i مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث - ندوة: "أزمة القيم المعاصرة"

ندوة: "أزمة القيم المعاصرة"

فئة: أنشطة سابقة

ندوة: "أزمة القيم المعاصرة"

جدعان وجاب الله والعلوي: العالم العربي الإسلامي تمزقه منظومات متشظية


كشف الدكتور حمادي بن جاب الله من تونس، والدكتور سعيد بنسعيد العلوي من المغرب، عن الكثير من الاختلالات التي تعرفها القيم في العصر الراهن، وعن التراجع الكبير الذي عرفته القيم في المجتمعات العربية الإسلامية اليوم، وعن الانتكاسة الكبرى التي نشهدها اليوم بسبب التبعية للغرب، والارتداد الذي أصاب الأمة العربية الإسلامية بسبب مجابهة كل معارض أو مخالف ونعته بالكفر، مشيران إلى أن العالم العربي الإسلامي تمزقه منظومات متشظية ومتناسلة.

وعبر الباحثان المتخصصان في الفكر والفلسفة بن جاب الله وبنسعيد العلوي، إلى جانب المفكر العربي الدكتور فهمي جدعان، الذي سير وقدم لندوة "أزمة القيم المعاصرة" المنظمة مساء يومه السبت 10 يناير (كانون الثاني) الجاري بصالون "جدل الثقافي" التابع لمؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" بالعاصمة الرباط، عن ذعرهم لما آلت إليه اليوم منظومة القيم في العالم العربي الإسلامي، سواء تعلق الأمر بالمواقف من الأشياء الخارجة عنا، أو من الأشياء المرتبطة بالجسد كالصحة والمتعة واللذة، أو القيم النظرية كالأخلاق، أو القيم الدينية مثل التسامح والإحسان، وغيرها من الأمور الأساسية التي استعرضها الدكتور فهمي جدعان، والذي أفصح عن اشتغاله على مشروع حول "القيم في مجتمعاتنا العربية الإسلامية" لفائدة مؤسسة مؤمنون بلا حدود.

وأشار جدعان إلى أن معالجة القيم في الفضاءات العربية المسلمة لم تعد ممكنة من دون الحديث أو المقارنة بين الفضاءات العربية والغربية، لأنها هي التي ستمكن من معرفة المآزق التي تتخبط فيها القيم بهذه المجتمعات على السواء.

بن جاب الله: نعيش أزمة وفاء لقيمتي الحرية والعقلانية

ابتدأ المفكر التونسي حمادي بن جاب الله مداخلته بالتعبير عن الخطورة التي تشهدها منظومة القيم في المجتمعات العربية الإسلامية، وبالتعبير أيضا عن عدم اطمئنانه لاستعمال مصطلح أزمة، مهما كانت دلالاته وأبعاده، وذلك لسبب إبستيمولوجي، لأن الأزمة برأيه نشأت مع الطبيب أبو قراط، متسائلا هل يصح استعمال ما يقال عن الجسد في الحديث عن المجتمعات والقيم.

وأضاف بن جاب الله أنه، ولاعتباره تونسيا ومنتسبا إلى الحضارة العربية الإسلامية، لا يمكن له أن يتحدث عن الآخرين دون أن ينطلق من نفسه، خاصة أن الغرب في رأيه قد استفاد من الحضارة العربية الإسلامية، وارتكز على مقوماتها الأساسية، ولهذا عبر عن تحفظه من مصطلح الغرب.

وفي إطار تحليله لأسئلة القيم في عالمنا العربي المعاصر، ساق بن جاب الله أمثلة من الثقافة العربية الإسلامية، التي تصف بشكل ما أوضاعنا الراهنة، وتطرح إشكال الأزمة القيمية، منها ما جاء على لسان البيهقي في القرن 10 م / 4 هـ:

إنَّ اليهودَ لِحُبِّهم لنبيِّهم                         أَمِنُوا بَوَائِقَ حَادِثِ الأزمانِ

وذوو الصليبِ بحبِّهم لصليبِهِمْ                يمشون زَهْواً في قُرَى نَجْرَانِ

والمؤمنون بحبِّ آلِ محمَّد                     يُرْمَون في الآفاقِ بالنيرانِ

وذكر بن جاب الله أن تلك الشكوى التي تعود لقرون خلت تتقاطع في كثير من الجوانب مع ما يحدث اليوم في العالم العربي الإسلامي، كما أن ما حدث، في رأيه، ليلة مولد الرسول له أكثر من دلالة، فيوم مولد الرسول خمدت نار كسرى، ومات "سطيح"، وسطيح هذا كان من كبار المنجمين العرب، كما سقطت 14 شرفة من شرفات أنو شروان، وكل هذه الأمور فسرها بن جاب الله بما يلي: "الإسلام حُلم بأن تكون لنا أعماق، وأن يكون لنا استقلال، وأن ننتصر على الشرك ورفع كلمة الله والحرية".

وبعد استعراضه لبعض من الأساطير العربية، والأشعار، التي اختتمها بقصيدة "البردة" للشاعر أحمد شوقي، تساءل بن جاب الله: أين نحن اليوم من كل هذا؟ ولم ظلت أوضاعنا منذ 14 قرنا على حالها؟ وأجاب: "نحن أمة تحلم أن تكون مؤتمنة على عرش الرحمان، وأن تكون حرة".

