i مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث - ندوة: "الدينيّ والسياسيّ في السياق العربيّ الإسلاميّ وإشكاليّات الدولة (الحديثة)"

ندوة: "الدينيّ والسياسيّ في السياق العربيّ الإسلاميّ وإشكاليّات الدولة (الحديثة)"

فئة: أنشطة سابقة

ندوة: "الدينيّ والسياسيّ في السياق العربيّ الإسلاميّ وإشكاليّات الدولة (الحديثة)"

نظم قسم الدين والسياسة في "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"ورشة أكاديمية تحت عنوان "الدينيّ والسياسيّ في السياق العربيّ الإسلاميّ وإشكاليّات الدولة (الحديثة)"، بمدينة سوسة في تونس يوم الأربعاء الموافق لـ 11 شتنبر 2013.

اهتمت هذه الورشة الأكاديميّة برصد "الإشكاليّات المطروحة على العلاقة ديني/سياسيّ في سياق مراجعة الدولة العربيّة الإسلاميّة المعاصرة، أو إعادة تأسيسها" ووزّعت هذه الإشكاليات على ستة محاور مختلفة، تأتي كالآتي:

1-الديني والسياسي والرؤية الحداثيّة للعالم

2-الدينيّ والسياسيّ وإشكاليّة الحريّة

3-الديني والسياسيّ وإشكاليّة الهويّة والمواطنة

4-الدينيّ والسياسيّ وتأسيس العقد الاجتماعيّ

5-الدينيّ والسياسيّ وإشكاليّة التشريع

6-الديني والسياسي وإشكاليّة الدسترة

افتتحت الجلسة العلمية الأولى بمحاضرتي كلّ من الدكتور توفيق بن عامر والدكتور محمد الخراط، فتطرق الدكتور توفيق بن عامر، أستاذ التعليم العالي (كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية – جامعة تونس) ورئيس وحدة بحث "حوار الثقافات"، في مداخلته الموسومة بـ "لماذا استمرت المشكلة وتأخر الحل؟" إلى العوامل والأسباب الكامنة وراء تأخر الحسم في العلاقة بين الديني والسياسي في المجتمعات العربية الإسلامية الحديثة، بالرغم من ظهور الدولة الوطنية الحديثة في هذه المجتمعات.

كما استعرض جملة من الآراء والمقترحات التي من شأنها المساعدة على إنقاذ هذه العلاقة من حيز الأزمة، وتمهيد السبيل نحو إجراء التعديلات والتصحيحات الضرورية النظرية والعملية وإبرازها على صعيدي الفكر والممارسة بما من شانه أن يكفل التوازن والانسجام المطلوب في هذه المعادلة، ويسهم في الحفاظ على الهوية من ناحية، ودعم أسس الدولة الحديثة من ناحية أخرى.

و طرحت مداخلة الدكتور محمد الخراط،الأستاذ بكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في صفاقس،المعنونة ب"الدين والدولة بين الرؤية الإسلاميّة والرؤية الحداثيّة للعالم" أسئلة محورية، من قبيل: هل يمكن الحديث عن مواءمة ما، أو عن تصالح ما، بين رؤية للعالم مرجعها الدين ورؤية فلسفية للعالم مرجعها العلمانية؟ هل تمثّل الإسلام ما حصل في العالم من قفزات وطفرات في مجال المعرفة العلميّة، حيث يصبح من المناسب الحديث عن سبل احتضان الإسلام لقيم الحداثة بالمعنى التأصيلي لا على الوجه التلفيقي؟هل يستطيع الفقيه الذي أجاب عن أسئلة الثقافة الإسلامية التي احتضنته أن يجيب عن أسئلة ثقافة تشكّلت بعيدا عنه، وأثارت قضايا ليس له يد في حلّها أو عقدها؟ هل استطاع المسلمون إنتاج معرفة خاصّة بهم يمكن أن نقول – بعيدا عما أنتجه القدامى – أنّها معرفة إسلاميّة وتحمل الرؤية الفلسفية للعالم الخاصة بالإسلام؟

وخلال الجلسة العلمية الثانية، تطرقت محاضرة الدكتور سهيل الحبيّب، الأستاذ المحاضر بمركز الدراسات والبحوث الإسلامية في القيروان، والمعنونة بـ "الدولة والمواطنة والهويّة عند الإسلاميين بين الإيديولوجيا وحقائق التاريخ الشاهد"، إلى إشكاليات الدولة والمواطنة في واقع المجتمعات العربية الراهنة، في علاقة بمقولة الهوية التي تمثّل عماد البناء الإيديولوجي لحركات الإسلام السياسي المعاصرة. كما راهنت على تقديم مقاربة منهجية تراوح بين تحليل المتون الإيديولوجية وتحليل الواقع الإمبريقي الملموس الذي تحياه بلدان الثورات العربية في مساراتها الانتقالية الجارية، أو ما سمّاه الدكتور سهيل ب "التاريخ الشاهد"؛ أي التاريخ الذي يشهده الإسلاميون من موقع السلطة، فيكون شاهدا، غير قابل للطمس حاليا، على نتائج مقولاتهم الإيديولوجية، حينما تتحوّل إلى خيارات عملية.

