لقاء حواري فكري حول كتاب ''النّساء والإرهاب''

فئة: أنشطة سابقة

لقاء حواري فكري حول كتاب ''النّساء والإرهاب''

انتظم بمقر مؤمنون بلا حدود وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة، بتونس العاصمة، السّبت 05 فبراير الجاري، اللّقاء الحواري الفكري حول كتاب ''النّساء والإرهاب" بحضور صاحبة الكتاب دة. آمال قرامي، ومشاركة كلّ من د. عبد المجيد الشرفي، ودة. نائلة السليني، ود. محمد حمزة، ود. عبيد الخليفي، وأدار اللّقاء د. نادر الحمامي بحضور ثلّة من المتابعين الذين ساهموا في إثراء اللقاء.

أشار د. نادر الحمّامي بدايةً إلى أنّ الكتاب يثير الكثير من الاهتمام من النّاحيتين المضمونيّة والمنهجيّة، قائلاً إنّ مسألة الإرهاب أصبحت مشغلاً أساسيّاً راهناً، يؤثّر في المستويات الاجتماعية والسّياسية والاقتصاديّة. كما اعتبر أنّ العنوان الفرعي للكتاب "دراسة جندريّة" يحيل على مقاربة مهمّة، وهي المقاربة الجندريّة التي يحترس منها الكثير من الباحثين، وقال إنّها تتقاطع مع مقاربات أخرى وتتداخل معها.

وعادت دة. آمال قرامي في حديثها عن مؤلَّفها، إلى بدايات اختمار الفكرة لديها حول مسألة الإرهاب وعلاقته بالمرأة، وقالت إن الفكرة الأولى نشأت في ذهنها بعد أن تابعت مظاهرات قادتها مجموعة من المنقّبات في شارع بورقيبة بالعاصمة التّونسية إبّان أحداث الثّورة، وأنّها توقّعت حينئذ تشكّل ظاهرة جديدة في تونس، ستكون لها نتائج حتميّة على تصوّر المرأة التّونسية، باعتبارها تمثّل نماذج مختلفة لا نموذجاً واحداً. وفسّرت بذلك اختيار أن يحمل العنوان كلمة ''النّساء'' عوض كلمة ''المرأة''.

وأشارت إلى أن الفكرة وجدت طريقها إلى التّنفيذ من خلال الانخراط في مراكز بحوث عالمية مهتمّة بدراسة ظواهر التطرّف الدّيني العنيف، بالإضافة إلى ما أفادت منه بانضمامها إلى جمعيّات نسائيّة تشتغل على الأمن والسّلام ومواجهة التّطرّف. ما جعل الكتاب يمرّ من طور الفكرة إلى طور صقل الخبرات المعرفيّة، ومن ثم اختيار المقاربة الجندريّة التي تتواصل مع اهتماماتها البحثيّة الأكاديميّة، في إشارة إلى أن الكتاب من نوع الدّراسات وليس عملاً صحفيّاً.

وحول المادّة التي تضمّنها الكتاب، قالت أنّه ضمّ لقاءات شخصيّة فرديّة مع متعاطفات مع الفكر المتطرّف، كما تضمّن اشتغالا على المدوّنات الإلكترونيّة وعلى صفحات التّواصل الاجتماعي إلى جانب الاشتغال على النّصوص القديمة في باب الجهاد والاهتمام بالدّراسات الغربيّة كما اعتمد على بعض الأعمال المنشورة حول ظاهرة الإرهاب.

وعرجت صاحبة الكتاب على بعض الصّعوبات التي واجهتها طيلة الاشتغال على إنجاز العمل. ما دفعها إلى الاستعانة بالصّحفية بدار الصباح منية العرفاوي التي ساهمت في إنجاز بعض الحوارات الميدانية، إضافة إلى فصل آخر بمثابة التّأطير العام الذي اهتمت فيه بالسّياق المغاربي ورصد مختلف الشّخصيّات التي تورّطت في الإرهاب وكيف تطوّر مسارها.

