جلسة حواريّة مدارها كتاب: "أخذ الحقوق على محمل الجدّ" لرونالد دووركين

فئة: أنشطة سابقة

جلسة حواريّة مدارها كتاب:  "أخذ الحقوق على محمل الجدّ" لرونالد دووركين

انتظمت بمقر مؤمنون بلا حدود وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة، بتونس العاصمة، جلسة حواريّة مدارها كتاب "أخذ الحقوق على محمل الجدّ" لرونالد دووركين بمشاركة صاحب الترجمة د. منير الكشو، وتضمّنت الجلسة ثلاث مداخلات علميّة بدءا بمداخلة د. محمّد محجوب بعنوان "من جدّ الحقوق إلى جدّ الفلسفة"، ثم مداخلة د. نوفل بالحاج لطيف بعنوان "المنزع الدينوتولوجي (الآدابي) في نظرية دووركين في الحقوق من خلال كتابه أخذ الحقوق على محمل الجدّ"، فمداخلة الأستاذ شاكر الحوكي بعنوان "قراءة في كتاب دووركين". وشفعت الجلسة بتعقيب د. منير الكشو.

وقد افتتح د. نادر الحمّامي اللّقاء بكلمة أطّر فيها الجلسة وقدّم الكتاب ورحّب بالضّيوف وبالحضور، وأحيلت الكلمة إلى د. محمد محجوب الذي نزّل اللّقاء حول ترجمة كتاب دووركين في إطار عام ضمن مشاريع ترجمات كبرى للفلسفة الغربيّة، يؤطّره مشروع التّأويليات ضمن عمل مؤسّسة مؤمنون بلا حدود للدّراسات والأبحاث، مبيّنا في هذا السّياق أنّ اللّقاء يعدّ بادرة نحو لقاءات علميّة وفكريّة أخرى قادمة حول سياقات متقاربة. وأشار من ثمّ إلى الطّابع التّأويلي لعمليّة التّرجمة وحدّد السّياق الذي تنتمي إليه ترجمة كتاب دووركين ضمن ترجمة الفكر الفلسفي الرّاهن المعاصر إلى اللّغة العربيّة، وتوجيه هذه التّرجمات إلى القارئ العربي المهتم بالفلسفة، واعتبر أنّ سياق البنية العقليّة للثّقافة العربيّة وطبيعة الإشكاليّة التي صاغتها عن التّرجمة يحدّدها ضمن شروط أداتيّة لا تأويلية، ما يجعل التّرجمة مستحيلة ولا يمكن أن تفي بالمعنى، واستدلّ بالنص الشّهير للجاحظ الذي يُعرف بـ ''شرائط التّرجمان''، ليقول إنّ الجاحظ وضع من الشّروط ما يجعل التّرجمة غير ممكنة نظراً لاستحالة كفاية قوّة التّمكّن من اللّسان إذا ما استُفرغت على لسانين أو على أكثر من ذلك، وإلى عدم المعرفة بدقائق العلوم بالمسائل الإيمانيّة وغير الإيمانيّة، وإلى عدم معرفة المترجم بأصول الصّناعات والمعارف... فلئن أمكن ترجمة المضامين التّقنية والإعلاميّة البسيطة والمتعارفة، فلا قِبل للغة العربيّة أن تؤدّي التّرجمة إذا تعلّق الأمر بمضامين فكريّة ذات علاقة بالمعنى. وأرجع محجوب مسألة الخطأ في التّرجمة إلى عدم التّطابق المعرفي بين صاحب النّص والمترجم، وعرض نصّا ثانيا لأبي حيان التّوحيدي من المقابسات، ليؤكّد استحالة التّرجمة حتى بعد ارتفاع موانع اللّغات الوسيطة، وقال إنّها استحالة أوّلية تعود إلى طبيعة البنية الخاصّة بهذا العلم، باعتبار أنّ كلّ ترجمة هي ترجمة للمعاني الكامنة في النّفس، واعتبر أنّ الصّعوبات تكمن في ما يعجز عنه الإنسان ولا تتعلّق بالضّرورة بإمكانيات اللّغات في ذاتها.

