وقفات مع التعددية الدينية في "أمريكا المتدينة الجديدة"

فئة :  قراءات في كتب

وقفات مع التعددية الدينية في "أمريكا المتدينة الجديدة"

ليست أمريكا وحدها من يُغيّر الأديان، وإنما الأديان أيضا تُغيّر أمريكا"

كتاب مُمتع ذلك الذي أتحفتنا به الباحثة الأمريكية ديانا ل. إيك، وجاء تحت عنوان: "أمريكا المتدينة الجديدة... كيف أصبحت "الدولة المسيحية" الأمة الأكثر تنوعا دينيا في العالم"؟ ما دام يساعد المتلقي في فتح عينيه على مُميزات التعددية الدينية في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي يعتقد البعض أنها أصبحت رهينة مشاريع تيار "المحافظين الجدد" على عهد الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن، أو رهينة "اللوبي اليهودي" دون سواه، مع تهميش كلي لوزن لوبيات مالية واقتصادية وعسكرية، وأيضا، تهميش أكبر لثقل التعددية الدينية التي تتميز بها "أمريكا اليوم"، بشكل يكاد يُبرر الاشتغال على هذا الموضوع، بمنهجية استطلاعية وأسلوب وصفي ونزعة تأملية في آن، تلك التي نطلع عليها في هذا الكتاب. (ديانا ل. إيك، أمريكا المتدينة الجديدة... كيف أصبحت "الدولة المسيحية" الأمة الأكثر تنوعا دينيا في العالم؟ ترجمة نجاة يونس، مراجعة وتدقيق عمار عمر، دار الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، ط 1، 2008، 661 صفحة).

جاء العمل موزعا على مقدمة تحت عنوان: "نحو أمريكا الجديدة"، وستة فصول، جاءت عناوينها كالتالي : "خلق المجتمع الواحد من التعددية"؛ "الهندوس الأمريكيون: نهر الغانج ونهر المسيسيبي"؛ "البوذيون الأمريكيون: التنور ولقاء الصدفة"؛ "المسلمون الأمريكيون: أبناء عم وغرباء"؛ "خائفون من أنفسنا"؛ "بناء الجسور: أمريكا متعددة الأديان".

تتأسس الأطروحة الرئيسة للكتاب على معطى ميداني/تاريخي، يفيد بأن قصة التنوع الديني في أمريكا بدأت مع التنوع الشديد الذي كان عليه سكان أمريكا الأصليون قبل وصول المستوطنين الأوروبيين بوقت طويل: الوابنانواغ وبيغوت في الشمال الشرقي، والكريم والسمينول في الشمال، والبلافيت ولاكوتا في البراري، وهوبي في الجنوب الشرقي، الماكاه وكلاماث في الشمال الغربي، وغيرهم كثير بالطبع، حيث ظَنَّ المستوطنون المسيحيون الذين واجهوا سكان الأرض الأصليين، بشكل عام، أن مواجهتهم هذه ليست مع شعب له معتقداته المختلفة عن معتقداتهم، وإنما هي مع "شعب لا حياة روحية له أبدا"، بل اعتقد المبشرون المسيحيون أنهم "رسل جاءوا بدين إلى شعب لا دين له"، وتتأسّف المؤلفة حول هذه الجزئية بالذات، بخصوص انتظار عام 1968، لصدور نصوص قانونية تنصُّ بوضوح على حرية المواطنين الأصليين لممارسة طقوس حياتهم الدينية، حدث ذلك بالطبع عندما تم إقرار قانون الحرية الدينية لسكان أمريكا الأصليين.

