حلقة نقاش موضوعها: قراءات في "الوهابية" والردّ عليها

فئة: أنشطة سابقة

حلقة نقاش موضوعها: قراءات في "الوهابية" والردّ عليها

احتضن مقر مؤمنون بلا حدود للدّراسات والأبحاث وجمعيّة الدّراسات الفكرية والاجتماعيّة، بتونس العاصمة، السبت 25 نونبر الجاري، حلقة نقاش موضوعها: قراءات في "الوهابيّة" والردّ عليها. بمشاركة كلّ من الأستاذة سماح حمزة بمداخلة بعنوان: "الوهابيّة: قراءة في أدبيّات التّأسيس والتنظير والردّ"، والأستاذ نادر الحمّامي بمداخلة بعنوان: "محمّد رشيد رضا أو في امتدادات الوهابيّة"، وأدار اللقاء الأستاذ فيصل شلّوف.

وقد اختارت دة. سماح حمزة الحديث عن الوهابيّة في إطار مراحل ثلاث، بدءا من ظروف التّأسيس، مرورا بالبحث في المراجع النظرية والمفهومية وفي أدبيّات التنظير، وصولاً إلى قضيّة الرّدود، وتحديداً ردود المغاربة على الوهابية من خلال ردّ الشيخ عمر المحجوب ورد الشيخ التميمي على ابن عبد الوهاب. وتساءلت كيف لنا أن نقرأ الوهابيّة اليوم؟

ورأت أن مسالك الإجابة عن هذا السؤال تتعقّد بالنظر إلى أن الوهابية ليست حركة أو تيارا أو تنظيما، فحسب، وإنّما هي ظاهرة دينيّة وسياسيّة معقّدة وملفتة للانتباه، وتستدعي إعادة النّظر في تاريخها أولاً، وكذلك في السّياقات الثقافية والسياسية والدينية التي أنتجتها. كما رأت أن الوهابية ظاهرة أقلقت علماء المسلمين في المشرق والمغرب، فانتصبوا للردّ عليها طيلة ثلاثة قرون، وقالت إنها ما تزال تقلق السياسيين حتى اليوم، واستندت إلى القرارات الجديدة التي خرجت عن المملكة السّعودية، والتي تتعلق بالمرأة ومراجعة الحديث وتلطيف أو تعديل ثقافة الشباب السّعودي وإبعاده عن الغلوّ والتطرّف، معتبرة أن ذلك يعبّر عن بعض ضيق بالمقالة الوهابيّة، أو هو محاولة للانعتاق من حدودها.

وعرضت الإيديولوجيا الوهابية في سياق ما اعتبرته مفارقات كثيرة بين الشرق والغرب، وقدّمت لمحات عن الظّرفية التاريخية التي ظهرت فيها إلى جانب لمحات عن الغرب المسيحي، واعتبرت أن هناك عالمين مفارقين؛ هناك أرض غير الأرض وقوم غير القوم ودين غير الدّين؛ ففي الغرب نجد ثورة على سلطة الكنيسة والدّين وعلى حرّاسه ومتأوّليه، وفي الشرق نجد تمسّكا بتلابيب السنّة والسّلف الصّالح، وتجديدا للعهد بالماضي التّليد واعتباره المثال والنّموذج الذي ينبغي احتذاؤه والاقتداء به.

وانتقلت سماح حمزة إلى قراءة سيرة ابن عبد الوهّاب معتبرة أن الرّجل وقعت أسطرته وتفخيم صورته في كل المصادر والتّرجمات حوله. وأجملت صورته في خطوط عريضة، بداية من نشأته في الموقع ذاته الذي نشأ فيه مسيلمة الكذّاب، واعتبرت ذلك بمثابة التّجديد لنبوءة مسيلمة، وأنّه انتقل بين الأمكنة، حتى انتهى إلى إمارة الدّرعية واحتضنه آل سعود، ونتج عن ذلك ميثاق وعهد بين آل سعود وابن عبد الوهاب، تواصل طويلاً، ونتج عنه اعتبار عقيدة الجهاد فرض عين على المسلمين بعد أن كانت فرض كفاية، وأنتج ذلك مسارا طويلاً من الغزو والسّبي والتقتيل والتّنكيل، والهدم والمنع والتّحريم باسم الإسلام...

وأشارت المتدخلة إلى مراجع ابن عبد الوهاب وأدبياته التأسيسية، وقالت إنّه قد تنكّر للحديث، ولم يعتمد منه إلا ما يخدم منهجه ورؤيته العنيفة كما تنكّر للحنابلة، ولم يعتمد غير ابن تيمية ولم ينقل إلا عنه وعن ابن القيم وفقيهين آخرين متزمّتين من الشافعيّة، وهما ابن كثير والذهبي.

وخلصت بعد ذلك، إلى مسألة الردود على ابن عبد الوهاب التي جاء فيها أنه لا يعادل علماء الإسلام معرفة أو علماً أو حجّية، وقالت إن اعتماده على ابن تيمية، وهو لا يحظى بالأهمية عند علماء المغرب الإسلامي، جعلهم بالتّالي لا يولون اعتباراً كبيراً لابن عبد الوهاب، فابن تيمية عند التّميمي وعمر المحجوب ليس إلا فقيها مبتدعاً شقيّاً استحق ما عاشه من اضطهاد ومن سجن، واعتبرت أن ذلك ما جعل علماء المغرب يردّون على ابن تيمية من خلال ردّهم على الوهابية، وقد اعتبروا ابن عبد الوهاب مجرد ناقل حرفيّ لمقولات ابن تيمية.

