قراءة في كتاب: "ثقافة الاحتجاج بين الفلسفة والقانون"

فئة: أنشطة سابقة

قراءة في كتاب:  "ثقافة الاحتجاج بين الفلسفة والقانون"

نظمت مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث بمقرها المركزي بالرباط ورشة علمية حول كتاب الدكتور عز العرب لحكيم بناني "ثقافة الاحتجاج بين الفلسفة والقانون: مقالات في الدين والسياسة"، يوم السبت 03 مارس، شارك فيها بالإضافة إلى مؤلف الكتاب الأستاذان عزيز قميشو أستاذ الفلسفة بجامعة مكناس(المغرب) ومحمد بلمقدم أستاذ الفلسفة بجامعة فاس(المغرب).

في تقديمه لورقته، انطلق عزيز قميشو من الإشارة إلى أن كتاب "ثقافة الاحتجاج" من منشورات مختبر الدراسات الرشدية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، وهو في الأصل عبارةٌ عن "سلسلةٍ من المقالات التي نُشرت في كتب جماعية مختلفة"، لكن المؤلف يعتبر أن جميع هذه المقالات تندرج ضمن "إطار مشروعٍ واحد متكامل"، وأن هذا المشروع يروم غايةً محددةً تتمثل في "إيجاد أرضيةٍ معيارية مشتركة تسمح بالاحتجاج ومعالجة قضايا الدين والمواطنة والحرية في نفس الإطار المعياري" (ص. 11).

بعد ذلك، أشار قميشو إلى أن الباب الأول من الكتاب يعالج ثقافة الاحتجاج في الفكر المغربي المعاصر، وذلك من خلال أربعة نماذج. تناول المؤلف، أولاً، ثقافة الاحتجاج كما تبلورت بقوة خلال سنوات الستينيات في المجلات الأدبية والاجتماعية؛ ثم انتقل إلى معالجة فكرة الاحتجاج في علاقتها بالنقد الإيديولوجي عند محمد عابد الجابري، وفي علاقتها بمسار التحرر عند محمد عزيز الحبابي، وأخيرا في علاقتها مع مفهوم الحداثة عند محمد سبيلا.

أما الباب الثاني، الذي يحمل عنوان "الاحتجاج في الفلسفة والدين والقانون"، فيتناول، في الفصل الأول، مسألةَ السياسة والدين في فكر طه عبد الرحمان، ويتناول في الفصل الثاني التصور القانوني لعبد الهادي بوطالب من جانب نظره إلى الدستور بوصفه مرجعية أخلاقية.

ويعالج الباب الثالث مسألة "الاحتجاج والإبداع والمرجعية الدينية". ويحاول المؤلف، في الفصل الأول الذي يحمل عنوان "الفلسفة والإصلاح الديني والرقابة الذاتية"، أن يبرز الخصوصيات الثقافية التي أحاطت بمفهوم الاحتجاج في السياق المسيحي عامة، وفي سياق الإصلاح الديني البروتستانتي خاصة. وخلاصة القول عند المؤلف، بعد تطرقه في الفصل الثاني لمسألة "الدين والفضيلة السياسية"، هي أن الفلاسفة ورجال اللاهوت مثل مارتن لوثر، قد لجأوا إلى الاحتجاج، ولكنهم حرصوا على تعزيز شرعية السلطة السياسية.

كما يُخصِّص المؤلف البابَ الرابع من كتابه للحديث عن "تجليات الاحتجاج"، ويناقش فيه المواضيع التالية: المبادئ الكونية آلية العدالة — الأخلاق والأمن القانوني —   الاحتجاج وآليات العصيان المدني —   الاحتجاج الدولي والحرب العادلة —   الفلسفة والعدالة والصفح —   الفلسفة والعدالة الانتقالية والديمقراطية الإجرائية.

وإجمالاً، يقول عزيز قميشو ، إن المضامين الرئيسة الواردة في كتاب "ثقافة الاحتجاج بين الفلسفة والقانون" تدور حول الأفكار التالية:

1)                     بخصوص السياق المغربي الحديث، يرى المؤلف أن الاحتجاج "تحول إلى ثقافةٍ مجتمعية بفضل المقاومة ضد المستعمر"، لكن هذه الثقافة لم تنتبه "إلى أهمية وضع مرجعيّةٍ قانونية للمجتمع تُعَدُّ بمثابة قاعدة أخلاقية نناقش في ضوئها قضايا الدين والفكر" (ص. 9). وبشكلٍ عام، يعتبر المؤلف "أن دول العالم الثالث تعيش في مرحلةٍ دقيقة بعد أن استوعبت الحقّ في الاحتجاج ولم تستوعب الفَرْقَ الموجودَ على المستوى الفلسفي بين العصيان والعنف والثورة" (ص. 231).

