i مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث - ندوة: "الفقه والواقع: إشكاليات النص والسياق"

ندوة: "الفقه والواقع: إشكاليات النص والسياق"

فئة: أنشطة سابقة

ندوة: "الفقه والواقع: إشكاليات النص والسياق"

احتضنت العاصمة الموريتانية نواكشوط ندوة علمية في موضوع: "الفقه والواقع: إشكاليات النص والسياق" يومي الخميس والجمعة الموافقين لـ 30 و31 يناير 2014، نظمتها مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث بشراكة مع المركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية الموريتاني.

راهنت الندوة على تقديم رؤية علمية رصينة عن الفقه الإسلامي، ومناهج الاجتهاد التي أنتجته، ومدى صلاحية هذه المناهج لإنتاج فقه إسلامي معاصر، كما توقف هذا اللقاء عند الحاجة الماسة إلى توظيف مناهج علوم الاجتماع لقراءة هذا الفقه قراءة جديدة تبعا لتغيرات الواقع، مع دراسة حجم تأثر الفقه بالسياق التاريخي الذي ظهر فيه وقدرته على ضبط حركة المجتمع، وكيف يمكن لنا الاستفادة من تلك السمة في إنتاج فقه إسلامي جديد، يستجيب لمقتضيات العصر.

افتتحت أولى جلسات هذا اللقاء العلمي بجلسة صباحية جاءت تحت عنوان: "الفقه ومناهج العلوم الاجتماعية" ترأسها الدكتور أحمد الخمليشي، مدير دار الحديث الحسنية، وتميزت بمشاركة الأساتذة: كمال الصادق عمران، أستاذ الحضارة بمعهد الحضارة بجامعة الزيتونة، تونس، بمداخلة تحت عنوان: هل المسلمون اليوم بحاجة إلى تجديد في الفقه أم إلى تجديد في الفكر؟؛ وأبو بكر ولد أحمد، رئيس مجلس جائزة شنقيط، ووزير سابق، بمداخلة تحت عنوان: المدونة الأصولية، إمكانات التأويل والتجديد، وأخيرا، السيد ولد أباه، أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة نواكشوط، بمداخلة تحت عنوان: الدين والقيم: عناصر أولية في فلسفة الفقه.

وهكذا، اعتبر كمال عمران أن خصائص الواقع الإسلامي اليوم منقسمة على مقتضيات آية قرآنية وحديث نبوي، وتشبه خليطا فيه من التناقضات ما يحيلنا إلى الآية الكريمة: ((كنتم خير أمة أخرجت للناس))، وإلى حديث كريم يقول: ((أننا سوف نكون غثاء كغثاء السيل))، ومن هاتين الحقيقتين (الآية والحديث) نتبين ما نحن فيه من مفارقات التناقض، ونتبين أيضا، يضيف المحاضر، كم هي عظيمة هذه المسؤولية التي فرطنا فيها: مسؤولية عن العلم والمعرفة، معتبرا أننا أمة فرطت في كثير من مقومات السيادة والريادة في هذا الواقع البشري، ومؤكدا على أن قرون الانحطاط بدأت منذ القرن السابع الهجري، بحسب الشوكاني، حين انكفأت على التقليد.

واقع الأمة اليوم، حسب كمال عمران، يتطلب النهل من التحديث، ومرجعيته الحداثية، والقائمة على ثلاثة أركان: الديمقراطية، العقلانية، والعلمانية، موجها الدعوة للجميع بحتمية تأسيس حداثة شرط أن تكون مؤسسة من صُلب فكرنا: الفكر العربي الإسلامي.

أما أبو بكر ولد أحمد، رئيس مجلس جائزة شنقيط، ووزير سابق، فأكد في مستهل مداخلته أن الخلل في الأمة خلل فكري، وأن إصلاح الخلل طرح أسئلة، من قبيل: من نحن ثقافيا؟.. ومن نحن علميا؟.. وأين البيئة الحاضنة... وكيف نجدد على غير هدى؛ أي على غير نموذج وفي بيئة لا تتيح لنا أن نجري تجربتنا ونوظف هذا التجديد؛ مستنكرا وقوفنا اليوم على أرضية التقليد، سواء قلدنا موروثنا، أو قلدنا هذا المستورد من غيرنا، مضيفا أن عملية الخلط بين النموذج المعرفي الذاتي والنموذج المعرفي للآخر لا تساعد في ذلك التجديد.