وافتتح الدكتور مصطفى بن تمسك، الأستاذ المساعد بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان (الجامعة التونسية) مداخلته الموسومة بـ"الديني والسياسي وإشكالية الحرية" بطرح مفاده؛ إذا كان المزج بين الديني والسياسي ليس بالأمر المفاجئ أو الغريب في صيرورة التاريخ العربي-الإسلامي، فإنّ ما يستدعي منا إعادة النظر في هذا القران، هو دخول عنصر تعديلي ثالث في جدلية الديني والسياسي ألا وهو الحرية، حيث يتعيّن الإشكال في تفهّم الحرية في مجالها الحداثي(الغربي) في المعنى الواسع لما يمكن أن تحويه مفردة "الديمقراطية". فهي في هذا المجال، على حد قوله، عنوان كبير لحركة تحررية شاملة تراوحت من التحرر الاستيتقي إلى الانعتاق السياسي والإيديولوجي من سلطات الإقطاع والكنيسة كما جسدتها أحداث ومطالب الثورة الفرنسية. إضافة إلى ذلك، تساءل الدكتور حول كيفيّة تعاطي دعاة الإسلام- السياسي الراهن مع قيم الديمقراطية الغربية المناهضة في أصلها لكل أشكال اللاهوت: هل سيكون مجرد تعاطي أداتي/ ودعائي لا غير، أم سيتكيّف الإسلام- المتسيس (طوعا وكرها) مع قيم الديمقراطية كما رفعتها عاليا عقيرة الشعوب العربية الثائرة ؟

و عرفت الجلسة العلمية الثالثة مداخلات كل من الدكتور نوفل حنفي،الأستاذ المساعد بكلية الآداب والعلوم الإنسانيّة بالقيروان (تخصص فلسفة)، والباحثة آمنة البنّاري،أستاذة باحثة بكلّيّة العلوم القانونيّة والسياسيّة والاجتماعيّة بتونس، والأستاذ رياض الميلادي، أستاذ مساعد بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس (في اختصاص الحضارة الإسلامية وفي الترجمة وعلوم المصطلح).

واهتمّت الباحثة آمنة البنّاريفي مداخلتها "السياسي والديني وإشكاليات الدسترة" بإشكاليّة الدسترة باعتبارها من أبرز الإشكاليّات التي تواجه كلّ عمليّة تفكير في العلاقة بين الدين و السياسة في سياق تأسيس الدولة. و اعتمدت على دراسة مسودّة مشروع الدستور الثاني لتونس بعد الاستقلال الذي ينكبّ المجلس التأسيسي على إعداده. و اعتبرت أنّ هذا المشروع يطرح العديد من التساؤلات والإشكاليات التي تخلقها العلاقة بين الدين والسياسة مقارنة مع الدساتير السابقة. و في هذا السياق بيّنت أنّ العلاقة الثلاثية (الديني/السياسي/القانوني) متشعبة، تطرح مشكلات يمكن توزيعها مبدئيا على ثلاثة مستويات كبرى؛ يتعلق المستوى الأول بالدين وسياسة الدولة التونسية بشكل عام. أما المستوى الثاني، فيرتكز على العلاقة بين الدين والحريات الفردية، ونقصد بذلك الحريات الفردية كما يشير الفصل السادس، والذي يعكس جليا العديد من النقائص والتناقضات التي يجب الوقوف عندها. و أخيرا يحيل المستوى الثالث على الدين والنظام السياسي للدولة، وخاصة في علاقته بمنصب رئيس الدولة.

مسك الختام كان مع محاضرة الأستاذ الدكتوررياض الميلادي تحت عنوان:"القـرآن ومسألة التشريع". و قد أكّد الدكتور في طرحه أنّ الوقوف على المفاهيم الكبرى التي أرسى الخطاب الأصولي بناء عليها المقولة القائلة بأنّ القرآن مدوّنة تشريعيّة تُستمد منها الأحكام التكليفية؛ بات ضروريا لدحض نظريات حركات الإسلام السّياسي التي تبنت منذ عقود عديدة شعارات سياسيّة وحقوقية للدولة الإسلامية المنشودة من أهمّها مسألة تطبيق الشريعة الإسلامية التي يمثلها أساسا النصّ القرآنيّ.

وقد دفعهم ذلك إلى الاعتقاد خطأ أنّ الكتاب المقدّس يمثل مدونة قانونيّة، تضمّ كلّ ما يحتاج إليه الإنسان في كلّ زمان ومكان، وبذلك فهو عندهم مدونة تتسم بالشمول والاستغراق والدوام والبيان.

من خلال دراسة المنطق الداخلي الذي يبني عليه المنظرون لحركات الإسلام السياسي رؤيتهم للشريعة، وربطه بالمفاهيم الكبرى والمقدمات الأساسية التي بنى عليها علماء الأصول مقالتهم المركزيّة، القائلة بثبوت النص المقدس وحجيّته وشموله واستغراقه ، و نقد حجيّة هذه المفاهيم و المقدّمات الأساسيّة عند الأصوليين يكشف الدكتور رياض الميلادي تهافت الخطاب المتصل بمفهوم الشريعة في كتابات أهمّ منظري حركات الإسلام السياسيّن ممّا يبقي مشكلة التشريع أبرز مشكلات التفكير في الدولة، و يدعو إلى التفكير في بدائل حقيقية متعلقة بقضية مصادر التشريع ومرجعياته في الدولة المنشودة الموسومة بالإسلامية.

واختتم الدكتور محمد العاني مدير مؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" فعاليات هذه الورشة بتثمين المداخلات وتنزيلها في سياقها ضمن الأنشطة المتنوعة للمؤسسة والتساؤل عن حضور الآخر المختلف والمخالف لوجهات النظر المطروحة من طرف المتدخلين وأبرز أهمّيّة تبسيط المفاهيم وتوضيحها وتدقيقها ليتيسّر الوعي بها وإدراكها.