البث المباشر

للنشر:

تعتزم مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث تنظيم ندوة علمية تحت عنوان:

" التقليد الديني في الإسلام " 

بمشاركة:

- د. رضوان السيد (لبنان)

-ذ. يونس قنديل (الأردن)

د. عبد الله السيد ولد باه (موريتانيا)

يسير الندوة:

- د. محمد بنصالح (المغرب)

وذلك يوم الخميس الموافق ل 20/07/2017 عند الساعة الرابعة (4:00) مساء


قاعة صالون جدل الثقافي التابع لمؤسسة مؤمنون بلا حدود

تقاطع زنقة واد بهت و شارع فال ولد عمير- عمارة ب. أكدال

الرباط -المغرب

الهاتف: 00212537779954


تهدف هذه الندوة إلى التعريف بالمشروع البحثي الذي ستطلقه مؤسسة مؤمنون بلا حدود بعنوان: "التقليد الديني في الإسلام: النشوء والاستتباب والانكسارات"ويرأس المشروع الدكتور رضوان السيد إضافة إلى مجموعة من المستشارين والأساتذة المشاركين والذين ستعلن أسماؤهم لاحقاً، ومن ضمنهم رئيس مجلس أمناء مؤسسة مؤمنون بلا حدود الأستاذ يونس قنديل، وعضو مجلس الأمناء الدكتور عبد الله السيد ولد أباه.

حول المشروع [1]

لا دينَ بلا تقليد. أو أنّ استمرار الدين بعد صاحب الرسالة، يحتاج إلى قيادةٍ أو مؤسسةٍ من أجل رعاية الجماعة التي أقامها مُنشئُ جماعة المؤمنين. إنها مؤسسةٌ تؤتمن على الخلاص أو تدير العملية المؤدية إليه. ولا مشكلةَ في ظهور أصحاب حماسٍ أو طموح يريدون خلافة صاحب الدين، أو مأسة الدين بدلاً من استمرار الاعتماد على الشخصيات الكارزماتية التي قد لا تتكرر. وإنما المشكلة في الحصول على الشرعية، أو السلطة التي تُخوِّل الطامح أو الطَموحين، تولّي الشأن الديني أو تدبيره. وقد حصل ذلك مع كاف الديانات. والتقليد والنظام الفقهي في الإسلام، تكوَّن وظهر فيما بين القرنين الثاني والرابع للهجرة/الثامن والعاشر للميلاد، والذي كان ما يزال يُظهر مقاومةً ووعياً بإمكانيات التجدد والإنجاز في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، أي بعد عشرة قرون على نشوئه. نشير هنا بإيجاز إلى خمس خطواتٍ أو مراحل أعتبرها زمن ظهور التقاليد المؤسِّسة لذلك النظام، وهي: مرحلة الفقهين أو التقليدين الحجازي والعراقي - ومرحلة فقهاء الأمصار أو حَمَلة العلم - ومرحلة الطبقات والقواعد - ومرحلة التلاؤم أو تقسيم العمل بين الفقهاء والدولة - ومرحلة استتباب المذاهب الفقهية. وبالطبع فإنّ هذه المراحل لا تتتابع بشكلٍ واضح، بل تتمايزُ وتتداخلُ في الوقت نفسِه. بيد أنها أفضت في المرحلتين الثالثة والرابعة إلى تبلْوُر تقاليد وأعراف وقواعد عامة سواء فيما بين العلماء، أو بينهم وبين الدولة.

إنّ الأساس في ظهور التقليد الفقهي أمران: استقلال المجال الديني عن المجال السياسي نسبياً، والاستقلال النسبي أيضاً عن المجال العقائدي أو الكلامي. وقد بلغ من قوة هذا التقليد المستقلّ أنه ظهرت له قواعد مشتركة تتجاوز المذاهب الكلامية والفقهية، كما بدا في علم أُصول الفقه. وقد صار الجدل الفقهي، والاختلاف الفقهي، جزءًا من الحرية والسعة التي تمتع بها الفقهاء، حتى إذا اشتدّ الاختلاف أو التنافُس وجدنا فقهاء متشددين مذهبياً أو اجتهادياً في العادة، يُقدمون على الدفاع عن التقليد الفقهي العام، مثلما فعل ابن عبد البر(-463هـ) في"الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء"، وابن تيمية(-728هـ) في: "رفع الملام عن الأئمة الأعلام". ثم إنّ كثيراً من كتب الأصول، جرى شرحُها وتبنّيها من جانب عدة مذاهب مثل كتب الغزالي وفخر الدين الرازي وابن الحاجب.

