الأمسية الفكرية الحوارية: ''أية رؤية للمجتمع التونسي اليوم؟''

فئة: أنشطة سابقة

الأمسية الفكرية الحوارية: ''أية رؤية للمجتمع التونسي اليوم؟''

الأمسية الفكرية الحوارية:

''أية رؤية للمجتمع التونسي اليوم؟''

(Le modèle social tunisien en question)


احتضن فضاء الكيوبس Kheops بمدينة نابل، السبت 20 مايو الجاري، الأمسية الفكرية الحوارية التي نظمتها مؤمنون بلا حدود وجمعية الدّراسات الفكرية والاجتماعية بالتعاون مع جمعية صوت المرأة، بعنوان: ''أية رؤية للمجتمع التونسي اليوم؟'' (Le modèle social tunisien en question)، وقدّم كل من دة. نائلة السليني مداخلة بعنوان: ''هل لتونس نموذج مجتمعي؟''، وقدم د. منير السعيداني مداخلة بعنوان: ''الثقافة والمجتمع والدّولة في تونس''، كما قدّم د. نادر الحمامي مداخلة بعنوان: ''هل يمكن الحديث عن خصوصية تونسية؟''، وأدارت الجلسة الأستاذة مريم قارة علي.

افتتحت دة. نائلة السليني مداخلتها بالتساؤل قائلة: ''هل لنا فعلا نموذج مجتمعي تونسي يمكن أن نعتبره مرجعا، ونبني عليه جميع مواقفنا؟'' واعتبرت من ثم أن مداخلتها تنبني أساسا على اعتبار غياب نموذج مجتمعي واضح للتونسيين، وبحثت في أسباب ذلك، من خلال عدّة مقدّمات، ومن بينها أنه لا يمكن النظر إلى الواقع التونسي دائما على أنه واقع خاص ومنفصل عن الواقع الدولي والإقليمي، كما لا يمكن فصله بكل مستوياته عن حالة الفوضى والاضطراب السّياسي في المجال العربي والإسلامي، ذلك أن إمكانيات التأثير والتأثّر المتبادلة سلبا وإيجابا مع المجتمعات الأخرى، تبقى ذات تأثير فعلي على المجتمع التونسي، وفسّرت ذلك بكون المناخ العالمي المتعولم يجعل من الصعب أن يعيش التونسيون متقوقعين في مجالهم ودون تلك العلاقات المتبادلة مع الآخر، وانطلقت من ثم في تفصيل مداخلتها وفق مراحل؛ أشارت إليها بمرحلة البناء أو القاعدة التي تأسست عليها المقاربة المجتمعية الحديثة، والتي وصفتها بالنقلة النوعية مع مجلة الأحوال الشخصية وإعلان الجمهورية ودستور سنة 1959، واعتبرت انطلاقا من ذلك أن تلك المكتسبات الحداثية التي تأسست في المجتمع التونسي، ومثّلت السبق نحو تكريس الحداثة، مثّلت في أذهان الحداثيين أنفسهم نموذجا يتّسم بالثبات، إذ لم يستطيعوا تجاوزه أو البناء عليه، مما جعل أهم المسائل المتعلّقة به تبقى محافظة على ذاتها، باعتبارها جزءا من منظومة متكاملة، وقد بيّنت السليني أن تلك المنظومة الحداثية لم تتحرّك إلا حين أثار الإسلاميون مؤخّرا بعض المسائل، وحاولوا مراجعتها في اتجاه التأسيس لمنظومة أخرى مخالفة تخدم وجودهم الاجتماعي والسّياسي، الذي يتعارض بالضرورة مع النموذج الحداثي المتأصّل في دولة الاستقلال، وفسّرت ذلك بالدوافع الداخلية التي تتلخص في هشاشة البناء الاجتماعي إلى جانب الدوافع الخارجية التي ساهمت بشكل كبير في توجيه البنية الاجتماعية التونسية نحو الأسس العقائدية والأيديولوجية التي يمثلها الإسلام السياسي.