2)                     بخصوص علاقة الفلسفة بالقانون، يعتبر المؤلف أن إغفال القانون لم يكن "وضعاً طبيعيا في تاريخ الفلسفة"، لكن الجمع بين الفلسفة والقانون قد تراجع خلال القرن العشرين، حيث "ظهرت هوة عميقة تفصل الفلسفة المعاصرة عن تاريخ الفلسفة الذي حفل بمساهمات غير مسبوقة في نظريات العقد الاجتماعي والدولة والسياسة وفلسفة القانون". ولذلك، فإن المطلوب اليوم هو استئناف "صلة الفلسفة بالمرجعيات القانونية، كما كان عليه الحال إلى عهد قريب" (ص. 9-10).

3)                     بخصوص دور الفلسفة اليوم في مجال حقوق الإنسان، يشدد المؤلف، من جهة أولى، على ضرورة دخول الفلسفة في حوارٍ مع حقول القانون ونظرية السياسة، بعدما "تحولت حقوق الإنسان إلى تخصُّصٍ مستقل داخل العلوم القانونية"؛ ويرصد، من جهةٍ ثانية، كيف شرعت الفلسفة، بعدما تعزّز التصور القانوني للحقوق والواجبات، في النهوض بمهمة مواجهة "القضايا الحقوقية التي لا تستوفيها المعالجة القانونية". وهو ما يعني، في نظره، أن الفلسفة "تتبنّـى منظوراً معياريا للمجال العمومي"، وتنأى بنفسها عن الخطاب العدمي عبر "إبراز أهمية الكلام بدل الصمت والحجاج العقلاني مقابل المناجاة وأهمية الفضاء العمومي مجالاً لبلورة قيم المواطنة في مقابل المجال الذاتي" (ص. 232).

4)                     أما بخصوص حقوق الإنسان، فإن المؤلف يثير الانتباه إلى صعوبة وضع حدود بين مساهمة الدين والفلسفة والقانون في هذا المجال، وإلى صعوبة إقامة فصل واضح بين الحقوق الفردية والجماعية؛ كما أنه يشير إلى وجود "قضايا خلافية كثيرة بخصوص مرجعيات حقوق الإنسان". لكنه يعتبر أننا "نستطيع أن نجد حلولاً وسطى لهذه القضايا الخلافية عندما تدخل الفلسفة في 'حوار ثقافي' مع أنظمة الفكر غير الفلسفية وفي حوارٍ بين الفلسفة الغربية ومثيلاتها في العالم الثالث" (ص. 232-233).

 

 

من جهته، لاحظ محمد بلمقدم، خلال تقديمه لورقته، أن

أول ما يثير القارئ لكتاب الأستاذ عز العرب الحكيم بناني، ثقافة الاحتجاج بين الفلسفة والقانون، هو: لم كتاب في الاحتجاج في هذه اللحظة التاريخية؟

بعد هذه الملاحظة قدم بلمقدم بعض ملامح سياق نزول هذا الكتاب، كالآتي:

1-                 التحول العميق في الوعي الاحتجاجي المغربي؛ فمن المطالبة بالحداثة إلى التركيز على التحديث، وهو ما يبين أن العقل الاحتجاجي متعطش لربط المسؤولية بالمحاسبة. خصوصا وأن التحديث يقوم به أفراد، بينما الحداثة هي وضع اجتماعي كامل ليس في مكنة الأفراد، وقد يحققها المجتمع أو يقف في وجهها.

2-                 انتقال الاحتجاج من البعد الفئوي القطاعي إلى احتجاج جماهيري؛ ومن احتجاج تحت غطاء تنظيمات حزبية ونقابية وحقوقية إلى شكل نضالي يفرز قياداته الميدانية لحظيا. وهذا الاستبعاد للمؤسسات الوسيطة هو بمثابة نقد واضح للديمقراطية التمثيلية بصيغتها المغربية، وحنين إلى نمط من الديمقراطية المباشرة الأثينية.

