جلسة علميّة : "التّصوّف الإسلامي: الأثر والتّأثير"

فئة: أنشطة سابقة

جلسة علميّة : "التّصوّف الإسلامي: الأثر والتّأثير"

نظمت مؤمنون بلا حدود للدّراسات والأبحاث وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة، بتونس العاصمة، السبت 17 مارس الجاري، جلسة علميّة بعنوان: "التّصوّف الإسلامي: الأثر والتّأثير" تضمّنت مداخلة دة. سارة الجويني حفيز (تونس)، بعنوان: "صورة المسيح في التّراث الصّوفي الإسلامي"، ثمّ مداخلة د. محمد يونس مسروحين (إندونيسيا)، بعنوان: "ابن عربي بين صوفيّة المغاربة وصوفيّة أهل جاوة: نحو حفريات مركزيّة الوجود في التّعامل مع تراث الشيخ الأكبر"، وأدار الجلسة د. نادر الحمّامي.

واعتبرت دة. سارة الجويني حفيز في مداخلتها أن الأديان جميعها تقوم على ثنائيّة التّأثير والتأثّر، وأنّ فلسفة الأديان نظرت في العلاقات بين الإنسان والعالم من تلك الزّاوية، وحاولت منذ القديم أن تصوغ أجوبة حول الأسئلة التي تطرحها اعتماداً على مقاربات ثلاث؛ أوّلها الضّمير الأخلاقي ثمّ الدّليل الكوني الذي يبوّب الوجود الإنساني ضمن ترتيب معيّن، ثمّ دليل القدرة الإنسانيّة من خلال بناء مقارنات حول الأديان. كما اعتبرت أنّ الدّين جهاز تفسيري يقوم على ثنائيّة التّأثير والتّأثّر أكثر من كونه جهازاً اعتقاديّاً منفصلاً بذاته عن بقيّة المعتقدات السّابقة عنه. وقالت إن أنثروبولوجيا الدّين تحرّرنا من القبْليّات، لأنّها تتفحّص الإنسان في تطوّره بغض النّظر عن المسلّمات الاعتقاديّة حوله. وعرضت من ثمّ الدّراسات التي تعلّقت بمسألة الأثر والمؤثّر في ثلاثة اتّجاهات؛ يقول الاتجاه الأوّل بتواطؤ التّجربة البشرية، من خلال تكرّر المفردات الدّينية والإيمانيّة ذاتها في جميع الأديان، ويقول الاتّجاه الثّاني بالتّلاقح الثّقافي والفكري الإنساني بغضّ النّظر عن الاختلافات الاعتقاديّة، في حين يقول الاتّجاه الثالث بوحدة الدّين واختلاف طرق الوصول إليه.

وقدّمت المتدخّلة العديد من الأمثلة عن ذلك من ديانات مختلفة، سماويّة وغير سماويّة. ونزّلت في هذا السّياق اهتمامها بدراسة صورة المسيح في التّراث الصّوفي الإسلامي، معتبرة أن جميع الدّيانات نظرت إلى الإنسان في بعده الرّوحي والأخلاقي، وأنّ ما اختصّ به المسيح من نعوت وتلميحات وصور، وما انطوى عليه التّراث الصّوفي الإسلامي من اهتمام فائق بصورة المسيح، لا يمكن أن يخلو من دلالات، وجب الاهتمام بدراستها. وأشارت إلى أن المتصوّفة المسلمين عدّوا المسيح طوراً من أطوار المعرفة اللّدنيّة، التي على القطب أو الوليّ أن يمرّ بها، وأنّ ذلك لا ينفصل عن تصوّرهم للحقيقة التي هي واحدة تتجلّى على لسان الأنبياء والحكماء عبر كل زمان.

