جلسة علميّة بعنوان: "الأقليّات الدّينيّة في ديار الإسلام"

فئة: أنشطة سابقة

جلسة علميّة بعنوان:  "الأقليّات الدّينيّة في ديار الإسلام"

انتظمت بمقرّ مؤمنون بلا حدود وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة، بتونس العاصمة، السبت 07 أبريل الجاري، جلسة علميّة بعنوان: "الأقليّات الدّينيّة في ديار الإسلام"، بمشاركة كلّ من دة. هنيدة حفصة بمداخلة تحت عنوان "المجوس أهلَ ذمّة: بحث في جدلية التصوّرات والأحكام"، ود. فوزي البدوي بمداخلة تحمل عنوان "من الذمّة إلى المواطَنة"، وأدار الجلسة د. نادر الحمامي.

وقد عرضت مداخلة دة. هنيدة حفصة التّصوّرات التي رافقت المجوس، وهم يعيشون بين المسلمين، واهتمّت بالخصوص بتمثّل مفهوم أهل الذّمّة وملامح تصوّر المسلمين له، والمرحلة التّاريخية التي نشأ فيها هذا التّصوّر، والتحوّلات التي طالت شحنته الدّلاليّة من مرحلة إلى أخرى. وانطلقت بطرح ثلاثة تساؤلات محويّة؛ من هم المجوس؟ ثمّ من هم أهل الذّمّة؟ وما القصد من جدليّه التّصوّرات والأحكام؟

وقد ذكرت المتدخّلة أنّ المجوس في تصوّر المسلمين هم أصحاب "زرادشت"، وقالت إنّ ديانتهم الزّرادشتيّة، وهي من الدّيانات الهندو-إيرانية الثّانويّة، وأنّها امتازت بالدّعوة إلى عبادة "هورامزدا" باعتباره ربّاً خيّراً متعالياً على جميع الآلهة الإيرانيّة القديمة في القرن السّابع قبل الميلاد. وأشارت من ثمّ إلى تطوّر مفهوم أهل الذّمّة؛ فقد كان يعني في الفترة الأولى المُصالحين عموماً على غير المال، ثمّ تحوّل بعد ذلك ليعني المصالحين على الجزية. وقالت إنّ المجموعة المصالحة على غير المال قد اندثرت، ولم يبق إلاّ المجموعة المصالحة على المال وهي مختلفة في الأديان وفي الأنساب، وفي فترة لاحقة اعتُبر أهل الكتاب هم المصالحون على الجزية. وقالت إن مفهوم أهل الذّمّة يواكب خصوصيّات المسلمين وحاجياتهم، فقد احتاج المسلمون في البداية إلى الاعتراف والنّصرة، فعقدوا نوعين من الصّلح، ولكن بعد ذلك احتاجوا إلى المال لفرض السّيطرة ولم يعودوا بحاجه إلى الاعتراف ولا الأمان ولا النصرة، وفسّرت بذلك كيف أنّ التّفكير في طبيعة الدّين كتابيّا أو غير كتابيّ جاء في زمن متأخّر عن التّعاقد بالذمّة ولم يكن ذلك إلاّ في العهد العبّاسي، وبالتّالي انحصرت الجزية في أهل الكتاب، وقد ترتّب عن ذلك تصنيف الأديان إلى كتابيّة وغير كتابيّة والمفاضلة بينها.

وقالت إن اعتبار المجوس أهل ذمة تصوّر واكب حركيّه مفهوم أهل الذّمّة، وتحكّمت في شروطه الدّلالية ظروف المسلمين وحاجياتهم، فانتقل المجوس من أهل ديانة مصالحين بمعنى أنّهم يدفعون الجزية باعتبارهم مجوساً، إلى مجوس يدفعون الجزية على أنّهم أهل كتاب أو ذوي شبهه أنّهم أهل كتاب، لأنّهم في البدء لم يُسألوا عن دينهم ليكونوا أهل كتاب، فلا نصّ يشير إلى أنّ النّبيّ سألهم إن كانوا أهل كتاب أم لا. واعتبرت أنّ التّفكير في كتابيّة دين المجوس جاء متأخّرا، وهو ناتج عن التّقعيد الفقهي للجزية، وأنّ إدخال المجوس ضمن الدّائرة الكتابيّة وإخراجهم منها لا يعبّر عن اهتمام المسلمين بمعرفه الأديان المختلفة عنهم، وقالت حتّى تلك النّصوص التي اعترف فيها الشّافعي أو الشّهرستاني بالمجوس لا تذكر "الأفيستا" ولا تذكر "زرادشت"، فهي معرفه من داخل الدّائرة الإسلاميّة لا من خارجها، لذلك لم يكن هناك اطّلاع على المجوسيّة إلاّ في الفترات المتأخّرة ومن خلال كتابات أخرى من خارج دائرة الفقه.

وخلصت هنيدة حفصة إلى أنّ ذلك يعكس طبيعة تعامل المسلمين مع الدّيانات الأقلّيّة التي تعيش بينهم، كما يعكس تصوّراتهم للآخر وإمكانيّات فهمهم للمختلف عنهم، وبالتّالي محدوديّة قدرتهم على التّعايش والتّواصل الدّيني والاجتماعي والثّقافي، ما انعكس بأشكال مختلفة على تمثّل المجتمعات الإسلاميّة للعقائد انطلاقاً من مركزيّة الذّات المسلمة وهامشيّة ما حولها.

