جلسة علميّة حول كتاب: "نساء في عرين الأصوليّة الإسلاميّة" للإعلاميّة رباب كمال

فئة: أنشطة سابقة

جلسة علميّة حول كتاب: "نساء في عرين الأصوليّة الإسلاميّة" للإعلاميّة رباب كمال

انتظمت بمقرّ مؤمنون بلا حدود وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة، بتونس العاصمة، الأربعاء 11 أبريل الجاري، جلسة علميّة حول كتاب الإعلاميّة والنّاشطة الحقوقيّة رباب كمال: "نساء في عرين الأصوليّة الإسلاميّة" بحضور الكاتبة، وقد قدّمت دة. هاجر خنفير قراءة في الكتاب، إلى جانب د. نادر الحمّامي الذي أدار الجلسة وقدّم مداخلة حول مسائل الكتاب.

وأشارت دة. هاجر خنفير في البداية إلى ما يحيل عليه الكتاب من مدارات معرفيّة سياسيّة واجتماعيّة، إذ يحتوي على كمّ كثيف من الأخبار حول مظاهر الأصوليّة الإسلاميّة وعلاقتها بالنّساء في كثير من المراحل التّاريخية وفي أمكنة متعدّدة، وانطلقت من التّساؤل حول القدرة على التخلّص من سطوة النصّ واستلهام المعنى والتّفاعل الإعلامي من خلال تنزيل الأفكار في مجال التّواصل الافتراضي، والبحث عن أصدائه عبر تلقّي ردود أفعال القارئ المتعدّد ومواقفه ورؤاه حول مضامين ما يُكتب ومقاصده ودلالاته. كما أشارت إلى صعوبة ترتيب مواد الكتاب وأحداثه التي تراوحت بين الأخبار والتّحليل ودراسة شبكة العلاقات بين الكاتب والنّص والواقع.

وتوقفت في مستوى العنوان عند تركيب ''عرين الأصوليّة'' قائلة إنّه شكّل في بعده الاستعاري نقطة إشعاع دلالي، باعتبار ما يحمله من شحنة رمزيّة ومن إحالة على المِنْعة والقوّة، واعتبرت أنّ ذلك يوحي للقارئ بالمعنى الذي يقوم عليه مفهوم الأصوليّة، وهو أنّه كلّما زاد التشبّث بالسّلف زادت القوة وتحقّق البقاء والثّبات، وقالت إنّ تلك المرجعيّة هي التي يقوم عليها التمثّل الثقافي الذي يحاول أن يكون ثابتاً ويخشى مسارات الاختلاف والتنوّع. وأضافت أنّ قوة العرين ومِنعته لا يخفيان وجود شروخ كثيرة وثغرات، معتبرةً أن السّياج الدّغمائي الذي يحرص الأصوليّون على تأمينه بمقاومة كلّ تجدّد لم يستطع الانعتاق من فكرة الهويّة الإسلاميّة القاعديّة، والحال أنّ الأصوليين يشكّلون هويّات متعدّدة وكل هويّة تحاول أن تمتلك سلطة تمثيل الهويّة الإسلاميّة القاعديّة، وأشارت إلى أنّ ما يجمع هذه الهويّات كلّها هو استبطان السّرديات الدّينية المسيّجة لهويّة الأنثى، وما ترتّب عنها من أحكام فقه النّساء التي تضبط أدوارهن وتحدّد مواقفهن... واعتبرت أن حضور النّساء في عرين الأصوليّة هو في الآن ذاته حضور في عرين سلفيّات قابلة للتّشابك والاندماج حيناً وممعنة في التّدافع والمزايدات من أجل إثبات خطأ الخصم حيناً آخر، واستنتجت من ذلك أن إمعان الأصوليّات في رفض سياقات التّغيير الممكن في المجتمعات العربيّة والإسلاميّة الحديثة يكون على قدر خوفهم من الحرّيّة عامّة ومن حرّيّة النّساء خاصّة.

