جلسة حوارية حول كتاب: ''المقترضات المعجمية في القرآن: بحث في المقاربات'' لفتحي الجميل

فئة: أنشطة سابقة

جلسة حوارية حول كتاب:  ''المقترضات المعجمية في القرآن: بحث في المقاربات''  لفتحي الجميل

انتظمت بمقر مؤمنون بلا حدود وجمعية الدراسات الفكرية والاجتماعية، بتونس العاصمة، السبت 13 يناير الجاري، جلسة حوارية حول كتاب "المقترضات المعجمية في القرآن، بحث في المقاربات" للأستاذ فتحي الجميل، وقراءة قدّمتها الأستاذة رانية بوعزيز. وأدار اللقاء الأستاذ نادر الحمامي.

انطلقت الأستاذة رانية بوعزيز في مداخلتها بتقديم لمحة عن الكتاب، وقالت إنه يعالج مسألة الاقتراض المعجميّ في القرآن انطلاقا من محورين اثنين هما: المواقف الرافضة لوجود الأعجمي في القرآن، وأن المؤلّف قد عالجها ضمن ما سماه "المقاربة المذهبية"، والمواقف المؤيدة لوجود الأعجمي في القرآن وقد عالجها ضمن ما سماه "المقاربة اللسانية". ثم ألقت الضوء على محتوى الكتاب، وبيّنت أنه اشتمل على مدخل نظري لساني عام لمسألة الاقتراض المعجمي في اللغة، تضمّن القضايا اللسانية والثقافية التي تحيط بدراسة الاقتراض المعجمي عامة ودراسة الاقتراض المعجمي في القرآن خاصة.

كما بيّنت بوعزيز أن الكتاب يقسّم المقاربات المذهبية في النظر إلى مسألة الاقتراض المعجمي إلى: مقاربة مذهبية قديمة، تتفرّع إلى أربع مقاربات جزئيّةٍ هي "المقاربة الفقهية" و"المقاربة اللغوية" و"المقاربة التفسيرية" ذات العلاقة بتفسير القرآن، و"المقاربة اللغوية القاموسية". ومقاربة مذهبية حديثة، وهي ذات اتّجاهين: اتّجاه الفريق المنكر لوجود الأعجمي في القرآن نتيجة مواقف دينية ومواقف سياسية متعصبة، ثم اتّجاه الفريق المثبت لوجود الأعجميّ في القرآن لأسباب مذهبية منها مواقف التعصّب الديني وخاصة التعصب اليهوديّ والتعصّب المسيحيّ.  

وأشارت المتدخلة إلى أن الكتاب يدرس المقاربات اللسانية للمسألة، ويقسمها إلى مقاربتين فرعيّتين: مقاربةٌ قديمةٌ، وهي تشمل مواقف المفسّرين للقرآن مثل عبد الله بن عباس في "غريب القرآن"، ومواقف اللغويين مثل الخليل بن أحمد في كتاب العين وأبي منصور الجواليقي في كتابه "المعرّب من الكلام الأعجميّ" والسيوطي في كتاب المهذّب. ومقاربةٌ لسانيّةٌ حديثةٌ تشمل مواقف بعض اللغويين العرب المحدثين وبعض المستشرقين مثل الحبر ابراهام جيكر وألفونس مينغانا...

واستندت المتدخلة إلى ذلك كله، فقدّمت مجموعة من الاستنتاجات ربطتها بمسألة الإعجاز القرآني، ورأت أنه لئن كانت النظرة إلى النص القرآني في القديم تقوم أساساً على مسألة الإعجاز اللغوي، باعتباره مدار حجاج حول أهمية النص وفرادته، فإن ذلك قد تواصل حديثا مع مسألة الإعجاز العلمي، وبيّنت أن هذا الصنف الأخير من الإعجاز لا يسلم بدوره من تعسّف وتعصّب في محاولات إثبات، وقالت إنه يعكس حاجة المسلمين دائما إلى شرعية مقدّسة عليا لقيمهم، وخلصت من ذلك إلى القول بأن الإعجاز القرآني ليس سمة للنص وإنما هو صفة أسندت إليه لما للكلمة من أهمية في الثقافة الساميّة عموماً والثقافة الشفاهية خصوصاً...