وقالت إن صورة المسيح مكّنت المتصوّفة المسلمين من الظّفر بالهويّة الغيبيّة، لأنّ المسيح يجمع الطّبيعة البشريّة بالطّبيعة الإلهيّة، وأنّه لذلك اهتم المتصوّفة بالنّسب الإلهي للمسيح، لأنّ الحياة في نظرهم من خواص الحضرة الإلهيّة. ولذلك سميت الحياة السّارية في الأشياء لاهوتاً والمحلّ القائم به ذلك الرّوح الحيّ ناسوتاً. كما قالت إن المسيح استطاع بذلك تحقيق رغبة المتصوّفة في التّوق إلى الاتّصاف بأوصاف الله عن طريق الخوارق التي ظهرت على الأولياء عموماً، وتجسّدت في المسيح خصوصاً. واعتبرت أن الفكر الصّوفي مع ذلك كان مخلصاً لصورة الإنسان فيه، وأرجعت ذلك إلى تركيبة الإنسان نفسه التي ترى الأشياء فوق ذاتها.

ورأت أنّ ذلك الاهتمام يعبّر عن تأثّر متصوّفة الإسلام بالنّموذج الأعلى، كما يمكن النّظر إليه على أنّه محاولة للنّفاذ إلى الخواص الإلهيّة، وقالت إن المسيح رمز للاتّحاد بالله، وأن ذلك الرّمز راسخ في آثار متصوّفة الإسلام. وخلصت إلى اعتبار أن جماعات المؤمنين من المسيحيين والمسلمين لا تزال تعتقد أن السيد المسيح في الأناجيل ليس هو السيد المسيح ذاته في الخطاب القرآني، وأن الإله المسيحي هو غير الإله الإسلامي، كما أن تعاليم المسيح وتعاليم الخطاب القرآني لا تتوافق في الجوهر، وأن منطق أن الله ينتمي إلينا دون غيرنا لا يزال هو السّائد.

وعقّب د. نادر على المداخلة بالقول إنّها تدعو إلى التّفكير في الكثير من المسائل، وأشار إلى ضرورة إعادة النّظر اليوم في الكثير من المصطلحات الكبرى من قبيل البحث في الدّين عن بعده الإنساني أو أنسنة الدّين، واعتبر أنّ مسألة التّأثير والتأثّر وتواطؤ التّجربة الإنسانيّة والتّلاقح الحضاري ووحدة الدّين وتشعّب طرق الوصول إليه، تدلّ على أنّ الإنسان هو نفسه في كل زمان ومكان، واستخلص من ذلك أنّ تجربة الإيمان فرديّة ذاتيّة وروحيّة، وأنّ المشكل يكون مع اعتبار الإيمان جماعيّا، فيتحوّل بذلك إلى دوغمائيّات أو أرثوذوكسيّات تمثّلها المؤسّسة الدّينية. وقال إن أهميّة التّجربة الصّوفيّة تكمن أساساً في خرق النّظام الذي حاولت المؤسّسة الدّينية فرضه، وأنّها تدعو إلى ترسيخ سلطة روحيّة فرديّة في مقابل السّلطة الدّينية والسّياسية.

وأحيلت الكلمة من ثمّ إلى د. محمد يونس مسروحين فقدّم لمداخلته بالإشارة إلى أنّه يهتمّ بابن عربي، ليظهر جانباً جديداً من تجربته انطلاقاً من اعتبارها نتاج وعي بشري في اكتشاف أبعاد الوحي النّبوي. كما اعتبر أنّ تجربة ابن عربي في الخطاب الصّوفي قد أنتجت لغة جديدة أثّرت إلى حدّ كبير في صوفيّة المغاربة والمشارقة وأهل جاوة (الاسم القديم لإندونيسيا)، كما أثّرت في الطّرق الصوفيّة واستكمال تكوّن نظامها المعرفي، وساهمت في ظهور طرق جديدة.

ولاحظ أنّ المتصوّفة قد استقبلوا تجربة ابن عربي لإثبات وحدة الوجود، واهتم من ثمّ ببحث الدّراسات التي اهتمّت بابن عربي، وقسّم النّظر فيها إلى دراسات تطبيقيّة تعتبر الصّوفيّة تجربة سلوكيّة وتبحث في عدم مطابقتها للدّين من خلال التّركيز على حياة ابن عربي. ودراسات خطابيّة تعمل على كشف تاريخ التّجربة وبنيتها المعرفيّة وعلاقتها بالجوانب الأخرى، وتنظر إليها على أنّها تحصيل معرفي بحت عن ابن عربي.

