لقاء حواري حول كتاب: (Pour en finir avec l’exception islamique) ''حتى نضرب صفحاً عن مقولة الاستثناء الإسلامي''

فئة: أنشطة سابقة

لقاء حواري حول كتاب: (Pour en finir avec l’exception islamique) ''حتى نضرب صفحاً عن مقولة الاستثناء الإسلامي''

انتظم بمقرّ مؤمنون بلا حدود وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة، بتونس العاصمة، السبت 20 يناير الجاري، لقاء حواري تناول بالقراءة والنّقاش كتاب (Pour en finir avec l’exception islamique) ''حتى نضرب صفحا عن مقولة الاستثناء الإسلامي''، وهو أحدث ما صدر من كتابات الأستاذ الدكتور محمّد الشريف فرجاني، وقد شارك في اللّقاء الذي أداره الأستاذ نادر الحمّامي، الأستاذ محمّد الخنيسي، بحضور ثلة من الأكاديميّين والمتابعين.

وقد أخذ الّلقاء شكلاً تفاعليّا، وانطلق من بعض الإشارات التي قدّمها الأستاذ محمّد الخنيسي حول الكتاب، ومنها ما يتعلّق بالسّياق العام الذي اندرجت فيه مسألة الاستثناء الإسلامي، وما يتعلّق بزوايا الرّؤية التي عمل من خلالها محمد الشريف فرجاني في كتابه، انطلاقاً من نقد المقاربة الماهويّة، ما يقتضي دحض كل استقطاب ثنائي في التّعامل مع الوقائع الإسلاميّة. وردّ صاحب الكتاب عن ذلك بالقول إن تقسيم الظّواهر الدّينية عموماً، والوقائع الإسلاميّة على وجه الخصوص، إلى اتّجاهين، لا يعني أنّهما متجانسان، وإنّما هناك مقاربات تعتبر الأديان، بصفة عامة، ماهويّات أو جواهر ثابتة لا أثر للتاريخ فيها، وأنّها هي المحدّدة لتاريخ المجتمعات والثقافات والأنساق السّياسية والفكرية، وهو ما أسس لدى الكثير من المستشرقين مقولة الاستثناء الإسلامي في مقابل بقية الأديان التوحيدية، وأن هذه المقولة تعتبر أنّه لا يوجد في الإسلام نظير لقولة ''اعط لقيصر ما لقيصر، واعط لله ما لله'' التي يقدّمونها على أنّها كانت مدخل المجتمعات المسيحيّة الغربيّة إلى العَلمنة والفصل بين الدّيني والسّياسي والديمقراطية والاعتراف بحقوق الإنسان. واعتبر أن تركيز الاستشراق الغربي على مقولة الاستثناء الإسلامي يعود إلى استنقاص الإسلام مقارنة بباقي الأديان الأخرى، وأشار إلى أن هذا الموقف من الإسلام ليس عامّا لدى الماهويّين جميعهم، إذ يوجد من بينهم من استند لمقولة الاستثناء نفسها ليبيّن تفوّق الإسلام على باقي الدّيانات، حتى أن من بينهم من دافع عن الإسلام السّياسي. وفسّر فرجاني بذلك انتقال مقولة الاستثناء الإسلامي إلى منظّري الإسلام السّياسي، وقال إن الفرق بين الإثنين لا يكمن في المنهج بل في التفاصيل، فحيث يضع مناصرو الإسلاموفوبيا علامة سلبيّة على ما يعتبرونه استثناءً، يضع مناصرو الإسلامويّة علامة إيجابية. وأكّد محمد الشريف فرجاني أنّه يتباين مع هؤلاء جميعاً، ويخالف النّظرة الماهويّة إلى الدّين عموماً، وإلى الإسلام خصوصاً، وقال ''إن ما يراه هؤلاء على أنّه جواهر، أراه أنا على أنّه ظواهر''، في إشارة إلى أن الظواهر ليست ثابتة، وإنّما سمتها التطوّر والتحوّل، ويمكن أن تزول نتيجة ما تتأثر به من سياقات تتفاعل معها خلال تطوّرها.

