ندوة : "فهم التطرف الديني: الأسس الإيديولوجية والحالات الاجتماعية"

فئة: أنشطة سابقة

ندوة : "فهم التطرف الديني: الأسس الإيديولوجية والحالات الاجتماعية"

 عقدت مؤسسة مؤمنون بلا حدود يومي 25 و26 نونبر ندوة دولية تحت عنوان: "فهم التطرف الديني: الأسس الإيديولوجية والحالات الاجتماعية" بمقرها بالرباط. وقد افتتحت الندوة بكلمة للمنسق الإقليمي للمؤسسة الدكتور مولاي أحمد صابر رحب فيها بالحضور، ثم قدم المنسق العلمي للندوة الدكتور يونس الوكيلي كلمته لسياق الندوة، مشيرا إلى أن التطرف الديني اليوم أصبح الشغل الشاغل للمجتمعات والدول في كل أنحاء العالم خاصة التطرف الإسلامي منه، ثم عرّج أنه على مؤسسة مؤمنون بلا حدود كمؤسسة بحثية وانطلاقا من موقعها كفاعل في مجال البحث العلمي أن تحاول تقديم قراءات وفهوم وتقسيرات لهذه الظاهرة، مؤكدا أن "الحياد المنهجي" الذي دعا إليه ماكس فيبر يبقى مظلة أساسية وضرورية للباحث، أي الاحتماء بمنطقة باردة وهادئة تمكنه من النظر بموضوعية إلى مجريات الأحداث والظواهر.

بعدها، انطلقت فعاليات الندوة بالمحور الأول المعنون ب"الأسس الإيديولوجية للتطرف الديني"، أدار الندوة الدكتور محمد الهامشي، وبدأ أولى المداخلات من الدكتور أحمد طريبق في موضوع "في نقد النصوص التأسيسية للفكر الديني المتطرف"، وقدم النصوص التأسيسية للفكر الجهادي السلفي؛ وكيف أصبحت مؤسسة للتطرف الديني، ومدخلا للطموح السياسي في إنشاء الدولة الإسلامية العالمية. وخلص إلى أن الخطوة الأولى في عملية الإصلاح الديني هي التخلص من أحاديث الآحاد، والرجوع إلى النص القرآني، وما يمكن العمل به من القول النبوي، خارج هذا، كل هذا التراث ينبغي التشطيب عليه، وإلا لن نتعايش مع الأمم والبشرية جمعاء. ثم ألقى الدكتور إسماعيل النقاز مداخلته " جدلية التطرف الديني والسياسة؛ شرعيةٌ وتمكينٌ حفريات في الخطاب الوهابي" الذي بحث في  جينالوجيا الخطاب الوهابي، وكتابات التأريخ في شروط اللحظة الميلادية لتأسيس هذا المذهب وتحالفه الاستراتيجي مع مملكة ابن سعود، حيث شكل هذا التحالف اجتماع الشرعية الدينية بالقوة السلطانية لتمكين السياسة والمذهب. مضيفا " يتوسل الخطاب الوهابي العملية التأويلية على منحى مزدوج في التعامل مع النصوص، فهو من جهة يلتزم بحرفية النص، وظاهريته، متجاهلا في ذلك السياق الدلالي، والمعاني العلية التي تحمل مقاصد النص، ومن جهة أخرى يقوم بعمليات تأويلية إسقاطية للنصوص التي يختلف مقام وحال تشريعها، بين البيئة المكانية والزمانية، فيتم استلاب النص المتعين في فضائه التشريعي، والقيام بتعميمه الدلالي على فضاءات أخرى". ثم تناول الكلمة الدكتور محمد أمعارش " تأصيل الذبيحة البشرية في العقائد السلفية: تفكيك سرد "قربان القسري" وبيان انقلابه على الدين الإسلامي" ومن خلال حدث ذبح خالد القسري للجعد بن درهم موضحا أنه ما كان للبحث أن يتجاوز برواية هذا القربان سياقاتها التاريخية والسياسية التي انتهت كل مسوغاتها في العصر، لولا إحياؤها وتوسع الخطاب السلفي المعاصر في تبجيلها وإضفاء هالة من القداسة عليها، واتخاذها من أصول الاستدلال والقياس في معاملة أشباه الجعدية والجهمية في عصرنا هذا من حداثية وعقلانية وتنويرية وغيرها".

في الجلسة الثانية المعنونة ب"العوامل الاجتماعية والسياسية للتطرف الديني"، بدأت ب مداخلة الدكتور نورالدين الزاهي "سوسيولوجيات  "التطرف الإسلامي": رهانات ومقاربات"، وفيها انتقد الأطروحات السوسيولوجية الاستشراقية التي ترجع العنف الديني إلى السلفية ثم محمد بن عبد الوهاب ثم أحمد بن حنبل ثم النصوص الدينية، مقترحا أن سوسيولوجيا الفهم هي الكفيلة بفهم أكبر للتطرف الديني. وفي مداخلة عبد الله ياسين كرزية قام بتوضيح عملية تشكل التطرف ثم تفككه من خلال تجرية المعتقل الجهادي السابق حسن الخطاب. ثم تلتها مداخلة الأستاذ محمد أوطاهر الذي بين كيف ينتقل المتدين السلفي من هوية هشة إلى هوة صلبة، موضحا " التطرف السلوكي للشباب السلفي هو إذن تأكيد لعملية الانتقال من الفرد الضائع، اللايقيني المتعدد الهويات إلى الفرد المستقر والثابت والمعترف به داخل إطار المعايير الاجتماعية والدينية. الالتزام السلفي هو شكل من أشكال إضفاء طابع الشرعنة على البعد الفردي والمستقل الذي كان يعيشه الشباب السلفي في الماضي." أما الدكتور محمد جغلالي في ورقته " كيف تسقط التنظيمات الدينية المسلحة ضحية استراتيجية "الحاضنة الاجتماعية"؟ فقد بين من خلال ملاحظات ميدانية خصائص الجماعات المقاتلة المسلحة في ساحل الصحراء، مبرزا في أطروحة أساسية أن المجتمعات تقوم بالتأثير على تلك الجماعات للخروج من العنف والتخلي عن العمل الجهادي. ثم ختمت هذه الجلسة بورقة الباحث التونسي جهاد الحاج سالم بعنوان" الحركة الجهادية وشباب الأحياء الشعبيّة في تونس الثائرة: محاولة في الفهم" موضحا عمليّة الانتقال الرمزيّة من موقع الخضوع والإقصاء والإذلال، إلى موقع التفوق المبني على الانتماء المتخيّل إلى صفوة دينيّة فائقة. ثمّ تمرّ الورقة إلى تحليل حدود الديناميّات التحشيديّة للحركة الجهاديّة في الأحياء الشعبيّة التونسيّة ما بعد الثورة، من خلال درس تجربة "تنظيم أنصار الشريعة" ومسارات صعوده وأفوله وصولاً إلى فرض "تنظيم الدولة الإسلاميّة" هيمنته الحالية على الساحة الجهاديّة التونسيّة.

