i مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث - ندوة "الدين والإشكالات الفلسفية الراهنة"

ندوة "الدين والإشكالات الفلسفية الراهنة"

فئة: أنشطة سابقة

ندوة "الدين والإشكالات الفلسفية الراهنة"

في ندوة "الدين والإشكالات الفلسفية الراهنة" لمؤمنون بلا حدود

نورالدين أفاية ومحمد محجوب يحذران من سطوة السياسة على الإسلام


لم تخرج ندوة "الدين والإشكالات الفلسفية الراهنة" عن الندوة السابقة التي تناولت موضوع الدين وأسئلة الفكر الراهن، حيث دعا المشاركان في الندوة إلى الاحتراز من سطوة السياسة على الإسلام، ومن الاستغلال الخاطئ للدين من قبل الأطياف الإسلاموية، والدعاة الجدد المتناسلون في القنوات الدينية.

وعبّر كل من الأكاديمي التونسي محمد محجوب، والأكاديمي المغربي محمد نور الدين أفاية، المشاركان في ندوة "الدين والإشكالات الفلسفية الراهنة"، التي نُظّمت مساء أمس (22 سبتمبر (أيلول) الجاري) بالمقر الجديد لـ "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" بحي أكدال بالرباط، والتي سيّرها الباحث المغربي في الفلسفة يوسف بن عدي، عن استغرابهما للتأويلات التي تعطى للنص الديني، وأشكال الفبركة للدين والتضحية بالدلالات العميقة للنص المؤسس، لأنها كلها تشوه الدين وتجعله محتجزاً من قبل الأطياف الإسلاموية ونظراتها الخاطئة التي تختزل الدين في تعبيرات سياسية خاطئة بالمرة.

محمد محجوب: جوهر الإنسان لدى موقف الإيمان هو الحرية

انطلق الأكاديمي التونسي وأستاذ التأويلية وتاريخ الفلسفة في جامعة تونس، محمد محجوب في مداخلته المعنونة بـ "تأملات فلسفية في الإيمان والحداثة: في الإيماءة ومعاودتها"، من الكتب والمؤلفات التي تناولت علاقة الدين بالفلسفة، والتي يبدو أن الفلاسفة اتخذوا فيها الموقف التأويلي من النص الديني، وهو ما حاول محجوب توصيفه عبر إعادة الاعتبار للحركة التأويلية من أجل معاودتها معاودة جيدة.

وقسم محجوب مداخلته إلى قسمين؛ الأول نظري يقدم فيه محاولة لفهم علاقة الفلسفة بالدين من خلال ظاهرة الإيمان، والقسم الثاني تطبيقي قارب قصة النبي إبراهيم في النص القرآني.

وانطلق محجوب من تساؤل أساسي حول كيفية قراءة الفلاسفة للكتب المقدسة، موضحاً أنها لا تخرج عن ثلاثة نماذج، قد "لا يمكن ترتيبها زمنياً، وحتى وإن رتبت، فإنه يصعب أن تجد مع أجدّها وأحدثها، ترسباً لأقدمها وأبلاها، وتتصل هذه النماذج بمنزلة العقل والإيمان في كل منها، إذ إن قراءة الفيلسوف للكتاب ليست في نهاية الأمر إلاّ افتراضاً لعلاقة ما بين العقل والإيمان".

وأشار الأكاديمي التونسي إلى أن هذه النماذج الثلاثة هي: الأنموذج المجازي أو التأسيس العقلي للإيمان، والأنموذج النقدي أو الإقامة المدنية (الجغرافية) لمنطق السلم بينهما، ثم الأنموذج الإيثيقي (القائم على الفهم، التسامح) أو التأهيل التأويلي للغيرية، موضحاً أن التأسيس العقلي للإيمان يقوم ضمن الأنموذج المجازي على أربع مسلمات حددها الباحث في: التسليم بعدم التضارب بينهما (ابن رشد فصل المقال)، والتسليم بجواز التأويل؛ أي بعدم توقف المعنى على الظاهر منه، والتظنن على الإيمان الديني بأنه إيمان زيفته الشعوذات التي لا تمت إلى حقيقة بصلبة، ومسلمة أن الإيمان يعاند قراءته الفلسفية من خلال الاحتجاج بعدم قدرة العقل على إدراك المعاني الحقيقية للكتاب.