واعتبر الخنيسي أن الكتاب لا يتناول مضمون الوقائع الإسلامية بقدر ما يتناول سياقاتها المنهجيّة والابستيمولوجيّة، وأنّ ذلك يتنزّل ضمن سياق بحثي عام، عمل صاحب الكتاب على تأسيسه وتركيز النّظر فيه، وتساءل عن مدى حماس الباحثين والأكاديميّين للخوض في هذه السّياقات والمساهمة فيها. وتفاعل محمد الشريف فرجاني مع ذلك قائلاً إن الفكرة في بدايتها اتّجهت نحو تأسيس مشروع جماعي، نظراً إلى صعوبة البحث في ابستمولوجيا الدّراسات المقارنة للأديان بمجهود فردي، لأن مقاربات الأديان تختلف بين اجتماعيّة وأنتروبولوجيّة وفلسفيّة وبسيكولوجيّة وتاريخيّة ولسانيّة وسيميائيّة... وأشار إلى أن رغبته كانت إحداث عمل جماعي يهتم بتلك الجوانب المتنوّعة كلّها، وأنّه سعى إلى تحقيق ذلك من خلال تنظيم مُدارسات، كان الهدف من ورائها إصدار عمل مشترك يضمّ مساهمات متعدّدة، إلاّ أن ذلك المسعى لم يجد طريقه إلى التّنفيذ، ممّا اضطرّه إلى المبادرة وفتح الطّريق، في انتظار أن تلتحق به مساعي بحثيّة أخرى، وتهتمّ بالموضوع. وأشار إلى أن الفكرة التي انطلق منها ليست جديدة، وأن بوادرها مطروحة في أعماله السّابقة، وأنّه ناقشها انطلاقاً من طرح فرضيّات بحث فيها، وصولاً إلى دحضها.

وفي ردّه على ما أشار إليه الخنيسي من استناد هذا العمل إلى أبعاد نظرية تتعلّق أساسا بمقاربة النّصوص، وأنّه لم يعمل بعد على تفكيك الماهويّة المهيمنة على المخيال الشّعبي المؤسّس لثقافة النّاس وتديّنهم، قال محمد الشريف فرجاني إن ما يركّز عليه كتابه هو الدّراسات المقارنة للأديان أو الإسلاميّات المقارنة، وأنّه يهتم بالإنتاج العلمي حول الظّواهر الدّينية والإسلاميّة، وقال إنّ المقاربة التي تعتمد على بحث المخيال الشّعبي هي ما سيتضمّنه الجزء القادم منه، إلى جانب البحث في تعامل المسلمين من رجال دين وعامّة أو سياسيين، مع الظّواهر الإسلاميّة، وقال إن منهج البحث الذي اعتمده تاريخيّ، وهو منفتح على مساهمات من زوايا بحثيّة أخرى، يمكن أن يقوم بها متخصّصون في المباحث الفلسفية والنّفسية وغيرها. وقال إنّه ينطلق دائما من مقاربة تاريخ الأفكار، ويحاول إرجاعها إلى سياقاتها الثّقافية التي ظهرت فيها وتطوّرت في إطارها، مثل مقولة "الأمة" التي أصبحت تختزل لدى المسلمين وبعض المستشرقين في مقولة ''الأمة الإسلامية'' في حين أن الكلمة تشمل غير الإنسان، وتطلق في القرآن على النّحل والطّير حتى أنّ إبراهيم تحدث عنه القرآن بأنه كان أمّة... واعتبر أن هذا الاختزال يجعل من مفهوم ''الأمة الإسلامية'' ماهية قارّة/ ثابتة، لا تاريخيّة، تحكمها شريعة لا زمنيّة، ولها نسقها السّياسي الخاص بها ونموذجه الخلافة أو الإمامة باعتبارها سلطة لا تقبل الفصل... وانتهى من ذلك إلى اعتبار أن تكلّس المفاهيم يجعلها استثناءات غير قابلة للمراجعة أو لإعادة التّفكير.