وعلى الرغم من احترازه من مصطلح الأزمة، إلا أن بن جاب الله واصل مداخلته بالحديث عن أزمة الحرية في العالم العربي الإسلامي، وقارنها بنظيرتها في العالم الغربي، قائلا: "لا وجود لقيم إلا بوجود الحرية، وليس فوق الحرية ولا تحتها أي شيء"، مشيرا إلى أن ما يمكنه اعتباره اليوم أزمة، هو أزمة في الوفاء إلى قيمتي الحرية والعقلانية، لأنهما تشكلان الركن الوثيق للحداثة التي لم تكتمل بعد في بلداننا، ومؤكدا أنه إذا لم تكن هناك عقلانية ولا حرية، فسنعود إلى عهد حمو رابي.

بنسعيد العلوي: العالم العربي الإسلامي تمزقه منظومات متشظية 

ذكر المفكر المغربي سعيد بنسعيد العلوي أن انشغاله بالفكر العربي الإسلامي وتطوره عداه إلى تأمل سؤال القيم والأخلاق في الثقافة العربية الإسلامية في هذه الندوة لمؤسسة "مؤمنون بلا حدود"، لا بهدف العودة إلى الماضي، ولكن من أجل فهم الحاضر، والتطلع إلى استشراف المستقبل، ولهذا قدم تحديدات معينة للقيم في إطلاقيتها، وهي: الحق، والخير، والجمال، وعلى مستوى تمثلاتها في الوعي الجماعي، مستنتجا أن القيم مطلقة وخالدة، أو تطمح إلى ذلك، ونظرا لارتباطها بالتاريخ فهي تتغير حسب تغيرات أحوال وأشكال الوجود البشري.

وأضاف بنسعيد العلوي أن القيم أيضا تخضع للنسبية، مستقرئا لها عبر التحقيب التاريخي، الذي حدده في خمسة أطوار مستعينا بمصطلحات تعود لابن خلدون:

الطور الأول يتعلق بالمجال الثقافي العربي الإسلامي في العصر الكلاسيكي؛ أي الزمن المرجعي الذي يجيز الحديث عن السلف الصالح والعصر الذهبي، وهو زمن القوة والاستنباط، حسب تعبير ابن خلدون، مشيرا إلى أن الثقافة في هذا العصر كانت حِوارية. والطور الثاني هو عصر الانحطاط والركود، والطور الثالث هو زمن النهضة والانتفاض، واستعادة الوعي، فيما الطور الرابع هو زمن بناء الدولة العربية الإسلامية الحديثة، أو ما يعرف بدولة الاستقلال، ولكن الباحث ينعتها بدولة الاستبداد، دون تقديم أي مبرر لذلك. أما الطور الخامس، فهو زمن التأجج والعولمة، وهو عصر أزمة بامتياز، في رأي الباحث.

وأثناء استقرائه للقيم التي كانت سائدة في تلك المراحل التاريخية، ذكر بنسعيد العلوي أن العصر الأول؛ أي الكلاسيكي، شهد قيماً إسلامية خالصة، وأخرى ورثها عن حقب سالفة، وهي قيم: المروءة، والحكمة، والعدل، والتقوى، والحق، والعقل. وخلص إلى أن القيمة الأساسية التي كانت سائدة في العصر الكلاسيكي هي قيمة العقل.

وذكر أنه في عصر الانحطاط لم يكن هناك أي مجال للاجتهاد، ولا لحضور الحكمة، أو مفهوم العدل، مبرزا أن المفاهيم التي كانت تتكرر في ذلك العصر هي: الاتباع، والطاعة، والتواكل؛ أي التقليد والاستبداد، معتبرا أن عصر النهضة أو زمن الانتفاض شهد اكتشاف التأخر المزدوج للمجتمعات العربية الإسلامية، عما كانت عليه في السابق، وعما كانت عليه البشرية آنذاك. واستحضر العديد من المفاهيم والقيم التي ناقشها المفكر العربي فهمي جدعان في العديد من كتاباته المتخصص في عصر النهضة، من مثل قيمة التقدم، والحرية.

وأكد بنسعيد العلوي أنه في فترة بناء الدولة، أو مرحلة الاستبداد كما وصفها، لم يحدث أي تغيير على مستوى القيم، لكن في عصر العولمة والتأجج كثرت التعريفات، ووقف عند تعريف للعولمة يقول بأن "العولمة هي نسق جديد من العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، تتجاوز الحدود وتختصر المسافات"، وهذا النسق أدى إلى إلغاء كل الحدود، وإلى الثورة التكنولوجية في العالم.

وأوضح أن العالم العربي الإسلامي في ظل العولمة، بدأ يعرف صراعات بين ثلاث منظومات، وهي: منظومة الحداثة والفكر المؤمنة بقيم الحرية وحقوق الإنسان، والقول بالذاتية، ومنظومة العولمة وقيم الثقافة الواحدة والاستهلاك المفروضة على العالم العربي الإسلامي من الخارج. ثم منظومة إسلامية، وداخلها منظومات متشظية متناسلة تمزقه، وهو ما خلق أزمة كبيرة، وأفرز نوعا جديدا من الخطاب نجد فيه قيم: الهوية، والإسلام الحقيقي، والتكفير، وهو ما نتج عنه الانتكاسة والارتداد الذي نعيشه في العالم العربي الإسلامي.