واهتمّ بعد ذلك، بظروف الصّوفية المغاربة من خلال خطاب ابن عربي، الذي اهتمّ بكتابة سير شيوخه وإدخال تجربتهم في دائرة الخطاب ليساهموا في تحقيق البنية المعرفية الصّوفية وتكوينها، فزادوا بذلك صبغة صوفيّة غير الصّبغة التي سادت عند المشارقة، وقال إن ابن عربي "أدهش" المشارقة بحكاياته عن المغاربة، فانتبهوا إلى تجاربهم ممّا أنتج سياقات تنافسيّة لاواعية بينهم.

واعتبر مسروحين أنّ ابن عربي قد أنتج بذلك لغة جديدة في الخطاب الصّوفي، تعكس التّجربة وتحقّقها في الواقع الخطابي وتُطوّر البنية المعرفيّة الصّوفية وتُناظر البنية الفلسفيّة وتُحاورها في تقويم الحقيقة الإنسانيّة والمعرفيّة، وأنّ هذه اللّغة الصّوفيّة الجديدة قد أثّرت في الخطاب الصّوفي في عصر ابن عربي وفي العصور اللاحقة عنه في العالم الإسلامي عموماً. واعتبر أنّها تمثّل دفاعاً خطابيّا وواقعيّا جديداً عن الصّوفية، سار فيه ابن عربي، وتبنّاه من بعده متصوّفة آخرون مستلهمين من تجربته. وقد عرض المتدخّل بعض تلك التجارب وآليات تأثّرها بابن عربي؛ ومن بينها تجارب المغاربة، إضافة إلى تجارب المشارقة، وبيّن في هذا السّياق كيف أن الجاويين الملاويين استفادوا من تجربة ابن عربي بتقنين تجاربهم بصورة أقرب إلى تجربته، فاتّسم خطابهم بسمة الصّوفية الوجوديّة، ما جعله عرضة للانتقاد من الفقهاء المتعصّبين ممّن لا حظَّ لهم بذوق التصوّف.  

واعتبر محمد يونس أنّ التحقّق المعرفي لتجربة ابن عربي في مسيرة التّكوين الخطابي مرتكز في البعد الوجودي؛ وقال إن سيادة الوجودية تمكّن من ظهور الانتقادات التي تخالف واقع التّجربة الصّوفية بمجرّد وجود التّشابه الوجودي السّطحي مثل وحدة الوجود من المنظور الكلامي والسّلفي الجديد. وانتقل من ثمّ إلى الحديث عن ثنائيّة الوجود والزّمان عند ابن عربي، مبيّنا أن الزّمانية ليست مادّية بقدر ما هي تجربة وعي، ترتقي بترقّي الوعي الوجودي من الزّمانية الجزئيّة إلى الزّمانية الكلّية، فيتمّ بذلك ولادة الإنسان الكامل الذي يقبل تجلّي الذّات الإلهيّة فيه مع الاحتفاظ بوعيه عن وجوده، ومن الزّمانيّة الوجوديّة الكلّية إلى الجزئيّة فيتنازل كل من الله والإنسان في الحب...

واختتمت الجلسة بمداخلات نقاش ساهم فيها الحضور، ووقع الاهتمام بمسائل نذكر من بينها: مسألة الإشراق وعلاقته بنظرية المعرفة، ومناهج دراسة مسائل التصوّف، والمنطلقات التي يتمّ اعتمادها لتسيير البحث فيها إلى ما يمكن أن يتماشى مع الطّبيعة العلميّة للمباحث الإنسانيّة من جهة وطبيعة الواقع التديّني المعاصر من جهة أخرى، كما طُرحت مسألة العلاقة بين المفاهيم الصّوفية وكيفيّات تقبّلها لدى الفرق والمذاهب الإسلاميّة على اختلافها، وعلاقة التصوّف بالمجتمع وبالتّاريخ.

البحث في الوسم
التّصوّف الإسلامي