في خضم هذه الحركية الاحتجاجية، يقول محمد بلمقدم، تعالت أصوات تساءل المثقف عن دوره في هذه الحركة الاحتجاجية الجديدة. ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار هذا الكتاب، محاولة لتقديم بعض إمكانات التفاعل مع هذه الأصوات، ودفاع عن منزلة المثقف وطبيعة نشاطه الاحتجاجي. فقد يشارك المثقف في توجيه الاحتجاج، دون حضوره المادي الميداني. فالكتابة حول الاحتجاج تدوم أكثر من الاحتجاج نفسه.

وهكذا وجد بلمقدم المؤلف، قد وقف عند طبيعة الاحتجاج في الأدب والصحافة الملتزمة، خاصة في فكر مؤسسي مجلة souffles وLamalif في منتصف السبعينيات(ص 13-27)، ثم انتقل إلى إبراز ماهية الاحتجاج لدى أعلام الفكر الفلسفي المغربي: محمد عابد الجابري، محمد عزيز الحبابي، محمد سبيلا، طه عبدالرحمان، وعبدالهادي بوطالب(22ص-65).

ومعلوم أن كل اختيار هو تأويل، لهذا يظهر أن هذه النماذج الفكرية، قد استدعاها المؤلف قصدا بغية محاورة تجلياتها الموضوعية في الحركة الاحتجاجية التي تعرفها الساحة المغربية. وسوسيولوجيا التيارات الفاعلة ميدانيا في الحركة الاحتجاجية، تحمل في مجملها أفكار هؤلاء الأعلام الذين ذكرهم الكتاب.

فليس عبثا، يقول محمد بلمقدم، أن يركز الكتاب عن الحداثة السياسية عند محمد سبيلا، وتحويل الأحزاب إلى شركات، قصد تدبير جيد للموارد البشرية والمادية، قبل صياغة البرامج السياسية. وإذا كانت الحكامة الجيدة مطلب لا ينفي أحد أهميته؛ فإنه لا ينبغي أن ننسى أن الحكامة مجرد آلية للتدبير الديمقراطي؛ وليست روح السياسة. كما أنها تنبني على فكرة قصور المجتمع وعجزه عن الانتقال من التحديث إلى الحداثة، أو من التنظيم الإداري إلى العلاقات السياسية(ص39-ص54).

لكن، هل هذا يعني أن كل شخص نجح في قيادة شركاته ومقاولاته، هو مؤهل لقيادة الدولة والمجتمع؟ هل رئيس الشركة الناجح سيكون حاكما ناجحا؟ أليس هناك اختلاف بين الدولة كأرقى اجتماع بشري والمقاولة والقبيلة؟

وليس عبثا تقديم وصفة، لمحاربة الاستبداد، اعتمادا على كتابات الجابري؛ الهادفة إلى ترسيخ ثقافة الاحتجاج داخل الفضاء العمومي، من خلال اعتماد الآليات الديمقراطية بدل الاختيار الثوري. آليات من طبيعة قانونية تسمح بتأطير علاقة الحاكم بالمحكوم، وتمنح لكل طرف حقوقه وواجباته الواضحة تحت قيم العدالة والكرامة.

ونظرا لحضور فاعلين اجتماعيين، يحملون خلفية دينية اثناء الاحتجاج. وخصوصا وأن الصلة بين الدين والسياسة تنعقد بالتقاء القيم الأخلاقية بالقيم السياسية للقانون؛ فقد اختار المؤلف استحضار روح الاحتجاج، لدى الفيلسوف محمد عزيز الحبابي، باسم القيم الإسلامية، لمواجهة خطاب العولمة الثقافية والاقتصادية؛ واللاهوت المسيحي (مارتن لوثر والقديس أوغسطين ...).

لقد راهن المؤلف، حسب صاحب الورقة، على القانون كأساس للدفاع عن الحرية، وعن الحق في الاحتجاج داخل القانون. لكن هل احترام القانون كفيل بتحقيق العدالة؟ أليست المساواة أمام القانون في بلد اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية هي الوجه الآخر للاعدالة؟ ما العمل عندما يكون القانون نفسه مخالفا للحق؟ هل الأولوية للحق أم القانون؟

على هذا الأساس، لم يغفل الكتاب عن هؤلاء الذين يحتجون باسم القيم الكونية للعدالة، وباسم المواثيق الدولية لحقوق الإنسان. فخصص الباب الرابع لمعالجة المبادئ الكونية للعدالة وعلاقة الاحتجاج بالعصيان المدني ودور الفلسفة في العدالة والصفح.