وفي ردّه عن سؤال حول إمكانيّة تطوّر الإسلام السّياسي اليوم نحو الدّيمقراطية، قال فرجاني أنّه تعرض إلى هذه المسألة في مقال له، قارن فيه بين الإسلام السّياسي والمسيحيّة السّياسية، وقال إنه يعتبر الإسلام السّياسي مثل كل الظّواهر السّياسية الأخرى التي تنشأ ضمن سياقات تأثير وتأثّر، وأضاف قائلا إن الديمقراطية في أوروبا نشأت من رحم المسيحيّة السّياسية التي لم تعترف بحقوق الإنسان ولا بالدّيمقراطية ولا بالجمهوريّة ولا بالعلمانيّة، وأن عدم الاعتراف هذا يتواصل بشكل مشابه في مقولات الإسلام السّياسي. وتعرّض فرجاني إلى مجموعة من الشّروط التي يجب أن تتحقّق حتى يتمّ الانتقال إلى الدّيمقراطية؛ بدءا بإحداث وعي بتاريخيّة النّص من أجل الخروج من مرحلة الوعي الخُرافي والأسطوري الذي ينزّل الظّواهر الدّينية تنزيلاً ماهويّا، ثم خلق رابط اجتماعي حديث يعوّض هيمنة السّلطة الدّينية المتمثّلة في الموروث، في اتّجاه تأسيس فكرة الجمهورية والمواطنة كما حصل في الغرب المسيحي. وانتهى إلى القول بأن في إمكان الإسلام السّياسي اليوم أن يتطوّر كما تطوّرت المسيحيّة السّياسية، دون الحاجة إلى استعادة المسار الطّويل الذي مرّت به المسيحية السّياسية. قائلا: ''لا يمكن أن ننتصر إلاّ في المعارك التي نخوضها، ولا يجب انتظار خوض المعارك...'' في إشارة إلى تفاعلات السّاحة السّياسية في تونس في ظلّ الحضور الفاعل للمجتمع المدني، الذي أثّر في توجيه السّياقات السّياسية العامّة في البلاد، في السّنوات الأخيرة، وساهم في دفع تيّارات الإسلام السّياسي إلى خوض بعض المراجعات التي تتمّ في العلن، بغض النظر عن النّوايا السّياسوية والاستراتيجية المبطّنة لدى الإسلاميّين.

وأثارت الأستاذة حياة عمامو في النقاش مسألة المصطلحات والمفاهيم، التي ما تزال محلّ تنازع واختلاف، بين الباحثين في المسائل الاجتماعية والثقافيّة والحضاريّة والإنسانيّة، من مثل ''العَلمنة والعَلمانية واللائكية...'' واعتبرت أن هذه المفاهيم تختلف فيما بينها بحسب السّياقات التي أنتجتها والظّروف التّاريخيّة التي أثّرت فيها. كما تطرّقت إلى مسألة الاختلاف بين سياق البحث الأكاديمي وسياق التمثّل الشّعبي، وأكّدت على ضرورة العمل على إزاحة الحواجز بين السّياقين حتى يتنزّل العمل الأكاديمي في الواقع الثّقافي والاجتماعي العام، وتحصل منه الفائدة العمليّة. وقالت إن مفهوم "الاستثناء الإسلامي" وقع تركيبه في تاريخ المسلمين، وهو ليس أصلاً في دينهم وعقيدتهم، وأن ذلك ينطبق على مسألة الحكم، التي لم تنبع من الإسلام باعتباره ديناً، وإنّما نبعت من التأثّر بالثّقافات الأخرى المجاورة للمسلمين، وخلصت إلى اعتبار أن الرّبط بين السّلطتين الرّوحية والدّنيوية قد تأسّس لدى المسلمين في الواقع، بناءً على تقاليد غير إسلاميّة.

وذهب الأستاذ مراد حاجي في نقاشه حول مسألة الاستثناء الإسلامي، إلى أنّ المقولة بمثابة الإعداد المسبق لنوع من الإقصاء، انطلاقا من اعتبار أن كل ما يتم استثناؤه يُقصى، واستند على ذلك ليبيّن أن مقولة الاستثناء تحمل أبعاداً تأثيميّة وتجريميّة للثقافة الإسلامية عموماً، معتبراً أنّ المستشرقين قدّموا من خلالها قراءة أصوليّة للتّراث الإسلامي وجدت صدى لدى الأصوليّين الإسلاميّين، وأنّ في ذلك إزاحة لكل بعد تنويري يمكن أن يكون في التّراث، وانتقل من ذلك إلى نقد مقولة ''الإسلام بريء من الإرهاب'' فاعتبر أن الأجدر أن نقول ''المسلمون أبرياء من الإرهاب'' لأنّهم هم أكبر ضحاياه، وخلص إلى الدّعوة إلى أن يكفّ المسلمون عن الشّعور بالإثم، وأن يواصلوا العمل على الانخراط في الإنسانيّة وفي الكونيّة، على اعتبار أنّ ذلك هو السّبيل الأمثل للخلاص.

