محاضرة د. مبروك المنَّاعي حول: "الشّعر والمقدَّس"

فئة: أنشطة سابقة

محاضرة د. مبروك المنَّاعي حول: "الشّعر والمقدَّس"

انتظم بمقرّ مؤسّسة مؤمنون بلا حدود للدّراسات والأبحاث وجمعيَّة الدّراسات الفكريَّة والاجتماعيَّة، بتونس العاصمة، يوم الأربعاء 15 نوفمبر الجاري، اللّقاء الفكري الذي قدَّم خلاله د. مبروك المنّاعي محاضرة بعنوان: "الشِّعر والمقدَّس"، وقد أدار الجلسة الدكتور نادر الحمَّامي.

افتتح د. مبروك المنّاعي محاضرته بالقول: ''إنَّ الشِّعر والمقدَّس موضوع كبير ومعقّد ومتعدّد الأبعاد''، واهتمَّ من ثمَّ بالبحث في المقصود من وراء العلاقة بين الشِّعر والمقدَّس، وتساءل إذا كان ذلك يستبطن أنَّ الشعر أوضح من المقدَّس أو أقرب منه، بالنَّظر إلى المحتوى الانفعالي الذي يعبّر عنه، وقد علّق على هذه العلاقة بالقول: إنَّها تثبت اتّصالاً تاريخيَّاً قديماً جدَّاً بين الظّاهرتين، وهو اتّصال مزدوج يستند إلى طبيعة كليهما؛ ''ففي الشِّعر بُعد من أبعاد المقدَّس، وفي المقدَّس بُعد من أبعاد الشِّعر''، واعتبر أنَّ سبب ذلك يكمن في غرابة الظَّاهرة الشّعريَّة أو الهالة التي تعمَّد الشّعراء أن يُحيطوا بها نشاطهم، وأنَّه قد تسبَّب منذ القديم في النّظر إلى الشّعر على أنَّه نشاط متعلّق بالغيب وبالعجائبي، وأنَّه في اتّصال بالأسطورة وبالسّحر، وفي اتّصال بالدّين، واعتبر أنَّ بين تلك العوالم صلات واضحة.

وخلص من تلك الملاحظة الأولى إلى أنَّ ذلك يجعل من غير المستغرب أن يُنعت الرُّسل بأنَّهم شعراء، لأنَّ الشّعراء عرفوا بأنَّ لهم أعواناً من الغيب كانوا يخالطونهم ويلقون بالشّعر في أفواههم. وقد قسَّم في ملاحظة ثانية العلاقة بين الشّعر والمقدَّس إلى نوعين: فإمَّا أنَّها علاقة وئام وانسجام واحترام، أو علاقة خصام وصدام وهتك وخرق. وأشار المنّاعي إلى أنَّ النَّوع الأوَّل أعطى شعر الزّهد والوعظ والتصوُّف، أمَّا النَّوع الثّاني، فقد أعطى شعر اللّهو والمجون والزَّندقة. وقال: إنَّ ما يهمُّه أساساً من هذه العلاقة ليس المقدَّس وإنَّما الشّعر.

وتساءل من ثمَّ، أيّ هذين النَّوعين يفيد الشّعر أكثر؟

وأجاب عن التَّساؤل مباشرة بالقول: إنَّ النَّوع الثّاني من العلاقة، أي علاقة الخصام والصّدام والهتك، هي التي تفيد الشّعر ومن ورائه بقيَّة الفنون الأخرى أكثر، وسوَّغ ذلك بأنَّه يتماشى مع إحدى الحقائق الكبرى في النَّظرية الأدبيَّة؛ وهي حقيقة أنَّ الأثر الفنّي في الشّعر يقوم على العدول أو خرق السّنن التّعبيريَّة والخروج عنها لا على الانسجام، بل إنَّ الإبداع، مفهوماً واصطلاحاً، هو ارتكاب البدعة، أي خرق السنن، ومن ثمَّ فهو في الشّعر خرق ونشاز خلَّاق ومفيد. وأشار إلى أنَّ عمق العلاقة بين النقض والخلق الفنّي في الشّعر يتمثل في نظم البدع شعراً أو اتخاذ البدعة موضوعاً للإبداع، وقال: إنَّ ذلك من شأنه أن يؤجّج الفنَّ في الشّعر، لأنَّ البدعة في حدّ ذاتها، حتى خارج النَّظم الشّعري، إنَّما هي شعر جاهز، فإذا قيلت البدعة شعراً، ازداد العجب وتأجَّج الفنّ.