في الجلسة الثالثة والأخيرة صبيحة يوم الأحد، المعنونة ب "من التطرف الديني إلى الاعتدال الديني"، دافع الدكتور الهاشمي في ورقته " الخطاب الأصولي والقصدية المنسية: في التأويل الاعتدالي لأبي الأعلى المودودي" على أنه ينبغي قراءة نصوص الأصولية قراءة أخرى لسحبها من بين يدي الأصوليين الذين يقرؤونها قراءة عنفيه إقصائية. أما المداخلة الثانية للأستاذ ماهر فرغلي، فعرضت تجربة " الجماعة الإسلامية بمصر: تحولات العنف والسياسة "، يستعرض البحث تاريخ تأسيس الجماعة الإسلامية، بدءًا من جامعة أسيوط المعقل الأول لها، وكيف حدث الانفصال بينها وبين جماعة الإخوان، وصارت جماعة يقودها مجموعة من الشباب مثل أسامة حافظ وصلاح هاشم وناجح إبراهيم وكرم زهدي، وحتى اغتيال السادات ثم العمليات المسلحة وأخيرًا تصحيح المفاهيم والمراجعة، والمرحلة الأخرى الفارقة، التي شهدنا فيها وصول جماعة الإخوان للحكم، ثم الثورة الشعبية على اعتلائهم السلطة، وفى المقابل ظهور جماعات للعنف جديدة مثل داعش، في توقيت علت الأصوات التي أساءت تأويل النص الديني، واستدعوا تأويل يحرض على القتل والاغتيال.  اما مداخلة الدكتور محمد مصباح، فقد عرضت تجربة " السلفيون الجهاديون سابقا في المغرب: التدجين، المشاركة، وحدود الإدماج السياسي" ودافعت الورقة على أن المشاركة السياسية لشيوخ التيار السلفي الجهادي في نطاق محدد سلفا كانت لها نتائج عكسية. وبدلا من أن يؤدي ذلك إلى اعتدال المعتقلين السلفيين السابقين، ساهم بدلا من ذلك في تهميش الشيوخ وعزلهم عن قاعدتهم الأيديولوجية، مما أدى إلى تقلص نطاق نفوذهم على أتباعهم ومنع الحكومة من السيطرة على أعمال المتطرفين ووقف تدفق الشباب إلى بؤر التوتر في الخارج. وفي الورقة الأخيرة للدكتور صلاح الدين بوجلال " مقاربة دولة الدنمارك في التعامل مع المتطرفين الإسلاميين العائدين من بؤر النزاعات المسلحة: عرض لنموذج " آرهوس"   مبرزا تكمن خصوصية نموذج آرهوس في طابعه الجماعي التشاركي منذ البداية، حيث شارك في وضعه مختلف الفاعلين، فضلا عن تبنّيه سياسة العمل الميداني بالقرب من الشوارع والأحياء والمجتمعات الأكثر عرضة لظاهرة التطرف أو داخل السجون، والاعتماد على المسؤولين المحليين والعاملين في مجال التوعية. وبالإضافة إلى طابع التشاركية، يتميز هذا النموذج بتأسيسه العلمي نظرا للدور الذي قامت به جامعة آرهوس ومراكزها البحثية في بلورته وإخراجه.  أما عن مرتكزات نموذج آرهوس فهي قائمة على التكامل والشمول، من خلال الجمع بين مقاربة الحرب والعدالة الجنائية والاحتواء، ففي الوقت الذي تقوم فيه السلطات الدانماركية باعتقال ومحاكمة المقاتلين العائدين الذين تثبت مشاركتهم في نشاطات إجرامية وفقا للقانون الدانماركي، إلا أنها تقدّم المساعدة للآخرين وتعمل على تأمين فرص العمل والسكن والتعليم والإرشاد، إذ لا ترمي هذه البرامج إلى تغيير العقيدة الإسلامية المحافظة ما دامت غير عنيفة. وتبقى إحدى نقاط قوة هذا النموذج في المتابعة الفردية لشخص المتطرف من قبل مدرب أو وصي أو مرافق من المجتمع المدني.

في الأخير، اختممت الندوة بكلمة مؤسسة مؤمنون بلا حدود والمنسق العلمي للندوة الذي وجه الشكر للباحثين والجمهور، مؤكدا على اهمية البحث العلمي المنهجي الصارم لتقديم خطاب متميز عن ظاهرة العنف مميزة عن الخطابات الإعلامية والشعبوية والأمنية.