وقالت إن الكتاب، في اختصاصه بالنّساء من خلال أبوابه السّبعة، يشير إلى دلالة تطابق جميع النّساء في الفهم الأصولي الذي ينفي عن المرأة بعدها الذّاتي، ورأت في ذلك إشارة إلى التّوتّر الذي يعتري الأصوليّات نتيجة تنامي الدّعوة إلى المساواة بين الجنسين عقب أحداث الثّورات العربيّة وارتفاع منسوب الوعي المدني، وعرّجت على ما يكشفه الكتاب من مواطن تجاذب بين النّساء والفضاء الأصولي، وقالت إن الكتاب يعيد طرح دور مؤسّسة الأزهر، باعتباره عريناً للأصوليّة، وأنّ شعار الوسطيّة الذي تتخفّى وراءه هذه المؤسّسة الدّينية الرّسميّة ليس إلاّ وجهاً آخر للأصوليّة يتجاوب مع بقيّة الأصوليّات المتطرّفة، وبيّنت كيف ينّبه الكتاب إلى أن أخطر عرين على النّساء هو تلك المؤسّسات المسنودة من قِبل السّلطة، وأضافت أنّ تلك الخطورة تتجلّى من خلال بحث الكاتبة عن ''الوسطية التّائهة''. وخلصت هاجر خنفير في قراءتها إلى اعتبار أنّ بنية الكتاب انعكاس لتجربة ذاتيّة قصيرة انطلقت في رحاب الأخوات المسلمات وانتهت بقطعها معهن، وانطلاقها في البحث عن أثر التّطوّر الأصولي في الواقع العربي وتأمّل الأصوليّات للكشف عن ظاهر الاختلاف وباطن الائتلاف. واعتبرت أن الكتاب بحث متواصل عن الذّات يتجاوز حدود المؤلَّف إلى المواقع الإلكترونيّة والاجتماعيّة.

وتناول الكلمة بعد ذلك د. نادر الحمّامي، فأشار إلى أن عبارة "النّساء" الواردة في العنوان تنتمي إلى بنية ذهنيّة قديمة وأصوليّة وتنطوي على تغييب للمرأة، باعتبارها فرداً، لذلك لم يتحدّث الفقه مثلاً عن أحكام المرأة، بل تحدّث عن أحكام النّساء. وتساءل من ثمّ عمّا وراء الكتاب قائلاً، إنّ ما يقود فكر رباب كمال في هذا الكتاب وما يوجّهه هو ما قاله الإمام على المنبر ''رفقاً بالقوارير''، واعتبر أنّ ما أثارته هذه الكلمة في نفس الكاتبة قد خلخل الكثير من المسلّمات لديها، وجعلها تحسّ بأنّها إنسان كامل الحقوق والمواطنة وليست بحاجة إلى من يحميها، الأمر الذي مثّل دافعاً أساسيّا باتّجاه رفض الأصوليّة التي ما فتئت تعود وتُعيد معها مناخات قديمة تحت مسمّى الصّحوة الإسلاميّة، وما رافق ذلك من تراجع في مستوى الخطاب وفي مستوى الأفكار. وأضاف إلى ذلك ما اعتبر أنّه خلل أصاب المجتمعات العربيّة والإسلامية ومنعها من التّعايش مع الحداثة بالشّكل الأمثل، قائلاً إنّ الثّورة المعلوماتيّة الحديثة كشفت عن بنية ذهنيّة راسخة في التّخلّف رغم قشور الحداثة، وقال إن ذلك كان دافعاً لرباب كمال حتى تنتقد ما تسمّيه ''الحداثة الشّكليّة''. واعتبر من ثمّ أنّ الكتاب يفضح وهم الأصوليّة كما يفضح وهم الحداثة قائلا، إنّ كليهما يلتقيان أكثر ممّا يفترقان، بل ويتفقان تحت شعارات "الوسطيّة الموهومة".

وعبّر الحمّامي عن أهمّية المنطلقات التي تشتغل ضمنها رباب كمال، وقال إنّها لا تكتب من زاوية نسويّة، كما لا تَعتبر قضايا المرأة قضايا نسويّة، وإنّما تعتبرها جزءاً لا يتجزّأ من قضايا حقوق الإنسان، وتنظر إليها في إطار إنساني وكونيّ، وقد ثمّن تلك المنطلقات واعتبر أنّها خطوة مهمّة على الطّريق الصّحيح في اتّجاه انتزاع الحقوق، مبيّنا أنّ إكساب الحقوق هويّة خاصّة من شأنه أن يعيق تحصيلها وأن يجعلها باطلة فتستحيل إلى مجرّد ''إيديولوجيا محنّطة''. وأكّد على أن تحصيل الحقوق لا يخضع لأولويّات أو لمعايير ترتيب أو انتقاء بحسب الأهواء أو الانتماءات أو الإيديولوجيّات، وإنّما هو تحصيل جامع ومتواصل.