وأضاف المحاضر، أن الراسخين في علم أصول الفقه متفقون على ضرورة التجديد، ولكن المشكل هو من أي نموذج معرفي تتم الانطلاقة؟ مادام التجديد المحطم للأصل غير مقبول، والعمل به يعتبر عامل تعطيل لإرادة التجديد.

وحاضر في الجلسة الأولى الدكتور السيد ولد أباه، أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة نواكشوط، حيث أقرّ بداية أنه غير مؤهل للحديث أمام علماء في الفقه، لولا أنه تحدث في ما أسماه فلسفة الفقه، وبدأ بملاحظة قدمها أحد كبار المتخصصين في الفلسفة الإسلامية، ذكر فيها أن الفرق الأساسي بين العقيدة في المسيحية، والعقيدة في الإسلام واليهودية، أنها في المسيحية قامت على نوع من البرهنة العقلية؛ أي على مجموعة من الأدلة. أما في الإسلام واليهودية، فتأسست هذه العقيدة على الشرع والقانون؛ أي أنهما مضبوطان جدا.

كما توقف ولد أباه عند مفهوم الأتيقا (ethique)، وهي جملة من التصورات الجوهرية المرتبطة بالخير والفضيلة التي لا تتأسس عليها قيم الأفراد؛ أي أننا على مستوى الإتيقا نتعلق بالرؤية العامة، للمنظومة القيمية الناظمة، ملاحظا أننا في المنظور الإسلامي، نجد الأخلاق مصفوفة الأحكام، ونجد ما يمكن أن نسميه نماذج الامتياز السلوكي الذي يتجاوز المستوى الفردي، كما أن هناك محاولات لاستخراج هذه البنية القيمية من مقاصد الشريعة الإسلامية، بل يذهب المحاضر إلى اعتبار الإتيقا بمثابة المقاصد العليا، فيما الفقه يتعلق بالأحكام التكليفية. وهذا واضح في الأحكام. ولذلك، اعتبر الغزالي أن الفقه علم من علوم الدنيا، لأنه يضبط سلوك الأفراد، بينما اعتبر أن التصوف من علوم الآخرة، لأنه يتعلق بالإيمان، بوصفه تجربة روحية، تتجاوز علاقات الأفراد. فالتصوف، إذن، أخلاق امتياز عملي يتجاوز البعد الأخلاقي الناظم لعلاقات الأفراد.

أما الجلسة الثانية، والتي جاءت تحت عنوان: "ضوابط الاجتهاد وإكراهات السياق"، فقد ترأسها الأستاذ كمال الصادق عمران، وحاضر فيها بداية سعيد شبار، رئيس المجلس العلمي المحلي ببني ملال، المغرب، في موضوع: "شروط الاجتهاد بين التشديد والتخفيف... السياق التاريخي والضوابط العلمية والمطالب الراهنة"؛ محمد يحي ولد باباه، أستاذ بالمدرسة العليا للتعليم، نواكشوط، ويحاضر في موضوع "المعرفة الفقهية" الطبيعة والنظم"؛، وأخيرا، محمد المهدي ولد محمد البشير، المستشار العلمي للمعهد الموريتاني للدراسات الاستراتيجية، وحاضر في موضوع "الاجتهاد في ضوء مقاصد الشريعة وتحديات القرن 21".

وهكذا، اعتبر سعيد شبار أن الحديث عن شروط المجتهد، هو فرع عن الحديث في الاجتهاد، وكون شرط الاجتهاد أن يكون أصلا لا فرعا، وساريا في كل العلوم الإسلامية وليس مبحثا فرديا أو جزئيا: الحديث عن الاجتهاد سياق والحديث عن شروط المجتهد سياق آخر، يضيف شبار، مؤكدا أن هذه الشروط ليست منصوصة في الكتاب والسنة، وإنما هي إنتاج معرفي؛ أي أنها تاريخية. وهذه الشروط ذاتها أصبحت عوائق أمام الاجتهاد ذاته، لأنها حولت الاجتهاد إلى مجرد (صنعة)؛ أي تقنية. أما الاجتهاد، فهو منظومة تربوية، فكرية، إنسانية، عمرانية، علمية.

