الإسلامي.


الهوامش

[1]- جاء في الحديث الشريف " يبعث الله على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها"

[2]- الحداد محمد، حفريات تأويلية في الخطاب الإصلاحي العربي، دار الطليعة، الطبعة الأولى، 2002، ص 9.

[3]- ياسين عبد الجواد، الدين والتدين: التشريع ة النص والاجتهاد، دار التنوير، بيروت، الطبعة الأولى 2012، ص 337.

- من أهم الكتب في هذا الصدد، الأديان العامة في العالم الحديث، خوسيه كازاوفا، ترجمة...، [

[5]- ياسين عبد الجواد، المرجع السابق، ص 338.

[6]- المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[7]- -بشارة عزمي، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء الأول، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، 2013، بيروت، ص 8.

[8]- المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[9]- لابد من الإشارة إلى أن الدكتور عبد الجواد ياسين نحت مفاهيم جديدة من قبيل "الاجتماع المنصوص".

[10]- بشارة عزمي، المرجع نفسه، ص 117.

[11]- المرجع نفسه، ص 353.

[12]- المرجع نفسه، 441.