أما الأنموذج الثاني، فهو الأنموذج النقدي أو الإقامة المدنية أو الجغرافية لمنطق السلم بين العقل والإيمان، حيث حدد الباحث مسلماته في أن العقل الإنساني هو عقل ما ورائي بالطبع، وهي المسلمة التي يرجع فيها إلى الفيلسوف كانط، والتي توحي إلى الميل لطرح الأسئلة الماورائية. أما المسلمة الثانية، فتفيد بأن العقل الإنساني عقل محدود ولكنه لا يعرف ذلك، حيث تستمر في المشهد الفكري الذي توجه إليه العقل الإنساني بإصراره على معالجة ما ليس من طاقته، وهو مشهد صراع لا نهائي بين الاعتقادات، كما لفت الانتباه إلى ضرورة الاستفادة من كتاب "جان غرايش" الأخير الذي تعرض للمسألة بالتفصيل، والذي يحمل عنوان "العليق أو الشجيرة الملتهبة وأنوار العقل" الذي صنف فيه الأنموذج الثالث، فاعتبر أن العلاقة النقدية بين العقل والإيمان التي وجدت عبارتها القصوى في موقف الأنوار وضمن مطلب التحرر، الذي لازم العقل.

وبعد تفصيله في الحديث عن الأنموذج الثالث، وهو الأنموذج الإيثيقي القائم على الفهم والتسامح، والتأهيل التأويلي للغيرية الجذرية التي يمثلها النص الديني والكتابي، انتقل الأكاديمي التونسي إلى نقل ملاحظات تهم النص الديني الذي اعتبره "نصّاً غريباً عنا، خارج عنا، لا نستطيع أن ندعي فهمه بصفة طبيعية، وهو ككل النصوص"، وهو تماماً كما باقي التبادلات اليومية في السلام بين الأفراد، والتي تكون سطحية وغير ذات عمق، وهو ما يجعل نص الآخر نصاً غير قابل للإرجاع، لا يمكننا أن نتملكه تملكاً تاماً، وأيضاً التأكيد على أن فهمنا يجب أن يكون فهماً أفضل مما كان؛ أي الإقرار بلا نهائية الفهم، وأيضاً نوع من الدور التأويلي الذي يجعل الفهم يقفز إلى نقطة أخرى أبعد كلما تبين بأننا وصلنا إلى الفهم، حيث نظل دائماً نجري وراء المعنى، في نوع من الدورية المخصوصة بكل فهم، وأخيراً عند مباشرة فهم أي من النصوص فنحن نباشره من خلال حكم مسبق ليس بالضرورة عائقاً.

ومن أجل توضيح النظرة العامة لكل ما سبق في مداخلته قدم الأكاديمي التونسي قراءة تطبيقية تأويلية لقصة النبي إبراهيم في النص القرآني، باعتبارها تجربة دينية تأويلية تقوم على حَدَثيتها، وتنطوي على مرحلة تدرج في الإيمان تخفي عنا ظاهرة الإيمان بماهي تجربة الإيمان، أو تجربة تدهور الإيمان؛ أي ظهور التدريج في الإيمان الذي يصاحبه وعي تدريجي للإيمان، وهو ما يتبين في القصة منذ اعتناق ابراهيم الكوكب والقمر والشمس والله، كما لو كانت درجات في الإيمان، ومراحل سابقة على التوحيد، بالتالي فإن العالم هو نسق انتظام الأشياء وفق منطق دلالة وإحالة دائرية من العلم.

وختم الأكاديمي التونسي مداخلته بخلاصات تفيد أن "هذا الربط هو ربط كل لحظة، وهو لذلك معجزة. لأننا لدى كل لحظة نشارف العدم ونعود من العدم إلى المعنى، وهو ليس إقامة ضمن معنى، وإنما هو وشك إلحاد ورجع إيمان من كل حين، وبما هو كذلك، فإن جوهره تأويلية بلا نهائية وهو مغامرة كل لحظة، وبما هو كذلك، فهو معيش فردي لا ضمان له خارج نفسه"، مشيراً إلى أن جوهر الإنسان لدى موقف الإيمان هو الحرية.