وهناك اتجاهان؛ أحدهما يقف مع مراجعة هذه الشروط، واتجاه آخر يقف ضد ذلك، يدعو إلى المحافظة على هذه الشروط. والنص قبل أن يكون أحكاما فهو لغة، ولها أنساقها وبنيتها. والاستنباط من النصوص عموما لا بد فيه من الدراية العلمية.

وتشكل هذه الشروط في الغالب الأعم، عوائق وموانع أمام العمل الاجتهادي التجديدي نفسه، وهذا أمر مرتبط بوضع واقع الأمة (الارتباط بآفاق المذاهب)؛ أي التحيز للاصطلاحات المذهبية، حيث باتت هذه المذاهب تشكل حدودا دون الأصل، بل باتت مهيمنة على هذا الأصل. فالإمام الشافعي ربط الاجتهاد بالقياس وحصر الأدلة في الأمور المعروفة، وإن كان وسع مجال القياس. والقياس عنده رواية ودراية، ولأن المجتهد يعمل في حدود اختصاصه، فقد تجزأ الاجتهاد ...

واختتم شبار مداخلته باستفسار مؤرق: هل أصبح الاجتهاد شيئا مطلوبا بإلحاح ولكنه شيء متعذر، في حين أن الخالق عز وجل أمرنا بالتدبر في الكون والكتاب والنفس: إنه لمن العيب أن تبقى الأجيال القادمة، ونحن، عبئا على الأجيال التي سبقت، وأخشى ما أخشاه أن نظل نعيش في عالم لامتناهي بعقل منغلق.

أما محمد يحي ولد باباه، فأكد بداية أن الفقه الإسلامي هيمن على سلوك الأفراد والجماعات، وعلى العقول، حتى قيل أيضا إن الفقه هو أعدل شيء في القسمة بين المسلمين، آخذا بقول ديكارت، إن العقل هو أعدل شيء قسمة بين الناس، لولا أن هذا الحكم/ الواقع يتطلب التدقيق التالي: ما هي المحددات النظرية للمعرفة الفقهية، وكيف نرصد مجال إنتاج الأحكام فيها؟. من حيث الموضوع، فالمعرفة الفقهية تعنى بالأحكام الشرعية العملية وأدلتها التفصيلية. ويحكم هذا الموضوع قطبان أيضا: قطب المعرفة الذي يحيل إلى الأصول، التي تحيل هي الأخرى إلى علم الكلام، وقطب الطاعة التي أدت إلى الفروع وهذه في النهاية أنتجت علم الفقه.

وأضاف المحاضر، أن المعرفة الفقهية معرفة فروعية من حيث طبعتها وتحديد مجالها، والاختلاف في هذه المعرفة لا يؤثر في أصولها؛ أي في البعد العقدي، بدليل أن العلماء كانوا يتنقلون بين المذاهب الفقهية. أما أدوات إنتاج المعرفة الفقهية، فهي تقوم على مستوى واقعي، لحظيٌّ أي أن الصحابة لم يكونوا بحاجة إلى أدوات استنتاج الأحكام، بل كانوا يحتكمون للنصوص مباشرة، دون الحاجة لقياس ولا نظر. كما تقوم على مستوى نظري، هو الذي تضاعف فيه التجريد، والاعتماد على أدوات النظر، وإن كان لا بد من الانسجام مع الأثر. وهذا شيء يوجد تراتيبة تاريخية بين العمل والنظر على مستوى المعرفة الفقهية.

وفي الختام، طالب محمد يحي ولد باباه بضرورة تجديد المناهج في المعرفة الفقهية، خدمة للعلوم جميعا، فكل مشاكلنا تعود لنوعية الأدوات المنهجية لقراءة تراثنا، كما وجه الدعوة إلى إزالة كل العوائق المعرفية في مجال الفقه، استبعادا لكل ما من شأنه أن يعرقل؛ أي كل ما من شأنه أن يكون مصدرا للشك، بتعبير ديكارت.