وأحيلت الكلمة إلى الأستاذ فتحي الجميل، فأشار إلى بعض المسائل اللسانية والمعجمية الخاصة بكتابه، وقال إن العمل البحثي الذي أنجزه قريب من المسائل الدينية والحضارية، ولكن زاوية التناول كانت لغوية ولسانية ومعجمية بالأساس، وأنّه اعتمد فيه على المكتسبات اللسانية الاجتماعية وخصوصا بما يتعلق بلسانيات الاتصال اللغوي ما مكنه من الاستفادة من كثير من المعطيات غير اللغوية في دراسة ظاهرة الاقتراض، ومنها المسائل النفسية والعقدية والثقافية والاجتماعية والسياسية... وقال إن زاوية النظر التي تتيحها مسائل اللسانيات الاجتماعية تنزع سمة القداسة عن اللغة. وأنها تقرّ ظاهرة التغيّر اللغوي باعتبار أنها ظاهرة كونية لا تخلو منها كافة اللغات فكلها تتطوّر وينشأ بعضها عن بعض وهي تأخذ من بعضها البعض بشكل متواصل. وأشار الجميل إلى أن مساحة البحث قد امتدّت إلى الاهتمام بالنقوش والمخطوطات والنّصوص التّاريخية والأدبيّة والجغرافية، وأن تلك المواد قد ساعدته في أن يخلص إلى اعتبار أن الألفاظ التي وردت في القرآن كانت مستعملة قبل نزول الوحي، وقال إن ذلك من يمكن أن ينفتح على مجالات عديدة من بينها مسألة الاعجاز القرآني، التي لا تعتبر من حيث المنظور الوضعي مسألة غير علمية لأنها تخضع إلى الذوق والاعتقاد وأنّها غير قابلة للبرهنة العلمية...

وأشار المتدخّل إلى أنه قد توصّل بعد النظر في جميع المقاربات والخلفيات المحيطة بمسألة الاقتراض المعجمي، إلى مجموعة من المعايير المأخوذة من وظيفة المعجم والتي تحيل على الموجودات التي، بدورها، تتغيّر فيفنى بعضها ويموت ويتولّد بعضها ويتواصل، وبين أن تلك المعايير لغوية تحيل على البناء الصوتي والصرفي للمفردات العربية، ومرجعيّة تتعلّق بالأشياء التي تنشأ في بيئة معيّنة وتدلّ على أصلها، ومعايير ثقافية تتعلّق بنشأة الألفاظ التي لها بعد ديني. وقال إنّ حاول أن يدرس مسألة الاقتراض المعجمي في القرآن استنادا إلى تلك المعايير، واعتبر أن ما توصّل إليه الكتاب من نتائج لا يمكن أن يعتبر نهائيا وإنما هو قابل للمراجعة والنقد.

وذكر الأستاذ نادر الحمامي، بعد ذلك، بعض الملاحظات حول مسائل الكتاب، الذي ثمّنه واعتبر أنه يقدّم إضافة مهمّة إلى مسار الدّراسات القرآنية، استنادا إلى أهمّية دراسة القرآن باعتباره نصّا، وقال إن دراسة القرآن باعتباره نصّا أوّلا، يكون بمعزل عن جميع ما ارتبط به من مسائل تراثية تعدّ ضمن النصوص الثّواني. واعتبر أن كلمة ''المقترضات'' قد تبدو لفظاً محايداً ولكنه غير محايد لأن العقيدة السائدة حول النص القرآني تجعله خارجا عن التاريخ بل هو فوق التاريخ، وتعتبر أن النص الموحى به لا يقترض لأنه كلام الله الحرفي الأزلي القديم، وبالتالي فهو الأصل وما عداه فروع ولذلك فهو يعطي ولا يأخذ، واستند الحمّامي إلى تلك البنية العقدية المتطابقة لدى الأصوليّات كلّها، ليقول إن مفهوم الاقتراض يستبطن الإرجاع، ولذلك فهو لا يمكن أن يكون محايدا في علاقته بالنص الإلهي. وخلص إلى القول بأن النزعة الأصولية السائدة حول النص القرآني هي التي أنتجت الكثير من نزوات العنف المتواصل منذ القديم إلى الآن.

البحث في الوسم
فتحي الجميل القرآن