فقرة واحدة جاءت في الصفحة 29، توجز بامتياز التعدد الديني والعرقي في الولايات المتحدة الأمريكية، عندما تُعبر ديانا ل. إيك عن دهشتها من اكتشاف ميداني مثير، مفاده أنه يوجد مسلمون أمريكيون أكثر من أعضاء الكنيسة الأسقفية، ومسلمون يفوق عددهم أعضاء الكنيسة المشيخية في الولايات الأمريكية المتحدة، ومسلمون يقدر عددهم بعدد اليهود؛ أي حوالي ستة ملايين. كما أصيبت المؤلفة بالدهشة عندما اكتشفت أن لوس أنجلوس هي المدينة التي تضم أضخم تجمع للبوذيين في العالم، وأن هؤلاء أتوا من جميع أنحاء العالم البوذي الآسيوي الممتد من سيريلانكا إلى كوريا، بالإضافة إلى العدد الكبير من البوذيين الذين ولدوا في أمريكا. على المستوى القومي، يمكن أن يصل عدد هذا الطيف من البوذيين إلى حوالي أربعة ملايين. وعلى صعيد آخر، تدعو الكاتبة القارئ الأمريكي على الخصوص، لأن يستحضر دلالات وجود العديد من الأطباء الأمريكيين المتخصصين في الأمراض الباطنية، والجراحين، جلهم من أصول هندية، دون أن يتوقف هذا القارئ الأمريكي للتفكير مَليّا بأن لهؤلاء حياة دينية أيضا، وأنهم يمكن أن يتوقفوا في الصباح، ليقيموا صلاة تستغرق دقائق قليلة عند مذبح في غرفة العائلة في بيتهم، وأنهم يمكن أن يحضروا الفواكه والورود لمعبد "شيفا فيشنو" المحلي في نهاية الأسبوع، وأن يكونوا جزءا من التنوع الهندوسي الذي يبلغ عدده أكثر من مليون.

إذا كان المشهد الديني بهذا التعدد، فكيف ستكون صورة أمريكا ومفهوم أمريكا عندما يتقبل المواطنون، القدماء منهم والجدد، كل هذا التنوع؟ وواضح أن الأسئلة التي تطرح اليوم نتيجة تلاقي الناس من مختلف التقاليد الثقافية والدينية، لم تعد أسئلة سطحية، لأنها تجبر المواطن الأمريكي على التساؤل بطريقة أو بأخرى : "ما الذي نقصده عندما نستحضر الكلمات الأولى من دستورنا، نحن شعب الولايات المتحدة الأمريكية"؟

التعددية الدينية وتحدي المواطنة:

من هو المقصود بكلمة "نحن" بالضبط عندما تصدر اليوم عن جماعة أمريكية معينة؟ إنه تحد للمواطنة، من غير ريب، تضيف ديانا ل. إيك، لأنه يتعلق بالمجتمع الذي نتصوره، والذي نعتبر أنفسنا جزءا منه: إنه أيضا تحدّ للعقيدة، لأن الناس من كل عقيدة دينية يعيشون اليوم في مجتمعات تحمل عقائد مختلفة عن عقيدتهم، ليس فقط في جميع أنحاء العالم ولكن أيضا على الجانب المقابل من الشارع.

والحاصل أننا إزاء عملية تبادلية في التغيير، فأمريكا ليست وحدها هي التي تُغيّر الأديان، وإنما الأديان هي أيضا تُغيّر أمريكا، وبالنتيجة، فإن هذا التغير المتبادل يُشكّل أيضا سؤالا مهما للدراسة الجارية. ماذا يعني هذا التنوع الديني الجديد بالنسبة للسياسة الانتخابية الأمريكية، وبالنسبة لتفسير المحكمة العليا المستمر للمسائل العالقة ما بين الدين والدولة؟ ماذا يعني بالنسبة للتعليم العام الأمريكي والخلافات في مجالس المدارس؟ ماذا سيعني بالنسبة إلى الجامعات والكليات التي يتزايد فيها عدد الطلاب المنتمين إلى ديانات متعددة؟ ماذا بالنسبة للمستشفيات وبرامج العناية الصحية مع العدد المتزايد للمرضى الذين ينتمون إلى "ديانات متنوعة"؟ رغم أن كثيرا من الناس أخذوا للتو يدركون المنظر أو الصورة الدينية المتغيرة، إلا أن المسائل التي بدأ هذا التنوع بإثارتها أمام مختبر التعددية الأمريكية، كانت قبل ذلك مطروحة فعليا على جدول أعمال كل مؤسسة عامة.

