i مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث - ندوة: "الخطاب الصوفي وأبعاده المعرفية والحضارية"

ندوة: "الخطاب الصوفي وأبعاده المعرفية والحضارية"

فئة: أنشطة سابقة

ندوة: "الخطاب الصوفي وأبعاده المعرفية والحضارية"

في ندوة "الخطاب الصوفي وأبعاده المعرفية والحضارية" باحثون عرب يحثون على الحاجة الملحة للأمن الروحي الذي يمنحه التصوف


تركزت مداخلات مجموعة من الباحثين ناقشوا قضية الخطاب الصوفي، على عدد من الأبعاد الحضارية والمعرفية للخطاب الصوفي انطلاقا من مرجعيته التي تستمد من عمق التشريع الإسلامي، بخلاف الدعاوى التي أرادت جعله دخيلاً على الإسلام أو متأثرًا بالثقافات والديانات الأخرى، وأيضا باعتبار هذا الخطاب من الوسائل التي تضمن من خلال خصوصياته الأمن الروحي للمجتمع خصوصًا في وقت أصبحت فيه الحاجة ملحة إلى الأمن، في خضم ما تعيشه المجتمعات من قلق واضطراب وحيرة، سيّما وأنّه يركز في مضمونه على مفهوم الإنسان الكامل، الذي يتأسس على منهج المشاهدة والكشف والذوق، كما دعا المشاركون، إلى اعتماد الخطاب الصوفي بوصفه مشروعًا إصلاحيًّا مجتمعيًّا، له تأثيره الروحي المتميز، لمواجهة موجات العنف والكراهية التي باتت تتنامى في ظل انتشار الخطابات الدينية المتشددة.

وانقسمت المداخلات التي شهدتها الندوة العلمية الدولية، التي نظمتها مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، بشراكة مع فريق بحث مسارات الخطاب الصوفي، برحاب مدرج الشريف الإدريسي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة أكدال الرباط، بعنوان "الخطاب الصوفي وأبعاده المعرفية والحضارية"، يومي 19 و20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، إلى أربعة محاور متنوعة، بحضور ثلة من المتابعين والمهتمين بمجال التصوف والدين والفلسفة الدينية.

وناقشت الجلسة الأولى من الندوة محوري "خصوصية الخطاب الصوفي الإسلامي" و "البعد الإنساني في الخطاب الصوفي"، حيث عرفت تدخل كل من الدكتور محمد بنكيران في موضوع "الخطاب الصوفي وسؤال المرجعية" وقد أكّد أنّ تاريخ التصوف ظلّ صامداً في وجه العديد من العواصف الفكرية والثقافية والسياسية التي واجهها خلال تاريخه الطويل، ولذلك فإنّ التصوف لم يعرف ما عرفته سائر العلوم من القبول والتسليم، وإنّما تنازعت الآراء فيه تنازعاً غريباً على مستوى الكتابات القديمة والحديثة، إلى درجة جعلت البعض يصفه بالفكر الدخيل على الأمة وعلى الإسلام، أو أنّه متأثر بالديانات الأخرى والفلسفات القديمة.

وكذلك الدكتور عبد الوهاب الفيلالي الذي رأى في مداخلته المعنونة بـ "التصوف والأمن الروحي: الأسس والتجليات"، أنّ التصوف، هو الأمن الذي يرتبط في جوهره بالشعور والهدوء والسكينة والطمأنينة، وهي كلها صفات تفضي في مقابل أضدادها إلى نسج معنى الأمن الروحي، ومنه تنطلق، وعلى هديه تتحرك، فتتشكل.