واعتبر د. فوزي البدوي في مداخلته "من الذمّة إلى المواطَنة"، أن موضوع الذّمّة الذي يعود ليطفو على السّاحة الإسلاميّة كلّما جدّت توتّرات دينيّة وسياسيّة، كان من المفروض أن ينتهي مع نشوء الدّولة الوطنيّة الحديثة في العالم العربي التي تنصّ معظم دساتيرها على مفهوم المواطنة، ما يقتضي المساواة بين جميع الأفراد في الحقوق والواجبات وعدم التّمييز على أساس دينيّ كما كان الحال في القرون الوسطى، وبيّن في هذا السّياق كيف أن بعض الظّواهر الإسلاميّة العنيفة مثل ''القاعدة'' و''داعش'' تدعو إلى تطبيق نظام الذّمّة ودفع الجزية على مسيحيي البلاد العربيّة وعلى الأقليّات الدّينية الأخرى، بل وتقوم بفرض ذلك عمليّا في الأقاليم التي حقّقت فيها سيطرة. وخلص من ذلك إلى التّساؤل: ''لماذا نعيد في كل مرّة الحياة إلى مفاهيم من المفروض أنّها انتهت؟''.

وأرجع عودة الذمّة إلى خلل في التّصوّر الإسلامي الحديث لمفهوم المواطنة، ما يجعل صورة الإسلام والمسلمين لدى الشّعوب الأخرى متدنّية وغير مستجيبة لمعايير حقوق الإنسان، وقال إن على العرب والمسلمين اليوم أن يعوا أنهّم أمام سياق تاريخيّ جديد وخطير يتنافى مع معظم الممارسات الدّينية والسّياسيّة القروسطيّة ويعرّضهم إلى الكثير من الاتّهامات؛ وعرض بعض الكتابات التي تصنّف العرب والمسلمين في سياق ما يعرف بمناهضة السّاميّة، من ذلك كتابات جيزال ليتمان (Giselle Littman) التي تخصّصت في إشاعة فكرة أن المسلمين والعرب ينتجون شكلاً جديداً من معاداة السّاميّة رغم انتمائهم إليها. وعرّج من ثمّ على ثلاثة نماذج تاريخيّة اعتمدتها تلك الكتابات في بناء تصوّر لنظام الذمّة القديم والقول بأنّه يؤسّس للوعي الإسلامي الحديث في تعامله مع الدّيانات الأخرى؛ أوّل تلك النّماذج صحيفة النّبي ''دستور المدينة"، ثمّ حادثة بني قريظة، ثمّ الشّروط العُمريّة.

وقال البدوي إنّ صحيفة النبي لم تعمّر إلا لفترة قصيرة من الزّمن فهي تؤرّخ لتنظيم العلاقات في يثرب بين "جماعة المؤمنين" واليهود بعد السّنة الخامسة للهجرة حين أدرك الرّسول أنّ اليهود لن يؤمنوا به، فقرر إخراجهم من أمّته ومن ثمّ إخراجهم من يثرب على اعتبار أنّها مدينة المسلمين، وبدأ بتصفيتهم عسكريا لكنّه حفظ لهم وضعيتهم الدّينية بأن اعتبرهم أهل كتاب كما حفظ لهم وضعيتهم "التّنظيميّة" بأن اعتبرهم أهل ذمّة، وقال البدوي إن هذا يدلّ على أن الإشكال بين الرّسول واليهود لم يكن إشكالاً دينيّاً.

وأشار بعد ذلك إلى ''مجزرة بني قريظة'' التي يبني عليها الغرب نوعاً من التّفسير للمجازر التي ترتكبها ''داعش'' باسم الإسلام، انتهاءً إلى القول بأنّ العنف متأصّل في التّراث الإسلامي، وأنّ الرّسول كان يفعل الشّيء ذاته، وقال إن حادثة بني قريظة التي رواها ابن هشام هي رواية مركّبة، لأنّه استند فيها إلى أناس من اليهود الذين أسلموا، وهؤلاء قاموا بمزج نواة حقيقيّة لما وقع ورواية أخرى من التّاريخ اليهودي حول "مجزرة ماسادا" أثناء الاحتلال الرّوماني لفلسطين، وانتهى البدوي إلى التّشكيك في حادثة بني قريظة وتمثّلاتها قائلا، إنها لم تتحوّل إلى سُنّة تحكم تعامل المسلمين مع اليهود.

وقال إن نص الشروط العمريّة الذي أصبح يُستثمر اليوم بكثرة في هذا السّياق المعادي للإسلام والمسلمين، لا يمكن الوثوق في صحّة نسبته، واستدلّ على ذلك بأنّ أصداءه لم تظهر لدى المسلمين إلاّ في حدود القرن الرّابع الهجري، إضافة إلى أنّه ورد في عدد كبير من الرّوايات المختلفة، وفيه إشارات غير واضحة من بينها القول بأنّ الشروط العمريّة وضعها نصارى الشّام على أنفسهم.

وختم البدوي مداخلته بالقول، إن في هذه النّماذج الثلاثة التي تستند عليها الكثير من الدّراسات والحملات المسيحيّة والصّهيونيّة ضدّ العرب والمسلمين، مآخذ تاريخيّة كبرى لا يمكن إغفالها، كما لا يمكن التّسليم بصحّة جانب كبير من التّراث وأخذه على اعتبار أنّه حقائق موثوقة، كما هو الشّأن بخصوص مسألة الذمّة، لما لها من تداعيات عابرة للتّاريخ ومؤثّرة في الحاضر والمستقبل معاً.