محاضرة أحمد سعد زايد "الدّين والعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة"

فئة: أنشطة سابقة

محاضرة أحمد سعد زايد "الدّين والعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة"

نظّمت مؤمنون بلا حدود للدّراسات والأبحاث وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة، بتونس العاصمة، يوم الأربعاء 28 فبراير، جلسة علميّة ألقى خلالها الأستاذ أحمد سعد زايد محاضرة بعنوان: "الدّين والعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة"، وقد أدار الجلسة د. نادر الحمّامي.

ودارت المحاضرة حول تحوّل الدّين، بعد نشأة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، إلى منزلة الموضوع لتلك العلوم بعد أن كان مفسّراً للاجتماع وللإنسان، وكان هذا التحوّل نقطة انطلاق جدل بين الدّين من جهة والعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة من جهة أخرى، وقد حاولت المحاضرة قراءة ذلك الجدل والسّعي إلى تفكيك تناقضاته واستشراف مآلاته.

واهتمّ أحمد سعد زايد ببيان علاقة العلوم الإنسانيّة بتقييم التّجارب البشريّة قديماً والعمل على تفسيرها، إضافةً إلى محاولة فهمها في سياق تتبّع التّطوّر الإنساني والوعي بالوجود البشري ومدى ارتباطه بالواقع والحقيقة، إضافةً إلى النّقد العلمي الموضوعي، واعتبر أنّ السّؤال الجوهري الذي تطرحه هذه العلوم يدور حول ماهية حقيقة الإنسان.

وعرض في خلال ذلك بعض المعلوماتٌ التّاريخيّة حول العلوم الإنسانيّة، وأشار إلى أنّها تأسّست على البحث في تفاصيل حياة الإنسان ونشاطاته عن طريق استخدام منهجيّة الظّواهر، وأنّها تتضمّن علم الاجتماع والتّاريخ والاقتصاد وعلم الإنسان، وأنّها تعتمد على العديد من الأساسيات التي تجعل من التّراكم المعرفي الإنساني وسيلة للتّقدم البشري واكتشاف الحقيقة الإنسانيّة، وأنّ استخدام هذه العلوم يختلف عن المنهج الوضعي المطبّق في مجال العلوم الطّبيعيّة، وأنّ ذلك لم يمنعها من التّأثّر بالوضعيّة؛ وقد بيّن ذلك من خلال ما ذكره حول ابن خلدون الذي حاول دراسة العمران البشري بمنهج قريب من الوضعيّة، وقال إنّ العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة بدأت تُدرس منذ نهاية القرن التّاسع عشر في الغرب بمنهج وضعيّ، وقدّم مثالاً دراسة الظّاهرة الدّينية من خارج إطار المقدّس وبمسافة واحدة بين جميع الأديان انطلاقاً من اعتبار التّجربة الإنسانية واحدة.

وخلص أحمد سعد زايد من ذلك كلّه إلى رصد نماذج عن كيفيّات التّعامل الإسلامي الحديث مع الظّواهر الإنسانيّة والاجتماعيّة، مركّزا على بعض الظّواهر لمن يقولون بالتّوفيق بين منجزات العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة في الغرب والدّين الإسلامي بمختلف امتداداته الثّقافية والتّاريخيّة؛ من ذلك القول باشتراكيّة الإسلام، وليبراليّة الإسلام، والحرية في الإسلام، وتحرير العبيد في الإسلام، وحرّية المرأة في الإسلام... والقول إن ما بنيت عليه الحضارة الغربيّة في ما يخص العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة هو بالأساس "بضاعتنا رُدّت إلينا"، وقد مثّل لذلك بقول محمد عبده عندما زار أوروبّا: "رأيت في أوروبا إسلاماً بلا مسلمين وفي بلدنا مسلمين بلا إسلام". وعدّد من ثمّ انعكاسات ذلك على مسائل السّياسة والاقتصاد والاعتقاد بتفوّق نظام الحكم الإسلامي على أنظمة الحكم الاشتراكيّة واللّيبراليّة في الغرب، وكذلك بتفوّق الفكر الاقتصادي الإسلامي على النّظام الاقتصادي العالمي، والقول بتفوّق التّطبّب الشّعبي المستند إلى الأحاديث النّبوية والخرافات والأساطير على الاكتشافات الطبّية الهائلة التي قطعت أشواطاً من التّطوّر المتواصل، وعدّ ذلك كلّه تشويهاً يطال أنساق العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة واضطراباً يعطّل فهم مناهجها من قِبل المسلمين المعاصرين، معتبراً أنّ النّقل الحضاريّ الجاهز ومحاولة الانتساب إلى منجز الثّقافات الأخرى ينبغي أن يمر وجوباً عبر الاعتراف بمسارات العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة في الغرب واعتبارها منجزاً كونيّا.

وعقّب د. نادر الحمامي على ما تقدّم بالإشارة إلى أنّ المنظومة الحضارية الغربيّة التي أنتجت العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة الحديثة، إنّما تقوم على الفرد لا على الجماعة بعكس الثّقافة العربيّة الإسلاميّة القديمة، معتبراً أنّ إيلاء الفرد الأهمّية القصوى مرتبط بالمنظومات الثّقافية الحديثة دون غيرها. وأشار إلى أنّ المعارف العلميّة سواء منها الإنسانيّة أو الطّبيعيّة، وسواء في العالم الغربي أو غيره، كان هدفها البرهنة على وجود الخالق وعلى قدرته وعظمته، وأنّ المعارف القديمة كلّها كانت تدور في فلك الدّين، ولم يتغيّر ذلك إلا بعد فكر الحداثة وفلسفة الأنوار حين تغيّر تصوّر علاقة الله بالطّبيعة وعلاقة الطّبيعة بالإنسان، وتحوّل التّصوّر العمودي لتلك العلاقة إلى تصوّر أفقي نتج عنه تحوّل كافّة العلاقات إلى علاقات سببيّة أنتجت لاحقاً فكرة المساواة والحرّية والدّيمقراطيّة...

واختتم اللّقاء بنقاش بين الحضور حول مسائل المحاضرة، وتعرّض البعض إلى قضايا متعلّقة بأسلمة المعرفة، والطّابع الكوني للعلوم الحديثة، وإمكانيات التقبّل الإسلامي لمنجزات العلم الحديث، وفصّل البعض الآخر ذلك سياسيّا واقتصاديّا وثقافيّا، وتمّت الإشارة إلى بعض المبادئ الاستشرافيّة التي يمكن أن تؤثّر في تغيير نظرة العالم العربي والإسلامي الرّاهنة إلى الآخر ومنها إلى المنجز العلمي والحضاري الذي أنتجه، وضرورة المشاركة فيه والتّعامل معه.