تخلُصُ المؤلفة أيضا إلى أن الدين يُعتبر مَعْلَما بارزا من معالم التعددية الأمريكية في العصر الحديث، مُرَجّحة سبب ذلك إلى أن النمو الجلّي للثقافات والعرقيات وسع ـ بشكل مثير للغاية ـ التنوع الموجود في الولايات المتحدة الأمريكية بما فيه التنوع في عقائدنا الدينية. رغم ذلك يترك بعض المحللين العلمانيين الصرحاء الذين كانوا خارج النقاش تماما، وكأن هذه الحقبة الجديدة من الهجرة الأمريكية لا أبعاد دينية لها، ولكن من يلتفت منا إلى التيارات التي ظهرت في أمريكا في بدايةالقرن الحادي والعشرين، يتضح له أن أي تحليل للحياة السياسية والمدنية لا بد أن يشمل الدين إلى جانب فئة الجنس، والعرق، واللغة، هنا وكما الحال في المجتمعات المتعددة الأديان في كل أنحاء العالم، يتم تمييز الاختلاف عادة حسب اللغة والرمز الديني. عندما أرادت مجلة "التايم" أن تصور الهجرة الجديدة في عددها الخاص الصادر في 1993 والمكرس لتصوير الوجه الجديد لأمريكا، لجأت إلى صورة لراهب بوذي حليق الرأس يقوم بطي العلم الأمريكي عند المغيب في معبد "هسي لائي" المقام في مرتفعات هاسيندا، كاليفورنيا، كما أظهرت صورا لراقص إفريقي في قرية يوروبا المتميزة رغم صغرها، والواقعة في كارولينا الجنوبية، وكذلك صورة لعائلة هندوسية، وهي تؤدي الصلاة في معبد سري فينكاتيسوارا في مرتفعات ماليبو، ولحلاق هاسيديكي في بوكلن، ولأستاذ وتلميذ في مدرسة إسلامية في إلينوي.

مأزق المسيحية الأمريكية المعاصرة:

نُعرّج في عجالة على مأزق المسيحية الأمريكية المعاصرة، (ثمة تغييب كلّي لموضوع المرجعية الدينية لتيار "المحافظين الجدد" في صناعة القرار الأمريكي، على عهد الرئيس الأمريكي السابق، جورج بوش الابن)، حيث تعتبر ديانا ل. إيك أن المأزق الأمريكي الجديد يبقى دون شك التعددية الدينية الفعلية، التي تطرح على كنائس أمريكا المسيحية تحديات صعبة ومسببة للخلاف بقدر صعوبة تحديات التميز العنصري.

وترى المؤلفة أن استحضار أمريكا المسيحية يستخدم حاليا مجموعة جديدة من أدوات ضبط التوتر، في الوقت الذي أخذ فيه عدد سكاننا من المسلمين والهندوس والسيخ والبوذيين المجاورين بالتزايد. كما أن نموذج أمريكا المسيحية الأعلى يقف في موقف متناقض مع الجوهر، وإن لم يكن مع المعنى الحرفي، لمبدإ أمريكا الأساسي الخاص بالحرية الدينية. طالما أن التنوع الديني يعني وجود المثوديين، ورعايا الكنيسة (الأبرشيين)، والمعمدانيين الجنوبيين، والكاثوليك، أو يعني، على أكبر تقدير، المسيحيين اليهود، فإن المسائل لم تكن مزعجة، ولم يكن التوتر واضحا إلى حد كبير. ومع ذلك، فإننا نجد في الوقت الحاضر أن أمريكا في طريقها للتوصل إلى تفاهم مع هذا التناقض الحاد، أو هذا الشكل المعقد جدا للنفاق، مُدققة بشكل مؤرق في مقام آخر، من أن "حسابات" المسيحيين تغيرت كثيرا خلال العقود الأخيرة، عندما أصبح المسلمون الأمريكيون يحتلون مواقع في أروقة الكونغرس، والبوذيون الأمريكيون يعينون رهبانا في المعابد التي يرفرف عليها العلم الأمريكي، والهندوس الأمريكيون يتقدمون بطلبات لوظيفة محلية أو حكومية، والسيخ الأمريكيون يصرون على حقهم الدستوري الذي يسمح لهم بوضع العمامة على رؤوسهم وعدم حلق شعرهم في الخدمة العسكرية، أصبحت الفرضية الأولى المبنية على أساس أن أمريكا هي مسيحية فرضية خاضعة للتحدي في الواقع وللمرة الأولى.

فيما يتعلق بالمسلمين، ترى الكاتبة أن الإسلام، مثله مثل اليهودية والمسيحية، يرجع تراثه إلى النبي إبراهيم عليه السلام، والمسلمون يعتبرون اليهود والمسيحيين أبناء عم كونهم "أصحاب كتاب" كما أن الإسلام هو دين توحيدي بشكل قوي، ينظر إلى موسى والمسيح عليهما السلام على أنهما رسولان يوصلان رسالة الله إلى البشرية، ويتمتع الإسلام بأخلاق العدل والمساواة للجميع، لولا أن هذه القرابة ـ بيت القصيد في قلاقل النزعة الإسلاموفويية السائدة منذ مدة في المجال التداولي الغربي ـ لم تقف دون أن يبقى الإسلام العقيدة الدينية الوحيدة التي يحمل عنها العديد من الأمريكيين أكثر ما يكون من الآراء السلبية النمطية، من قبيل توظيف مصطلحات "الإرهاب المتطرف"، "الجهاد بالسيف"، "اضطهاد المرأة في أمريكا"، بما يُخول للمسلم الأمريكي اتهام وسائل الإعلام بتبني خيار الافتراء وخلط الأوراق والحسابات، لتستنتج بأنه ليس غريبا أن نجد المسلمين الأمريكيين يضعون الثقافة العامة والمعلومات في أعلى سلم أولوياتهم، وكون العديد من قيادات المجتمع الإسلامي، تقضي ساعات لا حصر لها، وهي تشرح وتفسر بعض الحقائق الخاصة بالإسلام لجيرانهم من غير المسلمين.