وقدَّم المنّاعي أمثلة عن ذلك الخرق من قول الشّعراء، ومن بينهم الشّنفرى في وصيّته عمَّا ينبغي أن يُفعل بجثته بعد موته، في قوله: ''ولا تقبروني إنَّ قبري محرّم عليكم...''. وأوصى في مقابل ذلك بأن يتركوا جثّته للضّباع، ثمَّ أشار إلى تليد الظبّي وهو من شعراء العصر الأموي، وقد عاقبه الخليفة عمر بن عبد العزيز بأن يبني المساجد، فقال:

                ''تبدَّلت من سوْق الأباعر بالضّحى   :   ومن قنص الغزلان بني المساجد''.

وقال المنّاعي: إنَّ هؤلاء الشُّعراء عاشوا في كلّ العصور، وقد حصَّلوا شعراً جيّداً من خلال احتكاكهم بالمقدَّس وتحرُّشهم به، وقد أضاف إلى هؤلاء مثال أبي القاسم الشّابي في قوله:

                ''إذا الشعب يومــــاً أراد الحياة   :     فلا بدَّ أن يستجيب القدَر''.

واستدرك المنّاعي ما سبق أن ذكره بالنّسبة إلى النَّوع الأوَّل من الشّعر الذي ينسجم مع المقدَّس، معتبراً أنَّ هذا النَّوع من الشّعر أيضاً توجد فيه مواطن خرق للمقدَّس تتمُّ بموافقة ضمنيَّة عامَّة يتربَّص فيها الشّعر بالمقدَّس ويحاول أن يتسرَّب إليه، وينتهز الفرص لتحقيق ذلك، وأورد أمثلة من شعر المديح النَّبوي حين يتعرَّض الشعر إلى القول في المعجزات ويحاول الاستحواذ على المعجزة ونظمها شعراً، وقال: إنَّ المعجزة ههنا كالبدعة، وهي أيضاً شعر جاهز ينتظر النَّظم، وقدَّم مثالاً آخر الشّعرَ الصُّوفيَّ الذي تسرَّبت إليه الخمريَّة والغزليَّة.

وانتقل المنَّاعي إلى ما اعتبره مثالاً أوسع للخرق في القصيدة العربيَّة، وهو أبو نواس من خلال شعره في الخمر، وأشار إلى مفارقة مفادها أنَّ أبا نواس يُعدُّ من أكثر الشّعراء حظّاً من الثقافة الدّينيَّة، فقد قالت عنه المصادر: إنَّه كان ''عالماً فقيهاً عارفاً بالأحكام والفتيا بصيراً بالاختلاف، صاحب حفظ ونظر ومعرفة بطرق الحديث ويعرف ناسخ القرآن ومنسوخه...''، وقال: إنَّه من أقدر الشّعراء على تحويل المادَّة الدّينيَّة إلى شعر، وهو مع ذلك كلّه من أكثرهم جرأةً على الدّين وتمرُّداً على المقدَّس وتحويلاً للمادَّة الدّينيَّة إلى شعر غير ديني.

وتساءل المنّاعي قائلاً: لماذا فعل أبو نواس ذلك؟

وقد ردَّ ذلك لأسباب بعضها نفسي بحت؛ يفسَّر بمزاجه المرح وشخصيّته العابثة الخفيفة الظلّ الميَّالة بطبعها إلى الفكاهة والظّرف والمفتونة بالتماس العجيب المضحك...، وبعض تلك الأسباب نفسي وجودي يتعلّق بالحاجة إلى نبذ الانصياع للجماعة واختيار الحريَّة والتديُّن الفردي في قوله: ''ديني لنفسي ودين النَّاس للنَّاس...''.