وأشار د. منير السعيداني في مداخلته إلى أن ما اشتغلت عليه النخب السياسية الحداثية في تونس في دولة الاستقلال هو نوع من وضع الأسس القانونية لبناء نمط عيش وتنظيم العلاقات الاجتماعية بشكل يسمح بالتواصل بين أفراد مجتمع واحد في إطار متماسك ومتضامن حول مجموعة من الأفكار والمبادئ العامة، معتبرا أن ذلك يستوجب التساؤل حوله، وبالتالي التفكير في نظامه وبنائه الداخلي، ونزّل من ثم مشغل المداخلة التي يقدّمها حول الثقافة والمجتمع والدّولة في تونس، وقال إن التساؤلات حول المجتمع تجعله حيّا باستمرار ويناقش في كل جيل الأفق المجتمعي بين مكوناته وكيف يتوفّق إلى حلول للمشكلات التي تواجهه في إطار التحوّلات الجزئية والكلية التي يعيشها في أزمنة متعاقبة. وخلص من ذلك إلى تفصيل الحديث عن الدولة ما بعد الاستعمارية مشيرا إلى أنّها استحوذت على المجتمع ونصّبت نفسها وصيّا عليه، وأقامت ما اعتبرته النموذج المجتمعي الصحيح، ورأى أن نتائج ذلك كانت سلبية على المجتمع، لأن عملية التحديث التي انتهجتها الدولة لم تكن نتاج حركة اجتماعية عميقة بل كانت برأيه مسقطة وفوقية، ولم تراع طبيعة المجتمع. واعتبر أن المجتمع كان يمكن أن يصل إلى تحقيق الحداثة دون التدخّل القهري من الدولة، وانتقل بعد ذلك إلى تقديم أمثلة على قدرة المجتمع على صياغة منهجه الخاص في التعامل مع الظواهر المستجدة والتي لا يجد مبررات الانتماء إليها أو استيعابها، وبالتالي فهو بإمكانه أن يلفظها ويحاربها، وقدّم مثالا على ذلك من مواجهة المجتمع الأهلي للحركات الإرهابية.

وانطلق د. نادر الحمامي في مداخلته من دواعي الحديث عن خصوصية تونسية، مبيّنا أن في كل مرّة يتعرّض المجتمع التونسي إلى تهديد ما يعتبر مكاسب دولة الاستقلال إلا وتظهر أصوات تؤكّد على تفرّد المجتمع التونسي بالعديد من الإنجازات الرائدة والخاصة، قائلا إن التباهي المتواصل بفرادة المجتمع التونسي من خلال التأكيد على ما يسمّى المكاسب لا يدل بالضرورة على اقتناع بالحداثة، وإنما تُتخذ تلك المكاسب في كثير من الأحيان، باعتبارها جدار دفاع ومحافظة لا أساسا متجددا للبناء والتّجاوز والتقدّم، وقدّم مثالا على ذلك المطالبة بالمحافظة على مجلّة الأحوال الشخصية عوض المطالبة بتطويرها نحو الأفضل، وقال إن الكثير من المحسوبين على الحداثة ممن يتشبثون بمجلة الأحوال الشخصية هم محافظون، واعتبر الحمامي أن تلك المكاسب الحداثية هي مكاسب الدولة التونسية بالأساس ولا يمكن القول إنها مكاسب المجتمع، حتى يستطيع تطويرها أو القبول بتطويرها. وخلص إلى اعتبار أن دور الفرد هو من المحددات الضرورية للحداثة والحال أن الدولة والمجتمع لا يعطيان قيمة للفرد؛ ولذلك فإن التركيز على الحقوق الفردية وعلى الفرد وقيمة الفرد أولى من الحديث عن الخصوصية التونسية والمكاسب الحداثية وسلطة النمط أو النموذج.

واختتم اللقاء بنقاش دار بين الحضور والمتدخّلين اهتم أساسا بطرح مسألة المكتسبات الحداثية في المجتمع التونسي، وعرض مختلف المآزق التي تهدّدها ووسائل تطويرها، كما اهتم المتدخّلون في النقاش بالأسس التي تنهض عليها فكرة الحداثة ومنها الأساس التعليمي والتربوي الذي يواجه العديد من العوائق نحو تأسيس رؤية ثقافية واضحة تكفل للمجتمع أن يتطلّع إلى أفق مستقبلي مبني على الوعي المواطني الذي يمكنّه من إحداث مراجعات حقيقية تبني على مكتسبات دولة الاستقلال، ولا تكتفي بها ولا يكون هاجسها المحافظة أو التقوقع على منجز حداثي سابق أو تراثي قديم.

البحث في الوسم
المجتمع التونسي