وفي ذات الجلسة الاولى أوضحت الدكتورة سعاد كعب في مداخلتها بعنوان "البعد الإنساني في الخطاب الصوفي: مفهوم الإنسان الكامل"، مفهوم الإنسان الكامل في الفكر الصوفي الإسلامي، الذي تأسس على قيمة الإنسان بين الموجودات، واضطلاعه بأمانة كبرى عجزت عن حملها السماوات والأرض مثلما يؤكد ذلك الخطاب القرآني، فيما أشار الدكتور التونسي صابر السويسي، من خلال مداخلة بعنوان "الخطاب الصوفي ورحلة البحث عن الذات"، إلى قيمة البعد المعرفي في التجربة الصوفية، ودوره في تشكيل الوعي بقيمة الإنسان ودوره في الكون، وهو العمدة عند المتصوفة في إثبات عمق الصلة بين الكائن الآدمي والله، لأنّ المعرفة أصل في الخلق ودافع من دوافعه، ولأنّ الله خلق الخلق ليعرفوه، وخصهم بأداة معرفته دون سائر المخلوقات.

وتميزت الجلسة الثانية من الندوة خلال اليوم الأول والتي حملت عنوان "الخطاب الصوفي والسؤال الفلسفي"، بمداخلة الدكتور محمد المصباحي "الانتقال من الأنا إلى اللاأنا، باعتباره نفيًا للمعرفة والحضارة"، وقد رأى فيها أنّ التصوف أبعد ما يكون عن العلم والحضارة معاً، بالرغم من أنّ للتصوف علمه ومعرفته أيضاً، لولا أنّهما من طبيعة خاصة، وتوقّف عند لائحة من الاختلافات بين كل من التصوف والعلم؛ فغاية التصوف، يضيف المصباحي هي الغياب عن الوجود، وهو ما استوحاه من أقوال الحلاج المؤكِّدة على الجمع بين وحدانية الله التي تعبر عنها شهادة "أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله" وقوله "ما في الجبة إلاّ الله". كما أنّ التصوف يعتبر المعرفة حجابًا لأنّه تجربة وجودية تسعى إلى الفناء عن طريق إفراغ الذات من المعرفة، فهو إذن يبحث عن معرفة مباشرة تزرع الروح في السالك.

أما الدكتور خالد بلقاسم، وفي مداخلته في موضوع "الألوهية من منظور ابن عربي من قيد العلامة إلى لا نهائية الصورة"، فقد تطرق إلى مدلول الألوهية ومعانيها عند الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي عبر ما ورد في كتابه الموسوعي "الفتوحات المكية" الذي اعتبره بلقاسم، بمثابة إعادة تأسيس للعلوم في عهد صاحبه، فالألوهية هي غير الذات وهي تطلب المألوه كما أنّه بدوره يطلبها، رابطاً ذلك بكون الذات الإلهية أو الله لا يعقل إلاّ عن طريق أسماءه الحسنى، فابن عربي عمل على إرساء مفهوم الألوهية في تصوره لنشأة الكون قبل ولوجه إلى مسألة الإيمان، مشيراً إلى أنّه عمل أيضاً على تسييج مفهوم الألوهية بين المعتقدين، لأنّ الاعتقاد في الأصل مشدود إلى المعتقد ومن هنا ينشأ، بحسبه، النزوع إلى حصر المعتقد في تمثله الذاتي.

فيما توقف الدكتور أحمد كازى الذي حاضر في موضوع "الوحدة والوجود في الفكر الأكبري"، عند أهمية الحضور الذي يحظى به ابن عربي في الدراسات الغربية منذ القرن الماضي، كما تشهد على ذلك أعمال المستشرق "هنري كوربان" حول التجربة الصوفية لدى محيي الدين ابن عربي، وأبرز دوافع الغربيين لدراسة التصوف خصوصاً عبر شخصية ابن عربي، وفي مقدمتها عامل الأزمة الوجودية التي ألمت بالغرب عقب الحربين العالميتين الأولى والثانية، من منطلق أنّ فكر ابن عربي يقدم من هذه الزاوية مصدراً لالتماس الحلول لأزمة الوجود لدى المثقفين الغربيين.

أمّا المداخلة الأولى خلال جلسة اليوم الثاني والأخير، والتي ناقشت بالإجمال موضوع "الخطاب الصوفي والإبداع الجمالي"، فقد ألقاها الدكتور رشيد اكديرة بعنوان "اللغة الصوفية أو لغة الخرقين المرجعي والمعياري"، فقد شرح فيها أهمية اللغة في مكونات التواصل الإنساني والصوفي، بصفتها مظهرًا أجلى، فضلاً عن كونها نظاماً من العلاقات الصوتية والمعجمية والتركيبية والدلالية، وكذلك كونها تشكل قدرة تواصلية منجزة في مختلف السياقات المقامية والمقالية في النسق الاستعمالي التداولي المحدد.