نور الدين أفاية: سطوة السياسة على الإسلام تطرح إشكالات كثيرة

قارب الباحث المغربي المتخصص في المجال الفلسفي محمد نور الدين أفاية موضوع ندوة "الدين والإشكالات الفلسفية الراهنة" عبر استحضار بعض الأسئلة والانفتاحات من أجل التفكير، وقدم معاينات أولية لهذا الموضوع، وفق ما سمي في السابق بروح العالم، وقلق الفهم، والهوية السردية، وسطور السياسة على الإسلام.

وأوضح أفاية أنه حينما نتحدث عن الدين، فإننا لا نتحدث بالضرورة عن الدين الإسلامي، بل عن مجموع الديانات الأخرى، لأن من يؤمنون بالديانات التوحيدية لا يشكلون إلا ما يقل عن 3 ملايير من ضمن 7 ملايير في العالم، مشيراً إلى أنه في كل مرة يطرح الدين نفسه ببراديغمات معينة منذ بداية هذه الألفية، وأنه في الظرفية التاريخية التي يمر منها العالم اليوم هناك أمور يجب أخذها بالحسبان، حددها في ثلاثة عوامل: أولها العلاقات الدولية بعد الحرب الباردة، وأحداث 11 من سبتمر (أيلول)، وثانيها العولمة الكاسحة، والأزمة الاقتصادية، وثالثها بروز أوجه جديدة للضحية الفردية والجماعية، خاصة أن الكل بدأ يقدم نفسه اليوم كضحية، أو باسم هوية خاصة، أو اختلاف خصوصي، وهو ما يستدعي برأيه، تفكيراً جديداً في ظاهرة العنف وأشكالها الجديدة.

أما العامل الرابع، فحدده أفاية في الدور الاستراتيجي لوسائل الاتصال، والاجتياح الكاسح للقنوات التلفزيونية التي أصبحت أداة لممارسة السلطة والتأثير، في حين يتمثل العامل الخامس في أشكال الحروب الأهلية وما يتولد عن الاحتجاجات أو الثورات العربية، وما تعرفه من أشكال لإذلال الإنسان.

وانطلاقاً من هذه العوامل تساءل أفاية: كيف يمكن اليوم التفكير في الدين، وفي الرابطة الاجتماعية، وفي شروط العيش المشترك، وعلاقته بالدين والدولة؟ مستحضراً كتاب الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو "إيران الثورة باسم الله" الذي جمع فيه ما عاشه في طهران، وما عاينه حول الثورة الإيرانية، حيث لم يتردد في التعبير عن الشغف الديني، والنظام الديني الكاسح الذي أطاح بنظام الشاه، مستشهدا بقوله: "إن الدين هو روح عالم بدون روح"، خاصة أنه من أبرز الكتاب الذين تصدوا للعديد من اليقينيات والأوهام، ولهذا فإنه لم يكن يتوقع جديداً من الثورة الإيرانية، لأنه ببساطة يؤمن، كما قال أفاية، بأن "خلط الدين بالسياسة ينتج أشكالاً من القهر والاستيلاب والموت".

وأكد أفاية أن التفكير في الدين هو تفكير في أكثر المجالات تعقيداً وتشابكاً، ألا وهو المقدس، وما اهتمام المفكرين به إلا دليل على أنه مسألة جدية يصعب الفصل فيها، خاصة في أزمنة تختلط فيها الدلالات، ويضيع فيها الكلام، معتبراً أن الظاهرة الدينية تبرز في الأفق في الوقت الذي يطمئن البعض لنسيانها، ومتسائلاً هل يمكن فعلاً القبض على هذه الظاهرة الدينية؟

وحتى يستفيض في تحليله للظاهرة الدينية، انطلق الباحث نور الدين أفاية مما يحدث اليوم في العالم العربي، ومن الغُمة الكبيرة التي يشهدها العالم الإسلامي مع سطوة السياسة على الإسلام، وفقدان القيم، وسطوة الإعلام، والخلط بين الدين والتدين، وبروز مظاهر جديدة من التدين، وظهور أشكال جديدة من العنف الممارس باسم الدين خاصة مع تنظيم الدولة الإسلامية، المعروف اختصاراً بـ "داعش"، وحذّر من أشكال اللايقين والتعقل، والالتباسات الكبرى، وإذلال الإنسان وقتله باسم الدين، لأنها تزرع حالات من الخوف على توقع المستقبل.