أما التقليد العقدي فعمد الأشعري أبو الحسن(324هـ) في "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين" لإيراد خُلاصات استقرت عليها عقائد الفِرَق الإسلامية في مطلع القرن الرابع الهجري. وبحسب عرضه يتبين أنّ المعتزلة (وهم أولُ المتكلمين) استقرت عقائدهم على "الأصول الخمسة"، بينما استقرت عقائد "أصحاب الحديث وأهل السنة" على عدة أصول (التنزيه، وإثبات الصفات، وإثبات القضاء والقدر، وتولّي سائر أصحاب رسول الله). أما الشيعة فما تزال فِرَقهم شديدة الاختلاف، لكنهم جميعاً يتولَّون علياً ويفضّلونه على سائر الصحابة. وكذلك الخوارج أو المحكِّمة، إذ ما استقرت عقائد فِرَقهم باستثناء الإباضية. ولأنّ الاشعريَّ ينقل عن عدة مصادر من القرن الثالث الهجري؛ فإنه يذكر اختلافات المرجئة والقدرية، بينما الواقع أنّ تلك الفِرَق اختفت أو كادت أو ذابت أفراداً وجماعاتٍ في أحد الاتجاهات السنية أو الشيعية أو المعتزلية. وهكذا نعرف أنه في القرن الرابع الهجري، وفي علم الكلام أو اللاهوتيات بالذات صار هناك اتجاهان رئيسيان: الاتجاه المعتزلي وله تقاليده، والاتجاه السنّي وكانت تقاليده تتجه إلى الاستتباب بعد بروزٍ في القرنين الرابع والخامس. وفي القرنين الخامس والسادس (ودائماً من الجهة العقدية) صعدت الإمامية على حساب الزيدية والإسماعيلية؛ بحيث صار مبرَّراً الحديث عن الاتجاهات الرئيسية في الإسلام الوسيط.

وقد صار ممكناً من جهةٍ أُخرى الحديث عن لاهوتين أو اتجاهين رئيسيين في الكلام في العصر الوسيط: اتجاه التنزيه والعدل، وهو الاتجاه المعتزلي، واتجاه الرحمة والعناية والفضل وهو الاتجاه السني، الذي غلبت فيه الأشعرية في القرن الخامس الهجري وما بعد. وقد صارت التيارات الشيعية والخارجية أقرب إلى المعتزلة في المسائل اللاهوتية، بينما صارت الفِرَق الأُخرى أقرب إلى الاتجاه السني.

وعندما حصل التأزُّم الديني في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، عَسُر على التقليدين الفقهي والعقدي استيعابه. إنما في حين أثرت الإحيائيات السلفية والإصلاحية أكثر على التقليد الفقهي، فإنّ الإصلاحية والحداثة أثرتا أكثر على التقليد العقدي الأشعري. ولذا فقد بدا في الثلث الأول من القرن العشرين، أنّ التقليد الإسلامي السني بشُعَبه الثلاث هو في طريقه إلى التصدع: تقليد المذاهب الفقهية، والتقليد الأشعري، والطرق الصوفية. وفي حين أمكن بالإصلاح استنقاذٌ متوسط الحيوية للفقه، وأحياءٌ كبيرٌ في المجال الصوفي، فإنّ التقليد الأشعريَّ العظيم بدا فاقداً لكل حياة. وعلى هذا ظهرت أُطروحات علم الكلام الجديد، وأُطروحات مقاصد الشريعة. أما أُطروحات مقاصد الشريعة فقد تسلّمها الحزبيون الإسلاميون ليصارعوا بها التقليد الفقهي، في حين تسلّمت أُطروحة علم الكلام الجديد (وهي في الأصل لعالم سني هندي هو شبلي النعماني) الإحيائية الشيعية. وما ظهر تضامُنٌ مع الأشعرية إلاّ من جانب قلةٍ من علماء الأزهر والهند، ومن المستشرقين الجدد!

