يحيى كأنه النبي في هولندا

فئة :  قراءات في كتب

يحيى كأنه النبي في هولندا

يحيى كأنه النبي في هولندا

دراسة في فكر الجماعات السلفية في هولندا

336صفحة، 2013، مطبعة جامعة أمستردام –هولندا


عقب أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، وبعيد اغتيال الفنان والسينمائي الهولندي المعروف تيو فن خوخً، على يد شاب مغربي متطرف بإحدى ضواحي مدينة أمستردام الهولندية، انهالت الدراسات والأبحاث الخاصة بمراكز البحوث والجامعات، بله دراسات أجهزة المخابرات الأمنية للسلطات الهولندية في القضايا المتعلقة، بأصول فكر الجماعات السلفية وتطورها في بلد أوروبي كهولندا؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر، نشرت دراسة: النفوذ السعودي في هولندا، العلاقات بين الدعوة السلفية وأنظمة الغلو والتطرف الإسلامي 2004 ثمدراسة أخرى بعنوان: "الدعوة إلى الجهاد، التهديدات المختلفة للتطرف الإسلامي لأنظمة الدولة الديموقراطية والفضاء العام 2004"، ثم دراسة صدرت سنة2007بعنوان "الدعوة المتطرفة في تغير، صعود ما بعد الإسلام المتطرف"، وأخيرًا وليس آخرًا دراسة بعنوان "دراسة المقاومة وقوة العكس، التطورات والتغيرات الحالية للسلفية في هولندا 2009".

إن المتأمل في هذه الدراسات والأبحاث السالفة الذكر، يخلص إلى الخلاصة التالية، أن هذه الدراسات أخذت سمة الصرامة العلمية والجدية، المبالغ فيها أحيانًا، سواء من جانب تحليل وتفسير ظاهرة الجماعات السلفية، أو من جانب المنهجية المعتمدة لمقاربة هذه الظاهرة٠إذ ظلت معظم هذه الأبحاث تشير إلى غياب دواعي الخوف من هذه الجماعات، وطمأنت الأجهزة الٱمنية بناء على مبدإ أساس، يكمن في نبذ هذه الجماعات للعنف، واعتمادها الطرائق التربوية التعليمية والدعوية لإيصال أفكارها إلى المتلقي، دونما إغفال هذه الدراسات لأهمية وضرورة صياغة سياسات وقائية تعتمد المتابعة المستمرة والملازمة لتحركات أفراد هذه الجماعات. والحد من نفوذها الذي يتضاعف يومًا بعد يوم. وهذا ما تضاعف بشكل ملفت للانتباه مباشرة عقب وفاة شابين مغربيين منتميين إلى إحدى الجماعات السلفية على الحدود مع دولة كشمير.

بيد أن الأحداث التي عرفها العالم العربي في السنوات الأخيرة، من ثورات الربيع العربي، وما آلت إليه هذه البلدان من حروب ومعارك بين الأنظمة السياسية والثوار، جعلت العشرات من الشباب المسلم والمغربي خاصة، المتأثر بٱفكار الجماعات السلفية لا يتردد في نصرة جماعات الجهاد في سوريا، والالتحاق بها بهدف إعلان راية الجهاد هناك.

كان هذا دافعًا أساسيًالبروز المزيد من الدراسات والأبحاث في هذ ا الموضوع خلال الأشهر الأخيرة، من هذه الدراسات التي صدرت قبل أيام قليلة، دراسة الباحثة الأنثربولوجية بجامعة أمستردام، "إنيكاروكس" التي حصلت من خلالها على درجة الدكتوراه في الجامعة نفسها، وذلك بطلب ودعم من المرصد الوطني لمكافحة الإرهاب في هولندا، والذي يعنى بتقديم الدراسات والبحوث وتقييم سياسيات الدولة في القضايا المتعلقة بمكافحة الإرهاب، هذا فضلاً عن التفكير في تطوير صيغ التعاون الدولي المشترك في هذا الملف.