وخصصت آخر مداخلات الجلسة الثانية لمحاضرة محمد المهدي ولد محمد البشير الذي اعتبر أن أحكام الشريعة الإسلامية تبقى ثمرة تفاعل مستمر بين نصوص الشرع الخالدة والعقل المسلم المجتهد؛ فالاجتهاد هو هذا الجدل بين الحياة المتطورة بطبعتها وهذه النصوص التي لها صفة الثبات؛ فعملية تنزيل معاني هذه النصوص على متغيرات الواقع المتحرك هي: الاجتهاد. ومن هنا جاء الإشكال في أنه كيف يخضع حوادث الحياة الكثيرة المتجددة، المتنوعة لنصوص محدودة ومتناهية؟

والحال، يضيف محمد المهدي ولد محمد البشير، أن علماء الإسلام انقسموا إزاء هذا الإشكال إلى ثلاثة اتجاهات:

أ- اتجاه يقف عند ظاهر النصوص وما تدل عليه حرفيا، دون اعتبار للعلة الجزئية، معتبرا أن ظاهر النصوص فيه كفاية ومتسع للحكم على نوازل نهر هذه الحياة الجاري؛

ب- اتجاه جمع بين النص والمقصد؛ بمعنى أنه يضع اعتبارا للمعنى المتبادر للنص في ظاهره، لكنه لا يتقيد بهذا الحد، بل يتجاوز نحو غاية النص ومقاصده، لأن أحكام الشريعة معللة وتدور حول معاني كلية معقولة؛

ت- اتجاه يعتبر المقاصد دليلا مستقلا عن الأدلة الشرعية الأخرى، وأنه في حالة التعارض بين هذه الأدلة وهذه المقاصد، يتوجب تغليب المقاصد.

وأضاف أن من يتتبع تاريخ التشريع الإسلامي (الاجتهاد الفقهي)، يلمح أن الصحابة والتابعين كانوا يراعون الاجتهاد المقاصدي، وإن لم يضعوا له تعريفا أو يتحدثوا عنه بشكل مستقل، ولعل أوضح دليل على الاجتهاد المقاصدي ما ورد في الحديث النبوي الشريف بعد غزوة الأحزاب "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة"؛ فاختلاف الصحابة في فهم هذا الأمر الصريح، وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم بصحة كل فهم، دليل على أن للنص معنى ظاهرا، وللنص مقصد. واختتم المحاضرة مداخلته بالتوقف عند بعض النماذج العملية لحالات الاجتهاد الفقهي عند علماء الأمة، ملخصا الأمر بالإشارة إلى أنه بعد حقبة الصحابة، جاء الفقهاء ليضعوا قيودا وشروطا ضيقوا بها دائرة الاجتهاد المقاصدي، بسبب حرصهم على ألا يبتعدوا عن شرع الله أو سبب القصور والكسل العقلي.

بالنسبة للجلسة الثالثة التي جاءت تحت عنوان: الواقع وصناعة الفقه، والتي ترأسها أسلم ولد سيد المصطف؛ فقد تميزت بمشاركة الأسماء التالية: ددود ولد عبد الله، أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة نواكشوط، حاضر في موضوع: "قضايا التوفيق بين واقع المجتمع ومقتضيات الشرع ومتطلبات الإصلاح لدى فقهاء المنظومة الشنقيطية"؛ ومحمد ولد البرناوي، أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة نواكشوط، حاضر في موضوع: "الخلاف والاختلاف والاستخلاف، العرف والشرع في القرن 13 هجري: الشيخ محمد المامي أنموذجا".

وهكذا، أشار ددود ولد عبد الله، إلى أنه رَكزّ على الشيخ محمد المامي ومحمد يحي الولاتي، معتمدا إياهما نموذجا للدراسة، باعتبارهما فقيهين ضمن المنظومة الفقهية الكلية في هذه البلاد، وهي منظومة حصيلة لصيرورة وصلت إلى منطقة الصحراء، والحال أنه يمكن تمييز هذه المنظومة إلى منظومات فرعية، هي المنظومة المرابطية (المرابطون)، ويمكن اعتبارها فاصلة تاريخية، والمنظومة التكرورية، وتميزت بخضوع البادية فيها للمتغلبين في الحواضر، ثم جاءت المنظومة الشنقيطية من بعد ذلك، وفيها خضعت الحواضر للمتغلبين البدو، وكانت مكانة الفقيه فيها تتراوح بين الفقيه التاجر إلى الفقيه الحاكم، وكانت الحاضرة هي البؤرة الحاضنة في المنظومة التكرورية، بينما اتسمت المنظومة الشنقيطية بفراغ السلطة، وأصبحت مكانة الفقيه مكانة مهزوزة، وظل يبحث عن مكانته.

