i مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث - ندوة: "التحولات القيمية بالمغرب"

ندوة: "التحولات القيمية بالمغرب"

فئة: أنشطة سابقة

ندوة: "التحولات القيمية بالمغرب"

باحثان في علم الاجتماع يرصدان تناقضات القيم في المجتمع المغربي


تناول الأستاذان في علم الاجتماع؛ المختار الهراس وعبد الرحيم العطري، موضوع القيم في المجتمع المغربي، وذلك في ضوء التحولات البنيوية والسوسيولوجية التي حصلت بفعل عوامل مختلفة، داخلية وخارجية، وأثرت على أبعاد منظومة القيم وأنماط تمثلها ومسالك تطورها في الأوساط الاجتماعية.

توقف المحاضران، في ندوة بعنوان "التحولات القيمية بالمغرب"، نظمت ضمن فعاليات "صالون جدل الثقافي" بمقر مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث بالرباط، مساء أمس السبت 20 ديسمبر (كانون الأول) 2014، عند مفارقات تمثل القيم لدى الفئات الاجتماعية وهيمنة الطابع الانتقائي بإزاء ما يتيحه التقليد والحداثة من معايير متعارضة، بل وأحياناً متناقضة.

الهراس: القيم مثالية، تشير إلى ما يجب أن نفضل لا ما نفضل بالذات

استهل المختار الهراس مداخلته الموسومة بـ"تحولات القيم في العائلة المغربية" بتحديد معنى "القيم" معرفاً إياها بأنها اختيارات أو تفضيلات "مثالية" لدى الأفراد أو الجماعات؛ فهي تشير إلى "ما يجب أن نفضل لا ما نفضل بالذات"، كما أشار إلى تأثرها في المعايير والمواقف، لولا أن القيم، يضيف الأستاذ المحاضر، ليست ثابتة بل متغيرة ومتطورة كما أن تحولاتها ترتبط بالجنس والسن والفئة الاجتماعية.

انتقل الهراس إلى فحص القيم الأسرية، مذكراً بتميز المؤسسة العائلية عبر التاريخ بصمودها أمام عوامل التغيير، معتبراً أننا نعيش تحولات كثيرة في المجتمع نتيجة عوامل التصنيع والتحضر والإعلام والتمدرس، بما ساهم في التأثير على القيم الأسرية، وبالتالي لم تعد الأسرة هي المصدر الوحيد المنتج للقيم، بل صارت موضوعاً للمنافسة من طرف تلك العوامل ذاتها. وفي خضم هذه التحولات، أخذت الدراسات السوسيولوجية في تناولها للأسرة المغربية تتمركز حول ثلاثة نماذج هي النموذج الزواجي، النموذج التقليدي، ونموذج المزج بين الاثنين.

كما أشار الهراس إلى وجود تفاوت في المجتمع بشأن درجة تمثل عدد من القيم المتعارضة مع قيم الحداثة، مثل الشرف والعفة والطاعة التي طبعت السلوك بين عناصر الأسرة المغربية التقليدية، وفي السياق نفسه، ذكر أن ثلثي الخلايا الأسرية في المغرب تبقى ذات طبيعة نووية لكنها ثقافياً، لازالت تحمل قيم الأسرة الممتدة، مبرزاً أن الانفصال السكني لم يؤثر في تحول القيم على هذا المستوى.

على صعيد آخر، تعرض الهراس لمجموعة من المؤشرات الدالة على تحولات عميقة في أنماط العيش لدى الشباب المغربي، مثل نزوع الشباب إلى اختيار شريك الحياة بمحض اختياره، وأن الزواج صار يحصل في سن متأخرة، كما أن الفارق بين الزوجين صار يتقلص مع تزايد الزواج من مناطق مختلفة وتحول الصداق إلى مجرد مسألة رمزية، كما صار الدافع إلى الزواج يبرر في تصور الشباب بالسعادة الشخصية، وليس المصلحة الجماعية كما كان من قبل.

وتطرق الهراس أيضاً إلى أنماط الطلاق، لافتاً إلى تراجع الطلاق الرجعي في مقابل تزايد الطلاق الاتفاقي، وأن أغلب حالات الطلاق تتم عبر تفريق الزوجين بسبب الشقاق، فأصبح الطلاق نهائياً لا رجعة فيه بنسبة أكثر من 80 في المئة من حالات الطلاق المسجلة.

واختتم المحاضر مداخلته بالإشارة إلى أن الفردانية التي يسير عليها المجتمع لا تنجم عن القرارات الحرة للأفراد لتأثرهم بمحيطهم، لأنهم في مرتبة أشبه بالإلزام بأن يكونوا "فرديين" إلى حد ما؛ فالإنسان يصنع بيوغرافيته ونفسه في عالم متغير من حوله، وهذه من مُميزات المجتمع الحديث، حيث صارت البيوغرافية معولمة وكونية، وهو ما يؤثر على تغير القيم التي نحملها.