وأحيلت الكلمة بعد ذلك إلى د. نادر الحمّامي، فأشار إلى أن محمد رشيد رضا يُقدَّم عادة على أنّه تلميذ محمد عبده، واعتبر أن هذا الأمر ينبغي أن يوضع محلّ نظر وإعادة تثبّت عميق، ثم انطلق في مداخلته من بعض القراءات التي وردت في أطروحتي الأستاذ محمد الناصر النفزاوي حول التيّارات الفكريّة السّياسية في السّلطنة العثمانية، والأستاذ محمد الحدّاد حول محمد عبده.

وأشار إلى أن النفزاوي قد نسب محمد عبده ورشيد رضا إلى تيّار العروبية الإسلاميّة، الذي يلتقي مع الإسلاميين في نظرتهم إلى أن علاقة الله بالطبيعة عمودية، وأنّها تنتهي إلى السُّلطويّة والتّراتب الاجتماعي، على نقيض التصوّر القائل بأن تلك العلاقة أفقية وأنّها تنتهي إلى العقلانيّة والمساواة الاجتماعية، إلى جانب الإحساس العميق لدي هؤلاء بالانتساب إلى الأشراف، وإحساسهم الحاد بخطر التّعليم الحديث على المنظومة التّقليدية، وانجذابهم إلى دعوة بريطانيا لتأسيس حكم عربي يفصل العالم التّركي عن إيران، ولاحظ أن هذا يلتقي مع معظم الدّراسات التي تصنّف محمد عبده على أنه ينتمي إلى ''السلفية الجديدة'' في الحركة الإصلاحية.  

وبيّن الحمّامي أن ذلك يختلف مع ما ذهب إليه محمد الحدّاد من أن عبده لم يكن سلفيّا، وأنّ فكره قائم على الفكر الإشراقي والسيناوية الفارسية، وأنّ هذا يختلف جوهريا عن أسس العقائد السّلفية، وأن هناك انزياحا في فكر محمد عبده يعود أساساً إلى ما قام به تلميذه محمد رشيد رضا؛ أي أن فكر عبده كان في اتّجاه ولكن رشيد رضا قام بتوجيهه وجهة سلفية تتوافق مع الاتّجاه الوهّابي.

وقدّم الحمامي بعض النّصوص التي تضمّنت مواقف رضا من رموز الحركة الوهابيّة، وذكر مثلاً أن ما كتبه رضا حول التّوحيد استحضر فيه فهم محمد ابن عبد الوهاب ولم يستحضر فيه مطلقاً رأي محمد عبده. وأضاف أن مجلّة المنار كانت ذات منزع سياسي واضح، وأنّها كانت بمثابة النّاطق الرّسمي باسم الدّولة السّعودية سياسيّا وفكريّا، وأن ذلك يميّزها بشكل واضح عمّا كانت عليه مجلة العروة الوثقى مع محمد عبده. واستنتج من ذلك أن محمد رشيد رضا هو من أدخل السّلفية في اتجاهها الحنبلي الوهابي إلى مصر، مشيرا إلى نقطة مهمّة تتعلّق بالتقاء الأب الرّوحي والشيخ المؤسس لحركة الإخوان المسلمين حسن البنّا بمحمد رشيد رضا، وقد كان على الأرجح أحد محرري المنار. وخلص من ذلك إلى اعتبار أن رضا مثّل واصلة التقاء بين الإخوان المسلمين والوهابيّة، وقد نتج عن ذلك اللقاء أدلجة الوهابية سياسيّا، وأن ذلك أحدث ارتداداً ونكوصاً في مسار انتقال الفكر الإسلامي الحديث نحو الفكر الإسلامي المعاصر.

وتوصّل د. نادر الحمّامي بعد ذلك إلى تأكيد عدم اعتبار محمد رشيد رضا تلميذاً فكريّا لمحمد عبده، قائلا: ''إن القضايا بدأت حقيقيّة مع مفكري الإصلاح، ومن بينهم محمد عبده، ولكنّها تحوّلت فيما بعد هامشيّةً مع محمد رشيد رضا ومن تبعه...''، ومؤكّدا أن رضا قضى على الحركة الإصلاحية فكريّا وسياسيّا. واعتبر أنّنا إذا أعدنا النظر في من ينتمي حقيقة إلى الحركة الإصلاحية، سنجد أن علي عبد الرازق أوفى في انتمائه إلى محمد عبده من محمد رشيد رضا، وأن المسار الذي انتهجه عبد الرازق كان بناء على فكرة المدنيّة التي ظهرت لدى محمد عبده، وأن ذلك كان يمكن أن يصل بالفكر الإسلامي الحديث إلى تكريس قيم المدنيّة الحديثة وبالتّالي العلمانية عوض الارتداد إلى مقولات الحاكميّة والخلافة.

البحث في الوسم
الوهابية