واهتمت دة. قرامي بالمجال الذي يدور فيه الكتاب، فقالت إنه لا يحلّل سِير النساء والفتيات المنتميات إلى الجماعات المتطرّفة والتّنظيمات الإرهابيّة فحسب، بل إنّه ينظر في طبيعة المجتمع الأبوي وبنية العلاقات ما بين النّساء والرّجال، والنّساء والنّساء، وأشكال توزيع السّلطة وبناء الهويّات وأنماط الخطابات، وأثر التحوّلات الطارئة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وفكريّاً في حيوات النّساء ورؤيتهن لذواتهن وأدوارهن؛ وأنّه لذلك لا يقتصر على الفئة التي اختارت المشاركة في الأنشطة الإرهابيّة فقط، بل إنّه يمنح الصّوت لأمّهات وزوجات وشقيقات ارتبط مصيرهن بالإرهاب من خلال الابن أو البنت أو الأخ أو الزوج...

وفي تدخّله أشار د. عبد المجيد الشرفي إلى أنّ الكتاب يتعلّق بإطار عام يتجاوز قضيّة الإرهاب والنّساء، وأبدى ملاحظة نابعة من تتبّع المجهودات التي بذلها المفكّرون والسّياسيون ورجال الاقتصاد منذ النّهضة العربيّة، ورأى أنّ المشكل دائما بالنسبة إليهم، أنّهم يُصدمون ثمّ يقرّون بوجود مشاكل كبرى ويسعون إلى إيجاد الحلول، وقال إنّ هذا الكتاب يخالف ذلك فينطلق من ضرورة مسبقة، وهي محاولة الفهم، فلا يكتفي بإقرار ظاهرة من الظّواهر واستعجال الحلول لها، بل ينطلق من الفهم أوّلاً، سواء في مستواه المباشر البسيط أو في مستوى الأسس العلمية. وأدرج الشرفي الكتاب ضمن محاولة الفهم الجيد من زوايا مختلفة لظاهرة مشاركة النّساء في الإرهاب، وقال إنّ هذا الأمر ليس جديداً كلّ الجدّة ولكنّه يبدو هامشيّاً في الدّراسات العربيّة المتخصّصة، واعتبر لذلك أن تصدّر هذه الدّراسات للمشهد الفكري أمر ضروري بدونه لن تكون الحلول سوى مجرّد ردود فعل سطحيّة.

واعتبر أن النتيجة المستفادة من الكتاب تبيّن أن النساء اللاتي شاركن في الإرهاب كن ساعيات إلى إثبات الذّات وذلك ليس أمرا هينا، لأنّ المرأة كانت دائما مهضومة الجانب، وقال إن تلك الغاية نفسها هي التي تفسّر تعاظم الحركات النّسوية في الغرب ضدّ العنف والتحرّش والاستغلال. وبيّن أن إرادة إثبات الذات هي التي تقف وراء النّساء اللاتي انخرطن في الإرهاب، لأنّهن لسن راضيات بوضعهن، لكن الحل الذي ارتضينه كان خاطئا، وتساءل عن الدّوافع التي جعلتهن يخترن العنف والتطرّف لإثبات أنفسهن على خلاف ما وقع في الغرب.

وقال إنّ الكتاب يتضمّن مجهوداً متعدّد الجوانب، وأنّه يقدّم بعداً جديداً لمعالجة الظّاهرة بعيداً عن الحلول المغلوطة التي تستند على الجانب الأمني، واعتبر أن الكتاب يوفّر إمكانيات أخرى لمعالجة ظاهرة الإرهاب من الأساس لا فقط توابعها وانعكاساتها. واعتبر أن تلك الإمكانيّات لا تتوفّر من خلال الكتاب لفائدة جهة بعينها ولكن لفائدة قرّاء الكتاب جميعهم على اختلاف مستوياتهم؛ لأنّ الوعي بالظاهرة وإزاحة الحلول المغلوطة هو الذي من شأنه الوصول إلى النّتائج المرجوّة من حفظ لكرامة الإنسان وتمكين المرأة لأول مرة في التّاريخ من أن تأخذ حظّها في المجتمع.