أما الدكتور محمد التهامي الحراق، ومن خلال مداخلته التي كانت بعنوان "التربية بالطرب عند الصوفية: مقاربة في الأصول والوظائف والتحولات"، فقد حاول إحداث مقاربة متوازنة حول سؤال التربية بالطرب في النسق الصوفي وما يثيره من إشكالات وقضايا، انطلاقًا من مجموعة من البحوث العلمية التي تمتد بين تحقيق النصوص المخطوطة وأيضاً دراسة الموروث الصوفي المكتوب والمنشد والمعيش على مختلف المستويات التاريخية والأدبية والفقهية والفلسفية والموسيقية والاجتماعية والسيميائية.

من جهتها حاولت الدكتورة مجدولين النبيهي في مداخلتها التي كانت بعنوان "أثر التصوف في الخط العربي: نماذج من روحانية الخط المغربي"، استجلاء بعض أسرار الخط العربي، وكذا التأمل في الأبعاد الجمالية والروحية لحروفه وتشكيلاته باعتبارها رموزاً حاملة لمعان أزلية، ومظاهر لموهبة ربانية سامية أكرم الله بها خطاطي هذه الأمة، وقدمت في مداخلاتها "تأملات في المسارات التاريخية المفترضة" التي أوردتها المصادر في ما يخص نشأة الخط العربي وتطوره، مبرزة الخصوصية الروحية لهذا الخط، وكذا الدفاع عنه، كونه توقيفاً وإلهاماً ربانياً.

واختتمت أشغال الندوة الدولية بالجلسة الأخيرة التي ناقشت موضوع "الخطاب الصوفي اليوم"، بمداخلته الدكتور عبد الله الشريف الوزاني التي جاءت تحت عنوان "التصوف والعالم المعاصر أي تصوف نريد اليوم؟"، وقد أكّد فيها أن التجربة الصوفية تُجسّد عملية هداية وإصلاح للمجتمع، من منطلق أنّ تأثيرها الروحي يساهم في تحصين المجتمع من العنف والكراهية، وبالتالي يساهم في إصلاحه وتوجيهه وترشيده عبر المدخل الأخلاقي والتربوي لإصلاح الفساد الاجتماعي بمختلف تمظهراته، متوقفاً عند واقعة تاريخية مازالت جراحها لم تندمل بعد في الجسم الإسلامي، وهي واقعة جرت يوم 17 رمضان سنة 35 هـ مع اغتيال الصحابي علي بن أبي طالب، معتبراً أنّ الفعل نراه يتكرر اليوم في عالمنا المعاصر، لذلك تشتد الحاجة إلى التصوف باعتباره قنطرة نحو التسامح والمحبة.

فيما تطرق الباحث محمد الهاطي في مداخلته الموسومة بـ"التصوف مدخلاً لرؤية اتصالية تأنيسية: نحو نقد المنزع التشييئي في وسائل الاتصال الحديثة"، إلى انعكاس ما سماه الانفجار المعلوماتي على حياة الإنسان المعاصر، وهو المعطى الذي أفرز برأيه خمس آفات: آفة "التنافس المفترس"، آفة "الربح المتوحش"، آفة "القوة المتسلطة"، آفة "الأنانية المفرطة"، وأخيراً آفة "الحرية المتسيبة".، وأضاف الباحث المغربي المتخصص في الدراسات الصوفية بمركز الجنيد التابع للرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب، أنّ وظيفة التصوف تكمن أساساً في حل الأزمة التي يعيشها الإنسان، مشدداً على أنّ العمل الصوفي تكاملي بالنظر لاهتمامات المتصوف المتنوعة باشتمالها على الفقه وعلم الكلام والحديث وغيرها من علوم الشريعة؛ كما أردف أنّ "العطاء الصوفي استمراري لا انقطاع فيه، له بداية لكن لا نهاية له".