العطري: هيمنة الترميق على اختيارات وسلوك الأفراد

من جانبه، تناول عبد الرحيم العطري في مداخلته المعنونة بـ"احتمالات التحول القيمي: صيغ التفاوض والترميق" قضية التحولات القيمية في المجتمع المغربي، مشيراً إلى تضارب المعطيات المقدمة من طرف الدراسات المنجزة والمراكز المهتمة بظاهرة القيم في المغرب، حيث تقدم لنا بعضها مؤشرات تدينية عالية، وأخرى تتحدث عن توجه مجتمعي نحو العلمنة، في حين تتحدث أخرى عن مجتمع ينتج الازدواجية.

والسبب هنا يعود بحسب المحاضر إلى ظاهرة "الترميق" (bricolage) التي يعيشها المغاربة، والتي تجعلهم يعيشون بعض قيم الحداثة، ويتمسكون بها في حين يرفضون أخرى ويتشبثون بالتقليد في مقابلها، وهذا ما جعله يقتنع بأننا "نجيد التفاوض مع الواقع"، ما دمنا نجنح نحو الترميق والتناص والتقنع والهروب.

كما قدّم العطري موضوعه عبر دراسة خمس عتبات، وجاءت كالتالي: عتبة المفهوم والفهم والسياق والحال والترميق، حيث حدّد في البداية المعنى من مصطلح "التحول" الذي يتكرر في الدراسات السوسيولوجية بتعبيرات مختلفة، مثل: التغيير الاجتماعي، الحراك الاجتماعي، التحول الاجتماعي دون أن يتعلق الأمر بمترادفات، بل بمفاهيم "تعكس رؤى نظريات سوسيولوجية مختلفة لمنطق وعمق ووتيرة ما تشهده المجتمعات من تغيرات بطيئة تمتد عبر عقود أو حقب أو تطورات سريعة".

كما ذكر أن الثراء اللغوي الذي تحفل به كلمة "تحول"، نجده أيضاً في المتن الفرنسي، حيث توجد "كلمات من قبيل Mutation و Changement و Transformation للتأشير عن نوع من التغير الذي يهم الواقع"، وأضاف أنه خارج هذا الثراء اللغوي يمكن تعريف التحول الاجتماعي بأنه "كل تغير يطرأ على بنيات المجتمع خلال فترة معينة، فهو يهم كل تغير مادي أو رمزي يحدث تبدلات في أنماط العلاقات وأشكال الوظائف والأدوار ونظام الرموز والقيم والتصورات".

كما عرج في هذا السياق على معنى "القيم" مشيراً إلى التباس جلي في المفهوم، وحضوره في قطاعات مختلفة من فلسفة واجتماع وثقافة واقتصاد، وهي في كل مجال من هذه المجالات تحمل دلالة خاصة، متوقفاً عند ارتفاع الطلب السياسي والاجتماعي على القيم، وأوضح أننا نستحضرها كمعايير وموازين اجتماعية للاسترشاد والحكم على ما هو مرغوب فيه وغير مرغوب فيه، وأنها المعايير والأحكام التي تجتمع لدى الأفراد والجماعات وتصير ناظمة وضابطة وحاكمة للتمييز والتقييم.

وحول الإشكال المطروح في دراسة القيم، أكد المحاضر على الحاجة إلى ما سماه بـ"العقل العلائقي" الذي يُمَكن الباحث من "تحليل الوقائع الاجتماعية في ظل نوع من "التشبيك العلائقي"، حيث يتم إرجاع كل شيء إلى شبكة تعددية من العناصر والمعطيات" مشيراً إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار تأثيرات هذه العناصر بواسطة حركاتها وسكناتها "على مجموع مكونات الشبكة، بل إن حركاتها وسكناتها هاته، لا ترهن الحاضر فقط، بل تمتد إلى المآل في ثباته وتحوله".

وتحدث المتدخل أيضاً عن دينامية التحول المفروضة على المجتمع بفعل الانتقال الديمغرافي والثقافي والمجالي والاجتماعي والقيمي والتقني، مما وفر قاعدة للتحولات على مستوى تمثل القيم وممارستها، لكنه أشار مع ذلك إلى ما سماه بـ"عسر الانتقال"، إذ إن تلك التحولات لم تنقلنا من الحالة السابقة إلى الحالة المرجوة، بل جعلتنا في منزلة "البين بين"؛ أي بين القبيلة والدولة وبين التقليد والحداثة وبين المحافظة والتجديد...فصرنا نعيش مجتمعا برزخيا، مجتمع "البين بين"، المجتمع الذي يسير بدون بوصلة.

وفي الأخير، أشار العطري إلى واقع مؤسساتنا التي رغم عصريتها، فإنها غارقة في الممارسات والتصورات والعلاقات التقليدية لوجود التباسية على مستوى الخطاب والممارسة، وهذا واقع يجعل المغربي لا يجد من سبيل أمامه، "سوى اللعب على حبلين في آن واحد: حبل المؤسسات الدولاتية العصرية، وحبل المؤسسات القبلية التقليدية"، ولسان حاله أن "يربح في هذا الجانب ما خسره هنالك".