واعتبرت دة. نائلة السليني في كلمتها أنّ الكتاب يهتمّ بقضايا كثيرة ويستند إلى مرجعيات يتحتّم على القارئ أن يعود إليها، وتساءلت حول وعي النّساء الإرهابيّات، في إشارة إلى أن طريق الإرهاب لم يكن لدى الكثير من النّساء اللاتي انخرطن فيه اختياراً واعياً للتّعبير عن أنفسهن. وقدّمت بعض الأمثلة عن نساء إرهابيات لتبيّن أنّ المنتميات إلى الإرهاب تابعات ومتمرّسات بمرجعيّات معيّنة وأنّ التّعامل معهنّ ليس بالعمليّة السّهلة، ولا يؤدّي بالضّرورة إلى فهم الظّاهرة وتحليل الدّوافع بدقّة.

وأشارت المتدخّلة إلى بعض تلك المرجعيّات معتبرة أن الإرهابيّات يستندن إلى منظومة نصيّة وفقهيّة تعادل في تصوّرهن المقدّس الذي لا يمكنهن تجاوزه أو حتى التّفكير فيه، ما يغيّب لديهن كل وعي بذواتهن في سياق ممارسة العنف وتقّبّله. ومن بين الأمثلة التي اهتمت بها السليني ما ارتبط بمنظومة العنف ومرجعيّاتها القديمة من ظواهر مثل "جهاد النّكاح" وقالت إنّ في ذلك استرجاع لمكانة المرأة في منظومة الغزو الإسلامي وما تعلّق بها من سبي وغنيمة.

وخلصت السّليني إلى بعض الدّوافع التي ساعدت في تصدّر الإرهابيّات التّونسيّات المرتبة الأولى في "داعش"، معتبرة أنّ الوضع السّياسي الدّاخلي التّونسي إبّان سنة 2012 كان حاسماً في ذلك، وعدّدت الأمثلة؛ ومن بينها السّماح لبعض الدّعاة المتطرّفين بتلقين السّجينات دروساً في الدّين، واستقبال وفود كبيرة من الدّعاة المتطرّفين من الخارج، والسّماح لهم بدخول الجامعات التّونسية وإقامة الخيمات الدّعوية في السّاحات العامّة... وقالت إن ذلك كلّه قد هيّأ الأرضيّة لإنتاج إرهابيّات متأثّرات بما يتقبّلن من تلقين.

وأشار د. محمد حمزة في كلمته إلى أهمّية دور القارئ في تمثّل الكتاب بالنّظر إلى أن الإرهاب يعدّ موضوعا متّصلا بالجميع، وهو جزء من الواقع، وقال إنّ ما يطرحه الكتاب من علاقة للمرأة بالإرهاب لا يبدو غريبا عن التمثّل العام للمرأة ولأدوارها التّقليدية. واعتبر أن الكتاب يتوجّه إلى متقبّل متعدّد؛ فهو يخاطب النّساء والقارئ العادي والقارئ الأكاديمي المثقّف ودوائر القرار والمسؤولين الأمنيّين، ومن يتبنّى المقاربة الجندرية. وطرح من ثمّ علاقة القطيعة التي يُواجَه بها الكتاب لدى المتقبّل الذي ينتمي إلى الإسلام السّياسي بالنّظر إلى أنّ الإسلاميّين عموماً ينكرون أيّة علاقة بين الجهاد والإرهاب، ويعتبرون أن الجهاد من ثوابت الدّين، وأنّه واجب شرعي وأنّ قتلى الجهاد شهداء، وأنّ من يتناولون الجهاد بصفته إرهاباً، إنّما يتبنّون مقالة تحمل أجندات مغرضة ومعادية للإسلام. وبيّن من ثم أنّهم يلحّون على القول بأنّ سبب الإرهاب هو ما يسمّونه سياسة ''تجفيف المنابع'' والتّضييق على الإسلاميّين.   