وأشار أفاية إلى أنه من "الأليق التذكير ونحن نقارب سؤال الدين أن نؤكد أن العمل التحرري للإنسان مكلف جداً، فكل مجتمع يؤدي الثمن حسب طبيعة القوى والفاعلين فيه، ولكن هذا لا يمنع من الإقرار بكون الأمر فيه مسؤولية كبيرة"، متسائلاً: كيف يمكن العيش في عالم من دون بوصلة؟

وأجاب أفاية عن هذا السؤال مباشرة بكون العيش في العالم ممكن شريطة ابتداع نمط جديد من الوفاء للتركة الإنسانية وللقيم المخلصة للمبادئ الأخلاق، وهي: الحرص على الحياة، والمجتمع، والعقل، والمحبة، معتبراً ان هذه القيمة الأخيرة تستدعي الكثير من التأمل في عالم باتت تغيب فيه الرحمة والمحبة.

وبعد أن تساءل أفاية عن الدين والهوية الساردة، ومن يتكلم عن ماذا؟ ومن المسؤول عن ماذا؟ وإبرازه للقلق والمغامرة التي يقبل عليها الباحث حين تناوله لموضوع الدين الإسلامي اليوم، لأنه لن يكون اليوم من السهل القول إن الإسلام ليس هو الأصولية، خاصة مع ما نشاهده اليوم نمن تطرف وتقتيل وذبح باسم الدين الإسلامي، خلص نور الدين أفاية إلى أن سطوة السياسة على الإسلام اليوم تطرح إشكالات كبيرة، لأن الاستعمالات السياسية للدين، وتناسل الدعاة الجدد والقنوات الدينية، التي بلغ عددها 123 قناة (من ضمن 1225 قناة)، وأشكال الفبركة للدين والتضحية بالدلالات العميقة للنص المؤسس، كلها تشوه الدين وتجعله محتجزاً من قبل الأطياف الإسلاموية ونظراتها الخاطئة التي تختزل الدين في تعبيرات سياسية خاطئة بالمرة، وتخلق نوعاً من البُؤر الصراعية التي تحتاج إلى تدبير مشترك للحفاظ على السلم المشترك بين الشعوب والمجتمعات.

وتجدر الإشارة إلى أن الدكتورمحمد محجوب أستاذ التأويلية وتاريخ الفلسفة في جامعة تونس، وعميد سابق لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان، وأستاذ بدار المعلمين العليا بجامع تونس، له مجموعة من الدراسات والأبحاث في مجالي الفلسفة والترجمة، من بينها: "المدينة والخيال"، وهايدجر ومشكل الميتافيزيقا"، و"فهم الذات".

ومحمد نورالدين أفاية حاصل على شهادة دكتوراه الدولة في الفلسفة، وأستاذ التعليم العالي في تخصص الجماليات وفلسفة التواصل. ويرأس جمعية البحث في التواصل ما بين الثقافات. صدرت له مجموعة من المؤلفات، من بينها: "الهوية والاختلاف في المرأة: الكتابة والهامش"، و"الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة- نموذج هابرماس"، و"الغرب في المتخيل العربي الإسلامي" (باللغة الفرنسية)، و"أسئلة النهضة في المغرب"، و"السلطة والفكر"، و"من أجل ثقافة الاعتراف في المغرب"، كما له مساهمات في مجموعة من الكتب الجماعية ودراسات ومقالات في مجلات عربية وأجنبية.

وتجدر الإشارة إلى أن عنوان المقر الجديد لـ "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" هو: تقاطع زنقة واد بهت و شارع فال ولد عمير، عمارة بالطابق الرابع " فوق محل أبرون" قرب مسجد بدر، أكدال - الرباط.