الإسلام جاء إلى الولايات المتحدة ليبقى:

وما يهم صناع القرار هناك في المجال التداولي الأمريكي بخصوص التعامل مع ارتفاع نسبة عدد معتنقي الإسلام خلال العقد الأخير، بالصيغة التي خلُصت إليها بعض الإحصاءات الرسمية وشبه الرسمية في أكثر من مناسبة، هو ما خلُصت إليه هذه المرة، مؤلفة الكتاب/الوثيقة، من أن "الإسلام جاء إلى الولايات المتحدة ليبقى، وسيصبح على نحو متزايد جزءا بارزا من أجزاء حياتنا جميعا"، وتستشهد بلائحة من الأمثلة الميدانية الدالة في هذا الصدد، ومنها، على سبيل المثال، التزام المسلمين المولودين بأمريكا، والذين يُطلق عليهم اسم "الجيل الثاني"، ويحملون الهويتين، الأمريكية والإسلامية ويأخذانها على محمل الجد، وفوق هذا وذاك، يفتخرون بهذه الميزة، والطريف أن هؤلاء أسَّسوا مؤسسات الجيل الثاني الخاصة بهم، مثل منظمة (AMILA)، التي إن كانت تعني "عمل" باللغة العربية، فإنها للمفارقة، الاسم المختصر لشبكة نشطاء من الشباب المسلم المنخرط بقوة في المجتمع وفي النشاطات التي تقدم الخدمة للمسلمين وللمجتمع كافة (American Muslims Intent on Learning and Activism)، وهي منظمة للشباب من الفتيان والفتيات في منظمة باي في سان فرانسيسكو، تهدف إلى تحقيق هذا الهدف بالتحديد: خدمة المسلمين الأمريكيين من الذين يعتبرون أنفسهم جزءا من المجتمع الأمريكي.

خلاصتان أساسيتان يخرج بهما قارئ هذا الكتاب القيّم للغاية:

- جاءت الأولى في شكل دعوة المؤلفة للمؤمنين (أو "الناس جميعا من كل عقيدة دينية" بتعبيرها في مستهل الكتاب) لكي يبدأوا بتشكيل نظرة جديدة على عقيدتهم الدينية؛ لأنهم يعيشون في عالم تسود فيه ديانات متعددة، وأن يستوضحوا بشأن ذلك من المفكرين والحركات الدينية التي أخذت على عاتقها هذه المهمة.

- أما الخلاصة الثانية، وهي الأهم، وجاءت في الصفحات الأخيرة من العمل، فيمكن اعتبارها خلاصة جامعة مانعة بخصوص مقتضيات الحديث عن "أمريكا المتدينة الجديدة"، حيث اعتبرت ديانا ل. إيك أن قصة أمريكا الجديدة المتدينة تبقى قصة غير متكاملة، بمضمونيها القومي والعالمي، مضيفة أن فصولها ما تزال في طور الكتابة في مدن وبلدات تقع في جميع أنحاء البلاد، وأن الجواب على السؤال حول إذا ما كان التنوع الديني الجديد الحيوي الذي أصبح جزءا مهما من الولايات المتحدة سيوحدنا، في السنين القادمة، أم سيُمزقنا، يعتمد على إذا ما كان المجتمع الأمريكي قادرا على تصور واقعه القومي بشكل جديد، ومعرفة أن مصير التعددية الحيوية في الولايات المتحدة، سيكون له تأثير على مصير التعدد الديني المنتشر على نطاق عالمي، لتختم بالنصيحة التالية: إن الجدل الجاري حول من "نحن" كشعب متدين، وكأمة وكمجتمع عالمي هو الجدل الذي سنشارك فيه جميعنا، أكنا مستعدين له أم لا.