وانطلاقاً من اعتبار التّرجمة عبوراً بالكلام من لغة إلى لغة، سواء كان ذلك العبور مواتٍ أو غير مواتٍ، قال محجوب إنّ النّتيجة في النّهاية تبقى معروضة على الحكم والتّقدير، وإنّها تقيّم بحسب معيار المطابقة أو التّماهي مع معيار سابق من قبيل المعجم أو من قبيل قواعد المتعارف من التّساوي بين العبارات، وإنّ الأمر في التّرجمة ليس دائماً بمثل هذه البساطة حين يتعلّق الأمر بمستوى نقل الأفكار والمعاني المتلوّنة والمفكّرة وحمّالة الأوجه، وإنّ النّصوص لا نهائيّة المعنى ما يجعل الفهم مختلفاً بين لسانين أو أكثر، ويجعل غاية التّرجمة إدراك المِثل على نحو آخر لا إدراك المِثل بالمِثل. وخلص من ذلك كلّه إلى أهمّية بناء رؤية استراتيجيّة واضحة لفعل التّرجمة قائلاً ''لا مجال للتّرجمة من دون خطّة ورؤية''.  

 وأحيلت الكلمة إلى د. نوفل بالحاج لطيف ليقدّم مداخلته حول "المنزع الدينوتولوجي (الآدابي) في نظرية دووركين في الحقوق من خلال كتابه أخذ الحقوق على محمل الجدّ"، فأشار إلى أن الكتاب يمثّل إضافة مهمّة إلى مجال الدّراسات القانونيّة، وفي النّظريات المعاصرة للعدالة، وقال إنّ صاحب التّرجمة استطاع أن يجسر الهوّة بين المؤسّسات الجامعيّة المتخصّصة في القانون والحقوق والمؤسّسات المتخصّصة في الفلسفة، وقدّم بعد ذلك لمحة عن فصول الكتاب ومضامينه؛ وقد ورد الكتاب في ثلاثة عشر فصلًا مع ملحق ضمّنه النّاشر ردود المؤلف على ناقدي نظريّته في القانون والحقوق، وهم في معظمهم من أنصار اتّجاه الوضعية القانونية. وتتعلّق الفصول الأولى عمومًا بنقاش دووركين لهذا الاتّجاه السّائد في فقه القانون الأنجلو - أمريكي، وتقديم نظريّته التي يطرحها بديلًا عنه لقصوره، في رأيه، عن حماية الحقوق وأخذها على محمل الجدّ. أمّا الفصول المتبقّية، فهي لا تتعرّض فحسب إلى المسائل المتعلّقة بفلسفة القانون، وإنّما تتعدّاها إلى مسائل فلسفيّة وسياسيّة عامّة، مثل العدل والحق، وجواز عصيان القوانين في دولة ديمقراطيّة، وحدود التّسامح في مجتمع ديمقراطي مع المظاهر التي تعدّ من وجهة نظر شعبيّة مخلة بالآداب، وهل ما إذا كانت اللّيبرالية تعطي الأولويّة للحرّية أم للمساواة، ومدى مشروعية التّمييز الإيجابي في مجتمع يطمح إلى تحقيق شروط العدل بين مواطنيه. وبيّن أن دووركين قد تطرّق في كتابه إلى هذه المسائل محاولاً إبراز قوّة الموقف اللّيبرالي الذي يتبنّاه ويدافع عنه واتّساقه حيالها. وقال إنّ مهمّة دووكين في هذا الكتاب هي وضع تعريف لنظريّة في القانون تكون حقّاً فعليّاً خلافاً للنّظرية السّائدة التي تزعم أنّها ليبراليّة، وتتكوّن من التقاء المذهبين الوضعي والنّفعي.

وفصّل بالحاج لطيف فكرة المداخلة في مستويين؛ المستوى الأوّل حول أسبقيّة المبادئ أو الحقوق على القواعد، والمستوى الثّاني حول أسبقيّة المساواة على الحرّية، وخلص من ذلك إلى اعتبار أنّ دووركين يقوم بربط الصّلة بين الأخلاق والقانون والسّياسة على قاعدة أولويّة الحقوق وعدم جواز مقايضتها بأهداف سياسيّة عامة حتى ولو كان فيها خير للمجموعة ككل. وقال إنّ دووركين يلحّ على الطّابع المتحرّر من صرامة القاعدة لما يسمّيه بالمبادئ، وإلاّ فقدت هذه المبادئ طابعها المتراوح على الدّوام بين الصحّة والخطأ. وبيّن أن "الوضعية" التي ينتقدها دووركين تؤمن بالسّلطة التّقديرية للقاضي مع اعتبار أنّ هذه السّلطة ليست مطلقة، وإنّما هي مقيّدة بالنّصوص القانونيّة. وأشار إلى أن على القاضي الاجتهاد في اكتشاف القاعدة المناسبة للحالة وخاصّة عندما يتعلّق الأمر بالبتّ في الحالات المستعصية.