وأحيلت الكلمة إلى صاحبة الكتاب فعقّبت على بعض ما ورد في المداخلتين من ملاحظات، وقالت إنّ هاجسها الأساسيّ منذ مؤلّفاتها السّابقة كان ''تحطيم أصنام العقل" لما يرتبط بها من قمع ذاتي يمارسه الإنسان على نفسه، واعتبرت من ثمّ أنّ قضيّة المرأة لا يمكن أن تكون قضيّة خاصّة بها وحدها، وإنّما هي قضية المجتمع بأكمله، وقالت أنّها لم تخض هذا المجال في كشف الأصوليّات من زاوية نسويّة، وأنّها لا تقدّم نفسها باعتبارها كاتبة نسويّة، لأنّ قضيّة الحقوق إنسانيّة ولا يمكن تخصيصها، وعرضت جملة من الأمثلة عن حقوق المرأة في المجتمعات العربيّة واختلاف وجهات النّظر فيها بين دعاة النّسويّة المدنيّة ودعاة النّسويّة الإسلاميّة، وبيّنت أنّ كِلا الطّرفين لا يعبّران عن حقوق المرأة من زاوية إنسانيّة، فلئن كانت النّسويّة المدنيّة تقصي جانباً مهمّاً من الرّجال المدافعين عن حقوق المرأة ويتمّ اجتزاؤها في كثير من الأحيان في معاداة الرّجل، فإنّ النّسويّة الإسلامية تُقصي جانباً هامّاً من الحقوق بالقول ''لا حقوق خارج إطار الشّريعة الإسلاميّة''، فيتمّ اجتزاؤها أيضاً في معاداة المرأة لحقوقها الإنسانيّة. وعلّقت على ذلك بالقول: ''إنّ أكثر الطّرق تشويهاً لقضيّة المرأة هي أن ترفض المرأة نفسها حقوقها الإنسانيّة''.

وعرّجت رباب كمال على بعض الخلاصات التي استفادت منها بعد تجربتها مع الإخوان المسلمين، ومن بينها أنّ الأصوليّة لا تقتصر على فكر الإخوان وحدهم، وإنّما تمتدّ إلى فكر دعاة الدّولة المدنيّة أيضاً، وعبّرت عن ذلك بالقول إنّ من الخطأ اعتبار أنّ دعاة الدّولة المدنيّة أكثر حداثة من الإخوان المسلمين، وإنّما وجب القول إنّهم أقلّ تزمّتاً منهم فحسب. وقالت إنّ معايشتها للإخوان هي التي دفعتها إلى تأليف الكتاب محاوِلةً الجمعَ فيه بين سرد واقع التّجربة الخاصّة ثمّ عرض الأخبار بالنّظر إلى أنّ للخبر قوّة تأثير في الثّقافة السّمعيّة للنّاس، ثمّ العودة إلى المصادر الفقهية والفكريّة لأنّها تؤسّس لما يحدث. وبيّنت أن هذا التّمشّي يصل في النّهاية إلى كشف نقديّ لما يترسّخ من نتائج، من ذلك القول بأنّ الإسلام كرّم المرأة وأنّه كفل لها حقوقاً كثيرةً وأنّ ما تظنّ أنّه عدم مساواة في الإرث على سبيل المثال يكفل لها في بعض الحالات نصيباً أكبر من نصيب الذّكر... وخلصت إلى القول إن المرأة اليوم لا تحتاج تكريماً بل تحتاج حقوقها الإنسانيّة فحسب، معتبرةً أنّ القول بتكريم الإسلام للمرأة ليس إلاّ سدّا لباب النّقاش ليستمرّ الحال على ما هو عليه.

البحث في الوسم
رباب كمال جلسة علميّة