ولاحظ المحاضر، أن هناك عادات وتقاليد لم تكن خاضعة لقواعد الشرع، مثل رُكن الزكاة الذي كان خارجا عن الشرع بحكم طبيعة البادية، ولوجود هذا الواقع الخاص في البادية، ظهرت نزعتان أو تياران يتعاملان معه، كل منهما يسعى في خانة مشروع:

1- هناك مشروع ذرائعي تركيبي يسعى للتسويق البعدي للممارسات الاجتماعية، من خلال تكييف النص، وهذا يتجلى في فقه النوازل بتلك الفترة؛ أي تكييف النص ليلائم الواقع، ومن رواد هذا الاتجاه الشيخ محمد المامي؛

2- وهناك مشروع تفكيكي للواقع، ويعمل على إخضاع الواقع وانسجامه مع النص، ومن رواده لمجيدري، وسيدي عبد الله ولد الحاج إبراهيم، فأصحاب هذا الاتجاه حاولوا إخضاع المجتمع للنص، ليبزغ السؤال المؤرق: أي نص سنحكم... القرآن أم القرآن والحديث؟ والحديث هنا لا يتحدث عن عموم الفقهاء، وإنما عن الفقهاء العضويين الذين لديهم مشاريع.

واختتم المحاضر كلمته بالتأكيد على أن محمد يحي الولاتي يعتبر أن الإصلاح يبدأ من مؤسسة القضاء، وأن العالِم هو الذي يتصدى للقضاء، وعليه أن ينصب نفسه قاضيا في هذه الحالة، وليست من طرف جماعة تفتقر للعلم والعدالة، وكأنه في هذا الرأي يقترب من القول بولاية الفقيه، ولكن في أفق سني؛ لأن ولاية الفقيه ركن في فقه الشيعة، يقول بتولي الفقيه منصب السلطان الغائب، وقد اعتبر محمد يحيى الولاتي أن فقهاء ولاته لا أمل في إصلاحهم، ولذلك كان يحبذ التحالف مع المتغلبين.

أما محمد ولد البرناوي، فتوقف كثيرا عند معالم مشروع الشيخ محمد المامي في القرن الثالث عشر الهجري، حيث شكلت مسألة الاجتهاد أحد مباحث المؤلف الرئيسة لدرجة يمكن القول معها بأن الكثير من مؤلفاته اتخذت من مسألة "سد باب الاجتهاد" موضوعا لها، لذلك لم يكن من المفاجئ أن تتصدر الإشكالية المذكورة "كتاب البادية"، ولقد كانت الأحداث والوقائع في بلاد السيبة – كما يسميها الشيخ محمد المامي – هي التي صاغت بشكل قوي المشاغل العلمية لمحمد المامي، فجاءت إسهاماته في مجال الفقه متسمة بطابع مجتمعه، وممارساته وعاداته، حيث يقول في مقاصد هذا التمشي:

وإن للبدو أحكام تخصهم ** مثل الألى بها خص البساتين

وأضاف المحاضر أن محمد المامي تفطن لواقع التنابذ بين علماء الأصول وعلماء الفقه، فاتخذ له سبيلا بينهما؛ فتجاوز الموقفين في مسألة فتح باب الاجتهاد أو غلقه، فقال: "غزارة فروع الفقهاء مع قطع النظر عن النظر فيما ينظر إليه من التخريج والتجريح والعرف وغير ذلك فقصور، وأما ذم أصوليي زماننا لهؤلاء الفقهاء، وطرحهم ورفض حكمهم، وجعلهم سخرية، مع عدم ادعائهم للإغناء عنهم في النوازل، فليس بمتصور"، ليخلص إلى أننا كنا إزاء معركة كبيرة خاضها محمد المامي مع نخبة تسُد باب الاجتهاد، ومعركة أخرى لا تقل ضراوة مع الفراغ في السلطة السياسية المركزية، إنه كان مؤسسا للصالح في غياب مؤسسة التقاضي.

وافتتحت جلسات اليوم الثاني من هذا اللقاء العلمي بالجلسة الرابعة، والتي ترأسها أبو بكر ولد أحمد (رئيس مجس جائزة شنقيط، ووزير سابق)، وتميزت بمحاضرة الأساتذة أحمد الخمليشي، مدير دار الحديث الحسنية، بمحاضرة تحت عنوان: "المدونة الأصولية وإكراهات التجديد"؛ أسلم ولد سيد المصطف، أستاذ بالمعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية، حاضر في موضوع :"الفقه والواقع: إشكالية النص والسياق"؛ وأخيرا، سيد ألمين بناصر، أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة نواكشوط، حاضر في موضوع: "مقصدية القياس ودورها في تأهيل الواقع الفقهي".