ثمّ تدخّلت الأستاذة تاجة بن علي، فاعتبرت أن التّمييز بين مقاربتين ماهويّة وظاهراتيّة هو ''أصل الدّاء''، وأنّ ذلك ما أدّى إلى تعميق الفجوة بين العامّة والخاصّة، ورأت أن الإشكال يكمن في كيفيّة تحويل الفكر المتخصّص ليكون فكراً متداولاً بين النّاس على اختلاف مستويات تقبّلهم، لا أن يكون فكراً نخبويّا، وأن يكون هذا الفكر ''نسبويّا واحتماليّا'' على شاكلة ما ظهر في أوروبا في العصر الحديث ومكّن من تقبّل الآخر والتّفاعل معه. ثم أشارت إلى مسألة الاختزال في التّعامل مع النّص لدى الأصوليّين ورأت وجوب أن يقاوم الاختزال بالاختزال والانتقاء بالانتقاء المضاد، انطلاقا من أن النص يحتوي احتمالات تأويليّة متضادّة، وطرحت مسألة الانتقاء باعتبارها منهجاً صالحاً للتّعامل مع الأفكار الأصوليّة على سبيل الدّحض، قائلة ''علينا أن نحاربهم بالسّلاح ذاته الذي يحاربوننا به''.

كما أشار الأستاذ فتحي المسكيني إلى أهمّية المشروع الفكري الذي يخوضه محمّد الشريف فرجاني، وإلى أهمّية السّياقات التي يعالجها من خلال محاولة دحض مقولة "الاستثناء الإسلامي"، معتبراً أن ذلك من شأنه أن يوسّع طاقات الإنتاج النّظري حول العلاقة الحديثة مع التّراث الإسلامي، وقال إن هذا العمل لا يتعلّق بالضّرورة بفكرة الدّحض، لأنّها تنتمي إلى المنطق الصّوري التّقليدي الأرسطي، الذي لم يعد نافذاً منذ إرساء الفهم الحديث للعالم. وقال إنّ هذا العمل يناقش إرادة المعرفة التي تحرّك فكرة الاستثناء، انطلاقا من مجال التّفكير الغربي، وتساءل عن الدّوافع التي تكمن وراء تحريك مقولة الاستثناء في كلّ ما يتعلّق بالإسلام دون باقي الدّيانات الأخرى. وحول إمكانية أن ينتقل الإسلام السّياسي باتّجاه الدّيمقراطية، قال المسكيني أن هذا السؤال يجب أن يطرح على الإسلاميّين أنفسهم، كما يطرح على المفكّرين والأكاديميين دائماً، وأن ننتظر إجاباتهم، واعتبر أن الإجابة عنه لا يمكن أن تأتي من الغرب، أي من أولئك المهتمّين بدراسة الأنساق الفكرية والسّياسية الإسلاميّة، واعتبر أن المستشرقين ليسوا أكفاءً بما يكفي ليقدّموا إجابات مهمّة.

واختُتم اللقاء بتعقيب محمد الشّريف فرجاني على ما أورده المتدخّلون في النّقاش، اعتبر فيه أن السّبيل الأمثل لتحصيل إجابات ضافية ومفيدة في محاولة فهم الأنساق الفكريّة والسّياسيّة التي أدّت إلى إنتاج المقولات الماهويّة في ما يتعلّق بالظّاهرة الإسلاميّة، يمرّ وجوباً بالعمل على فهم النصّ، معتبراً أن حصر الاختلاف حول تأويل النّص وقراءته قراءات انتقائيّة، في اتجاهات بعينها، بين الفرق والمذاهب الإسلامية، هو ما أدّى إلى السّياقات المتعصّبة والدّموية التي طبعت التّاريخ الإسلامي منذ القديم وصولاً إلى هذا العصر، وخلص من ذلك كلّه إلى القول بأنّ النّص يبقى قابلاً دائماً لتعدّد المعنى والاختلاف حوله، وأن ذلك لا يمكن أن ينتهي إلى اتّفاق عام بين النّاس بمختلف انتماءاتهم، وأنّ الحلّ النّاجع لمواجهة هذا التعدّد واحتوائه هو الأرضيّة المشتركة التي توفّرها المُواطنة التي تستند بطبيعتها إلى مفهوم الإنسان بغضّ النظر عن قناعاته الدّينية.