وقال حمزة: ''إنّ الكتاب يمسّ وجعاً فينا'' وأن قيمته لا تكمن في مجرّد رصد الظّاهرة، وإنّما في محاولة الفهم، وأنّه لذلك ينفتح على أكثر من مقاربة ولا يقتصر فقط على المقاربة الجندريّة، معتبراً أن المقاربة الجندرية مهمّة في محاولة إضاءة جوانب كبيرة من معضله الإرهاب.

وقدم د. عبيد الخليفي بعض الملاحظات في مستوى المرجعيّات العقائدية للتّنظيمات الإرهابيّة، مشيراً إلى بعض مؤلّفات تلك التّنظيمات حول دور المرأة الجهادي، واعتبر أن الكتاب المهم الذي أحدث قطيعة مع أدبيّات تنظيم القاعدة، هو ما ألّفه يوسف العيري في ما يتعلق بجهاد النّساء، واعتبر أنّه من فتح الباب وشرّع لحضور المرأة في التّنظيمات الجهاديّة وكان فاتحة لتنظيم داعش.

وقال إنّ الحديث عن المرأة في التّنظيمات الجهاديّة على أنّها فاعلة ومنتجة للعنف لا يبدو مقنعاً، معتبراً أنّها تبقى ضحيّة دائماً، لأنّها تُدفع نحو العنف وتمارسه رغماً عنها. وختم بالقول إن حضور المرأة التّونسية في التنظيمات الإرهابيّة لا يعدّ استثناءً لأنّها كانت حاضرة وفاعلة في حركة الاتّجاه الإسلامي منذ تأسيسها، بالإضافة إلى حضورها الفاعل في صلب الحركات الأخرى التقدّمية واليسارية.

وعقّبت المؤلّفة على ما تقدّم حول الكتاب معتبرة أن مصطلح ''الإرهاب'' يثير جدلاً كبيراً، وأنّها استعملته إجرائيّا لأخذ مسافة مع استعمالات الفكر الجهادي لبعض المصطلحات، وقالت إن اختيار العنوان أدّى إلى منع الكتاب في بعض البلدان العربيّة، بالنّظر إلى الاعتبار السّائد لديهم من أنّ الجهاد له مشروعيّة دينيّة ولا يعدّ إرهاباً.  

وأثار المتدخّلون في النقاش مسائل عديدة على هامش الكتاب، نذكر من بينها ما تعلّق بالمقاربة الجندرية للظّاهرة الإرهابيّة، وما تعلّق بطبيعة مشاركة النّساء ومدى فاعليّة دورهن في التّنظيمات المتطرّفة. وتساءل البعض حول المفارقة التي تتعلّق بمشاركة المرأة التّونسية في هذه التّنظيمات والحال أنّها تتقدّم نظيراتها العربيّات والمسلمات في منظومة الحقوق المدنيّة والاجتماعية، وفي مؤشّرات الوعي والتعليم والانفتاح الثقافي. وطرح البعض مقاربات أخرى ممكنة لقراءة ظاهرة الإرهاب من بينها المقاربات النفسيّة والاجتماعيّة والثّقافية والاقتصاديّة. واعتبر البعض أن الإرهاب صناعة عابرة للحدود وأنّه مرتبط بنظام السّوق، ارتباطه بالإنسان عموماً، وأنّه نتاج تمثّلاته وهواجسه وفهمه لذاته وللعالم المحيط به. وأشار البعض الآخر إلى اعتبار الإرهاب مؤامرة دوليّة غربيّة مدبّرة بإحكام ضدّ العالم العربي والإسلامي...