افتتح الدكتور أحمد الخمليشي محاضرته الموسومة ب:"المدونة الأصولية وإكراهات التجديد"، بكلمة مشاكسة أشارفيها إلى أن الإشكال لا يتعلق بالنص ولا بالسياق، ولكن المشكل يتعلق بتفسير النص وفهمه، صحيح أن تعقيدات الواقع قد لا تنسجم مع الثقافة الفقهية، ولكن المشكل في تطور مفهوم السياق، وهو أمر لا يمكن تغافله، فتطور النظام السياسي إلى دولة المؤسسات عوض دولة الأفراد والقهر والاستبداد، وإحساس المجتمع بسيادته على نفسه، وإشباع مصالح المجتمع، وتطويرها تبعا لاتساع معرفة الإنسان بوتيرة لا مثيل لها، واكتشاف الإنسان لنفسه، وفي علاقته بالمجتمع والقبيلة والأٍسرة، واكتساب هذا الإنسان حقوقا لا يمكن المساس بها، ولا التصرف فيها، في ضوء هذا السياق (الواقع) على هذا النحو المتسارع والمتشابك، فهل نحن نقرأ النص على ضوئها؟

وتحسر المحاضر عن حال الإنسان الذي عندما يفكر، فعليه أن ينسى أنه موجود في مجتمع، ويتجاهل ما يدفعه من تقاليد، ويتجرد من المؤثرات لكي يفهم بشكل صحيح، فهل نحن نتعامل بهذا المنطق؟ مؤكدا أنه لا يقصد البتة النص قطعي الدلالة، فهذا فوق العقل، وإنما يقصد تحديدا النصوص الأخرى في منظومتنا الفقهية التي ندرسها، ومستشهدا هنا بحالات "فقهاء" يفتون بتحريم الضرائب، والغريب، يضيف الخمليشي، أن عمر بن الخطاب فرض العشر على المواد التي تدخل البلاد الإسلامية أو حتى فرض عشرا على الخنازير عند أهل الذمة، كذلك في مجال آخر في حياتنا المدنية، لا يهتم القضاء بقيمة الإثبات في شهادة العدلين، مع أن القرآن حرص على التحقيق معهما، لذلك فالأمر متعلق بالفهم، فكيف نجتهد- يضيف المحاضر- لإيجاد المجتهد الذي يستطيع قراءة النصوص في ضوء الضرورة التي نعيشها. إن أغلب فهمنا ليس مربوطا بالدلالة الأصولية للنصوص، ولكن مرتبط بالحياة العملية للناس، ولذا يجب أن نرجع إلى قراءة النص الذي دعا إليها ابن سيناء على ضوء الفطرة.

واختتم المحاضر مداخلته بالتأكيد مجددا على أن الأمر لا يتعلق بإشكاليات النص، ولكن بإشكاليات فهم النص، وأنه علينا أن نستعين بالمنطق في فهم النص أمام الواقع، وإلا بقينا في دائرة عمل غير مفيد ولا منتج، ومؤكدا في فترة النقاش أن كل مجتمع هو المعني بتكييف واقعه أو تكييف مع واقعه، فنحن لا نشرع للعالم، بخصوص شهادة الرجال دون النساء، هذا موضوع آخر، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل شهادة امرأة واحدة.

كما أكد الخمليشي على حاجتنا الماسة إلى أصول جديدة، معتبرا أن أصل الأصول هو: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}.

أما أسلم ولد سيدي المصطف، فاعتبر بداية، أن الفقه في اللغة هو الفهم، ولكن هل هو مطلق الفهم، أو الفهم الدقيق خاصة، هذا فيه خلاف؛ فبعضهم يرى بأنه مطلق الفهم، مستدلين بقوله تعالى: {فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً}، ومنهم من يرى أنه الفهم الدقيق النافذ، مستدلين بقوله تعالى: {قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ}، مما يعني أنهم فهموا منه شيئا، وأشكل عليهم منه شيء آخر، ومن ذلك دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس: «اللهم فقهه في الدين»؛ أي نفاذ البصيرة، والفقه في الاصطلاح هو تخصيص المدلول اللغوي بأنه العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلته التفصيلية.