وأحيلت بعد ذلك الكلمة إلى الأستاذ شاكر الحوكي، فقدّم مداخلة بعنوان "قراءة في كتاب دووركين". من أهمّ ما جاء فيها أن الكتاب مهم ومليء بالمفاهيم الدّقيقة القانونيّة والفنّية، وأنّه يستدعي دائماً الشّرح والتّفصيل، وقال إن نظريّة دووركين من خلال هذا الكتاب تقوم على نسف النّظرية القانونيّة الوضعيّة السّابقة عنه، وفصّل القول في العناصر التي يقوم عليها ذلك بدءا بالتمسّك بالقواعد من خلال الاعتراف للقاضي بالسّلطة التّقديرية ثم الالتزام بالبنائيّة الصّارمة، وبيّن أنّ الاتّجاه الذي ساد الدّراسات القانونيّة إلى حدود منتصف القرن العشرين يؤكّد على وجوب المقاربة التّحليلية للقانون بوصفه نصوصاً وتشريعات قائمة لتبيين معناها القانوني المميّز، وأنّ رجال القانون لم يربطوا تلك القوانين بمسائل تتجاوز القانون لتمسّ قضايا أخلاقية، وأنّ القاضي في المادة الجزائية يعالج مسالة الخطأ أو الذنب ويصدر أحكاما تتوافق عموما مع النّصوص إذ يشترط لوجود كل جريمة نصّا محدثا لها ويقتضي عقابا لمرتكبها، فلا جريمة ولا عقاب ولا ذنب إلاّ بنصّ سابق الوضع، وأنّ مصدر التّجريم باعتباره جوهر المادّة الجزائية ينحصر في النصّ التّشريعي وتحديد الأفعال التي تعتبر جرائم وبيان أركانها وتحديد الجزاء المقرّر لها من حيث نوعها أو مقدارها، وأشار إلى أنّ رجل القانون لا يطرح على نفسه مهمّة تعريف الذّنب أو التّفكير في مفهومه وفق المدوّنة القانونية ووفق استعمال عامّة النّاس في لغة التّخاطب اليومي. وبيّن أنّ دووركين يرى أن رجال القانون يواجهون هذا المشكل ولكنّهم يختلفون في معالجته، لأنّهم يستخدمون مفهوما للذّنب من طبيعة غير قانونية لتسويغ القانون أو لتفنيده. واعتبر الحوكي أنّ دووركين قام بعزل مجال التّفكير في القانون عن المجالات المجاورة له والمتداخلة معه مثل مجال الأخلاق والسّياسة والثّقافة العامّة للمجتمع وما تحمله من مواقف وتصوّرات تؤثّر في صوغ الأحكام، وأنّ لغة القانون لا يمكن أن تكون مجرّدة وموضوعيّة إلى الحدّ الذي تكون عليه لغة علوم الطّبيعة.

وانتهت الجلسة بتعقيب صاحب التّرجمة د. منير الكشو على ما تناوله المتدخّلون، وأشار بداية إلى الصّعوبات التي واجهته في ولوج عالم فكري فلسفي جديد تمثّل بالنسبة إليه في فلسفة جون روولز ومنه إلى دووركين وفلاسفة اللّيبرالية الأمريكيّة ما يحتاج إلى أدوات ومفاهيم ومصطلحات وطقس فكري مختلف عن الفلسفة الأوروبيّة، وتطرّق من ثمّ إلى بعض المفاهيم التي تعلّقت باللّيبرالية الأمريكيّة ومنها النّزعة النّفعيّة التي أشار إلى أنّها فهمت في أوروبا، باعتبارها الأنانية المفرطة أو الإفراط في حبّ الذّات، في حين أنّها تعلّقت في أمريكا بجانب المنفعة العامّة، وكان لها أثر مهم على الجانب الاقتصادي... وتطرّق في كلمته إلى مسائل تهمّ التّرجمة في إطار عمليّة التلقّي، معتبراً وجوب أن يتم التّعامل مع التّرجمات باعتبارها مراجع يقع الاعتماد عليها في بناء منطلقات فكريّة وبحثيّة، وعدم الاكتفاء دائما بالعودة إلى العمل الأوّل في لغته الأصلية. 

البحث في الوسم
رونالد دووركين