والكتاب الذي بين أيدينا هو ثمرة دراسة ميدانية مضنية، قامت بها الكاتبة طيلة السنوات الأخيرة، إذ حاورت الباحثة عددًا لا يستهان به من أعضاء ورموز الجماعة السلفية، وتتبعت أنشطتهم وكثيرًا من مؤتمراتهم والندوات التي ينظمونها على صعيد الوطن، هذا بالإضافة إلى أهمية القسم النظري المساعد للإنسان الهولندي على فهم أسس وثوابت النظم المعرفية التي تؤسس لإيديولوجيا الجماعات السلفية هاته. وتجدرالإشارة إلى أن الدراسة أنجزت بالتعاون مع البروفيسور جون تيلي وشيف فن تسفاوت عن مركز دراسات الهجرة والإثنيات المعروف. تهدف هذه الدراسة، برأي الكاتبة، إلى كشف الحجب وإزالة الغطاء وتفكيك عالم غير معروف، لدى المجتمع الهولندي. فجدار الدراسة العلمية والجادة سرعان ما يتحطم، أمام الأفكار المسبقة والصور النمطية السائدة عن هذه الجماعات في المجتمعات الأوربية.

تخلص الكاتبة في نهاية دراستها، إلى جملة من الخلاصات المفيدة التي سأذكر بعضًا منهافيما يلي:

ـتعرف الجماعات السلفية في هولندا، ديناميكية وحركية مستمرة، فهي في تغير دائم على مستوى طرائق التعامل مع الثوابت التي أسست عليها طريقة تفكير أعضائها. فضلاً عن تطور وسائلها المعتمدة إن على مستوى تبليغ الفكرة أو على مستوى استقطاب الأعضاء وتهيئة الأرضية التي تراها سليمة وآمنة لعملها.

ـتثبت الدراسة، على عكس ما هو سائد لدى فئات عريضة من المجتمع الهولندي، أن أعضاء الجماعات السلفية من أكثر الجماعات اندماجا في المجتمع الهولندي، اعتمادًا على مؤشرين أساسيين يكمنان في إتقان اللغة والاستقلالية المالية للأفراد والمؤسسات، هذان العاملان بالإضافة إلى عامل بساطة وتسطح فكر هذه الجماعات، يجعلها تكاد تكون الجماعات الإسلامية الٱكثر استقطابًا للشباب المسلم من الجيل الثاني والثالث، وللشباب الأوربي المسلم، أو ما يصطلح على تسميتهم بـ"المسلمون الجدد".

-توظيف الجماعات السلفية للتقنية الحديثة ولوسائل الإعلام والإعلام الجديد، وباللغة التي يتقنها أبناء هذا البلد، جعلها من أكثر الجماعات نفوذًا في الوسط الشبابي الهولندي. وقد كان للمؤهلات المالية الضخمة لبعض الجماعاتالدور الأساس الذي يسر مهمة تأسيس قنوات إعلامية ومواقع إلكترونية بشكل حرفي باهر.

-أبانت هذه الجماعات عن قدرات تنظيمية وإدارية باهرة طيلة السنوات الأخيرة، خاصة ما يتعلق بتنظيمها للمؤتمرات الدولية والندوات العالمية التي يستدعى فيها كبار شيوخ وعلماء هذه الجماعات، من المملكة العربية السعودية خاصة، وبعض تلامذتهم الأوفياء من أقطار أخرى من العالم الإسلامي، هذا بالإضافة إلى قدراتها المشهود لها، في التشبيك الاجتماعي وتوثيق العلاقات بين أفرادها على مستوى واسع جدًا وتوطيد أواصر الأخوة والمحبة بينها، مما يفرز عوائل ومجتمعات صغرى يسهل من خلالها، الحفاظ على الفكرة، ويتعسر اختراقها من الخارج. إنها أشبه ما تكون بلوبيّات مغلقة، ذات لغة وعادات متفردة.

-أبدت هذه الجماعات مرونة واضحة، وأظهرت براغماتية ملفتة للانتباه، تجاه موقفها من الديمقراطية والمشاركة السياسية وتقبلها للأعراف السياسية الأوروبية والعمل، إذا اقتضت الضرورة، من داخلها. فالجدير بالذكر، أن هذه الجماعات تدعو إلى المشاركة السياسية، وتحشد قواها كاملة للتأثير في العملية الانتخابية، إن كان يرى شيوخ هذه الجماعات أن في ذلك جلب مصلحة أو دفع ضرر ما٠

وعليه،تظل هذه الجماعات في هذا البلد الأوربي الصغير السؤال الذي يؤرق السلطات السياسية والٱمنية، كما أنه يظل مادة دسمة لكثير من الدراسات والأبحاث، ويشد إليه فضول كثير من الباحثين والمهتمين بالمسألة الإسلامية بهولندا على وجه أخص وبأوروبا على نطاق أعم.

INEKE ROEX

Leven als profeet in Nederland over de Salafi beweging en democratie

336 p, 2013, Amsterdam Universiteit Press


مقالات ذات صلة

المزيد