من جهة أخرى، يضيف أسلم ولد سيدي المصطف، الحقائق التي ليس مصدرها الوحين، ولا تدخل في باب الفقه، وهذا الفقه هو ركيزة ومكونة علمية عامة، وصاحب الأهلية في هذا العلم يسمى فقيها...

وتمحورت مداخلة ولد سيدي المصطف على السؤال التالي: كيف نعالج واقعا متطورا بنصوص لها صفة السكون؟ إن ذلك يتم تبعا لفك الاشتباك بين الثابت والمتحول في هذه النصوص، وتبعا لآليات المقاصد، ورفع الحرج، وعدم المشقة، وتبعا لمبادئ أخرى هي التي تحكم أفعال المكلفين بالضرورة، إن الدعوة إلى انفلات الأفعال من حكم الشرع، فذلك فيه تحكيم للهوى، وأنا لا أشكك - يقول المحاضر- أن من بيننا من يطعن في أهلية الشريعة للتعامل مع كل زمان ومكان.

وجاءت آخر محاضرة في الجلسة الرابعة لسيدي ألمين بناصر، والذي اعتبر أن مسألة علاقة القياس بالواقع تتنزل في سياق إشكالية كبرى، هي إشكالية التشريع النصي، والواقع المطلق، ولا يخفى ما تنطوي عليه هذه الثنائية من تباين في حديها؛ فالنص الشرعي يُمثل في واقعه الظاهر منظومة أحكام محدودة في زمان ورودها وواقعها وأحداثها، بينما يتميز الواقع بانفتاحية المطلقة، وتُجدد أحداثه وحركية نهر صيرورته، في هذا السياق يتساءل المفكر دائما، كيف يحيط المحدود باللامحدود؟ وكيف يستحوذ الثابت على المتحول، والنسبي على المطلق؟ إن المعول عليه هو الاجتهاد باختلاف آلياته، بما في ذلك القياس والاستحسان عند طائفة من أهل الكلام والرأي، ولكن الجمهور من أهل السنة يرفضون هذا.

كما لاحظ المحاضر أن منطوقات النصوص هي موجوداتها بالفعل، وأما غير المنطوقات، فهي موجوداتها بالقوة، وهذه الأخيرة تحتاج عملية توليد عبر آليات العقل واستكناه علاقة النص بالواقع، وبخلاف من يتوهم أن القياس يتوافق عند تأهيل الواقع فحسب، فإن القياس هو عملية تأهيل مزدوج للنص وللواقع معا، فالنص يتحول إلى واقع جديد، والواقع يتحول إلى نص جديد، غير أنه يستحيل أن يفارق هذا القياس أو التأهيل النصي الشرعي، ويتحول إلى عقل محض، إذ لا يجوز عند الأصوليين قياس معقول على معقول دون صلة في الشرع المنصوص، لولا أن الأمر يتطلب الإجابة على الاستفسار التالي: هل مازال القياس قادرا على ارتياد فضاءات غير فضاءات النص الشرعي الأصلي؟ مضيفا ــ من خلال اشتغاله على إعداد موسوعة في الفقه المالكي ــ أن القياس إذا لم يكن من الممكن انفصاله عن نصوص الأصل، فإن بإمكانه ارتياد نصوص أخرى ذات علاقة بالتشريع، وهي نصوص الفرع المستنبطة في كثير منها من الاجتهاد والاستحسان.

وجاءت آخر جلسات هذا اللقاء العلمي تحت عنوان: "الواقع وصناعة الفقه"، والتي ترأسها محمد ولد أعمر، رئيس جامعة العلوم الإسلامية بلعيون، موريتانيا، وحاضر فيها محمد ولد التيجاني، أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة نواكشوط بمداخلة تحت عنوان: "الفقه المالكي في الغرب الإسلامي: منطلقاته وموجهاته، نظرة في مشاغل المنهج والسياق"؛ ومحمد عبد الرحمن ولد سيد محمد، أستاذ بالمعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية، حيث حاضر في موضوع "غياب السلطة المركزية في بلاد شنقيط، إغراء آخر لصناعة الفقه السياسي: تجربة الجنوب الغربي الموريتاني في القرنين 13 و14 الهجرين"؛ وأخيرا، محمدن ولد المحبوبي، أستاذ بالمعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية، وحاضر في موضوع "المرأة الشنقيطية وإشكالات التعلم والسفور: قراءة في الأبعاد الاجتهادية ضمن المجموعات الإفتائية".