ليس المقصود بهذا المشروع البحثي الكبير في التقليد، كتابة تاريخ ثقافي أو تاريخ للتفكير الديني أو ما يسميه الألمان: تاريخ الأفكار؛ وإن كان البحث في التقليد يتناول أشياء من ذلك كلِّه؛ أي: الأفكار والمؤسسات، والتاريخ الديني، والتاريخ الثقافي. إنّ ما يدفع إلى مشروع بحثي واسع وعميق بشأن التقليد الإسلامي، أو ما سمّاه الحداثيون: التراث، هو الاضطراب الهائل الذي نزل بالإسلام كُلِّه تحت وطأة الحداثة. وقد عبَّرتُ عن ذلك في بعض دراساتي بأنه طرأ اختلالٌ (تحت وطأة قيام نظام العالم الغربي) على العيش أو فقهه وما يتصل به من قيمٍ ومواضعاتٍ وثقافة؛ فترتب على ذلك تكوُّنٌ سريعٌ لفقهٍ آخَرَ للدين لمكافحة الظواهر الجديدة في مجتمعات المسلمين، ولمحاولة استعادة فقهٍ أصيلٍ للعيش، لا يخالف وحسْب المفاهيم الحديثة؛ بل والمفاهيم التقليدية باعتبارها قد عجزت بالفعل عن حماية المجتمعات، وإكسابها المناعة.

إنّ لدينا إذن تاريخاً للتفكير الديني، وللترتيبات العقدية والفقهية والروحية (= الصوفية) والاجتماعية، سادت لما يقرُبُ من ألف عامٍ، في صورة تيار رئيسي شاسعMain Stream وبسبب شسوعه والتعددية بداخله؛ فإنّ التطوير والتجديد والاجتهاد والمرونة والتواصل بالداخل ومع الحواشي والفروع ومع الخارج كلُّ ذلك ظلَّ ممكناً بل وجارياً - إلى أنّ تعرض لهزاتٍ من الداخل والخارج، فتعطّلت القدرات على التجاوب مع التحديات. وعبر عقود القرن العشرين المنقضي ساد التأزمُ في ناحيتين: ناحية إقامة الدولة الوطنية- وناحية المصير إلى فقهٍ جديدٍ للدين. وفي المجال الثاني هذا يتركز مشروعنا البحثي، لأنّ كلَّ الباحثين والدعاة والمستشرقين انصبّت جهودهم على اختلاف وجهات النظر في التفاصيل- على الخلاص من التقليد أو الموروث أو التراث، إما للخلاص من الإسلام، أو لتجديد شبابه بالعودة إلى ما فوق التاريخ، ما فوق التجربة التاريخية، أي إلى النص المقدَّس او الإسلام الأول!

ولذا يكون من الضروري، وقد انفجرت الأُصوليات غير التقليدية هي بدورها - أن نقرأ تقاليد الجماعة أو التيار الرئيسي، ونقرأ تجربتها التاريخية، قراءةً نقديةً في المجال الفقهي، والمجال العقدي، والمجال الروحي أو الصوفي، بمعنى قراءة وتتبع فصول ومفاصل المنظومة، في التكوين، وفي التطور، وفي التيارات الفرعية السارية، لكي نكتب تاريخاً متّسقاً للأفكار والمدارس وكبار صُنَّاع التقليد من جهة، ولنحاول بالتتبُّع الدقيق اكتشاف عوامل وعناصر الفعالية، وعوامل التعطُّل والجمود.

[1]هذا موجز للورقة التي تقدم بها الدكتور رضوان السيد كإطار نظري للمشروع