وهكذا، اعتبر محمد ولد التيجاني أن موضوع اليوم العلمي ومعه المحاضرة، يتضمن جانبا تاريخيا وجانبا تشريعيا؛ فالأول يتناول نشأة هذا المذهب، ومراحل تطوره ومدارسه، وعوامل انتشاره في المغرب الإسلامي. أما المحور الثاني، فيتناول أصول المذهب وقواعده ومقاصده واصطلاحاته ومنهجه وعلاقاته بالمذاهب الأخرى.

وتوقف المحاضر مليا عند خصوصيات المذهب المالكي، ونشأته وتميزه، ومدارسه أيضا (مدرسة الحجاز، ومدرسة العراق والمدرسة المصرية والمدرسة المغربية...)، كما توقف مليا عند أسباب انتشار المذهب، وتعود من وجهة نظره إلى شخصية الإمام المؤسس؛ ملاءمة المذهب لطبيعة أهل المغرب؛ قوة رجال المذهب وجلال المنتسبين إليه؛ وأخيرا، تشابه البيئة في كل من الحجاز وبلاد المغرب الإسلامي.

أما محمد عبد الرحمن ولد سيدي محمد، والذي حاضر في موضوع غياب السلطة المركزية في بلاد شنقيط، فقد افتتح مداخلته بالتوقف عند مرحلة قدوم الشيخ محمد المامي الذي اهتم بلوعة هذا الواقع المنفلت فقهيا، فطلب من العلماء أن ينتجوا فقها ملائما ومناسبا لأهل البادية، على اعتبار أن الفقه عموما هو المطلب عند الشيخ محمد المامي، لولا أن فقه السياسة كان أكثر إلحاحا، ولقد لاقت دعوة هذا الشيخ لإقامة إمامة عنتا من قبل بعض العلماء، وفاقم هذا العنت اضطراب الأحداث الاجتماعية في البلاد، فيما يعرف "بشرببه" بين الزوايا وبني حسان.

وأضاف المحاضر، أننا كنا إزاء قضية غاية في الأهمية، وهي وجود سلطان يزع الناس فيما بينهم، وما لا يتم الواجب إلا به يكون واجبا، ولذلك حاول بعض فقهاء هذه البلاد إيجاد هذا الإمام، لكن قدوم الاستعمار، وفرضه لنفسه سلطة مركزية قاهرة، شكل موضوعات انقسم حولها الفقهاء، حيث فرض الاستعمار سلطة مركزية، بحكم أن واقع البلاد يحتاج إليها، ولكن من جهة أخرى، فإن هذه السلطة مفارقة لملة سكان البلاد. واختتم مداخلته بالتنبيه إلى أن الفقه السياسي في بلاد شنقيط تركز أساسا في المنطقة الجنوبية الغربية من البلاد، بسبب تركز حملات النهب والسلب فيها من جهة، ولاحتكاكهم المبكر مع الأجانب الأوروبيين.

وتكفل محمدن ولد المحبوبي، أستاذ بالمعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية بإلقاء آخر محاضرات هذه الندوة العلمية من خلال الاشتغال على واقع المرأة الشنقيطية وإشكالات التعلم والسفور، مفتتحا كلمته بتذكير الحضور المشاركة ببضع البداهات، في مقدمتها أن للمرأة مكانة مهمة في الشريعة الإسلامية، والقارئ لنصوص الشرع يدرك جليا أنها قد كرمت أما وزوجا وبنتا وأختا، واستوصي بها خيرا... ومن هنا جاءت المدونات الإنشائية، لتعتني بفقه المرأة ساعية إلى تبسيطه وتنشيطه، وفي هذا السياق، تتنزل عناية الشناقطة بالفتاوى المتعلقة بشأن النساء.

وتوقف طبعا عند حضور المرأة لدى الشناقطة الذين احتفوا بها، فكانوا يعتنون بها وبخدمتها، موفرين لها أسباب المتعة والراحة، حيث إن فقه بلاد شنقيط الغني، تناول بدوره المرأة في إشكالات متعددة، مثل إشكالات الزوجية والتعلم، وإشكالات الطوع والنشوز، وإشكالات التغذية والتجميل (البدانة والتسمين)، وعقود القران وشروطها الاجتماعية والعرفية... وسوى ذلك مما له صلة بالمرأة وعلاقاتها بالمجتمع.

ألبوم الصور