ورشة مدارسة لكتاب "العلمانيَّة في الفلسفة المعاصرة" لـ"حاتم أمزيل"

فئة: أنشطة سابقة

ورشة مدارسة لكتاب "العلمانيَّة في الفلسفة المعاصرة" لـ"حاتم أمزيل"

شهد صالون جدل الثقافي التابع لمؤسّسة مؤمنون بلا حدود بالرباط يوم السبت 27 يناير نشاطاً ثقافياً عبارة عن مدارسة لكتاب "العلمانيّة في الفلسفة المعاصرة" لحاتم أمزيل، بحضور مؤلّفه ومشاركة كلٍّ من الدكتور أحمد فرحان والباحثة نزهة بوعزّة.

ترى الباحثة بو عزة أنَّ الكتاب انطلق، عكس عنوانه،  للتعرّف على مفهوم العلمانيّة بالتنقيب في لحظات تشكّله الأولى التي يمثلها هيجل وفويرباخ، حيث اتخذا مفهوم العلمنة "مشروعاً" يطالب بضرورة استرجاع الكنوز التي تبدَّدت في السماء إلى مملكة الخلاص التي ستتحقق داخل التاريخ وليس خارجه. أمَّا اللحظة الثانية، فإنَّها تطارد آخر معاقل الصور الدينيَّة المستترة تحت أقنعة خادعة، ويمثلها كلٌّ من ماركس ونيتشه، وهاتان اللحظتان تتوحّدان  في غاية تحريريَّة للإنسان.

بعد هذا اتخذ مفهوم العلمنة دلالة علميَّة، وصار أداة للفهم في نظريَّة ماكس فيبر، وفي نصوص فلاسفة معاصرين أداة إدانة لعصر بكامله، مادام أنَّه لم يبدع لنفسه قيماً خاصَّة به، بعيداً عن استلهامها من التصوُّر الديني، بل ظلَّ لصيق النموذج الديني ينتقده ويستلهم منه.

إنَّ خصوصيَّة مقاربة حاتم أمزيل، في نظر نزهة بوعزة، تكمن في عدم الاكتفاء بوصف نتائج السيرورة التاريخيَّة، بل في تسليط الضوء عليها منذ بداياتها مروراً بأنماط تلويناتها وصولاً إلى تحوُّلها لأداة معياريَّة لمحاكمة عصر بكامله. حضر خلالها توجّس الباحث من التشويش المفهومي طيلة ثنايا الكتاب، ممَّا جعله يركّز من خلالها على مفاهيم اتّسمت بشيوع صيتها، وسوء فهمها، مثل "رفع السحر عن العالم"، "العلمنة"، "اللائكيَّة"، "العلمانيَّة"، حيث انكبَّ الباحث على تدقيقها لكي يهيّئ أرضيَّة توضيحيَّة واعية بالسيرورة المفهوميَّة التي ارتبطت بسياق معيَّن، ممَّا جعل استعارة المفهوم تخضع للتغيّر، وهو العمل الذي انكبَّ عليه الباحث.

هذا النقاش المثار من القراءات النقديَّة للحداثة صار، في نظر المؤلف، وحسب عرض نزهة بوعزة، حجَّة لدى التيَّارات الإسلاميَّة لاستحضار عودة المعطى الديني وبطلان المعطى العلماني، الأمر الذي ساهم في تشويه مقصود للمفهوم. في حين يؤكّد الكاتب أنَّ "العلمنة" لا تعني القطيعة مع جوهر الدين، بقدر ما أنَّها دعوة إلى التخلّي عن الأطر الجامدة والتحرُّر من السلطات التاريخيَّة لاستعادة وهج الدين الأصلي.

فالعلمانيَّة إجراءات ومؤسَّسات دون مضمون محدَّد، يتحدَّد دورها الأساس في حماية حريَّة المواطنين من تسلّط طرف اجتماعي معيَّن، إنَّها آليَّات لتطبيق العدل والمساواة في التفكير والتعبير والسلوك.

أمَّا الدكتور أحمد فرحان، فقد أشار في بداية ورقته إلى أنَّ كتاب: "العلمانيَّة في الفلسفة المعاصرة"، للأستاذ الباحث حاتم أمزيل، سعى  إلى مقاربة مفهوم العلمانيَّة الذي أسال الكثير من المداد بين المدافعين عنه والمعادين له في الفكر العربي، وهي مقاربة تتأطّر، حسب فرحان،  ضمن منهج تاريخ المفاهيم وأنظمة الفكر من وجهة نظر ألمانيَّة. وغاية هذه الدراسة هي التمييز بين دلالات المفهوم لغة واصطلاحاً، فكثيراً ما اختلط الأمر على الفكر العربي بين العلمانيَّة والعلمنة أو الدهرنة، كما اختلط عليهم بين مفهوم العلمانيَّة والحداثة والإلحاد، ومن حسنات هذا الكتاب أنَّه يرمي إلى تبديد الغموض وتجاوز الخلط الفكري والعملي. إذ ينطلق من البدايات الأولى التي شهدها التّأسيس الفلسفي للعلمنة مع هيجل وفويرباخ وماركس ونيتشه، ليكشف أنَّ العلمنة مع هيجل وفويرباخ كان الهدف منها هو استعادة الممتلكات من السماء أو الكنيسة لصالح الأرض أو الدّولة مع هيجل، أو لصالح الطبيعة الإنسانيَّة التي شهدت اغتراباً عن ذاتها مع فويرباخ، وهذه الممتلكات تتمثّل في معنى الوجود الإنساني القائم على ماهيَّة الحريَّة وتجاوز الاغتراب. وإذا كان السبيل الذي سلكه هيجل هو سبيل فلسفة التاريخ، أي تفريغ الحمولة الروحيَّة الدينيَّة للعناية الإلهيَّة في عقل العالم الذي يدبّر مساره ويمنح المعنى والانتظام لأحداثه ويستشرف المستقبل بتحرّر الإنسانيَّة من الخضوع للقدريَّة وتبعيّة الفرد لسلطة تشريعيَّة خارج ذاته، فإنَّ برنامج العلمنة الذي أطلقه يستهدف تحرير الفرد من خلال الاستقلاليَّة الذاتيَّة التي تمكّنه من القدرة على وضع قوانين بذاته تتجسّد في سلطة الدّولة، لأنَّه بالخضوع لسلطة الدّولة إنَّما يخضع لذاته الحرَّة، وبهذا أصبح للمسار التحرُّري التاريخي للذات الإنسانيَّة معنى غائيّ يفيد معنى التقدُّم. في حين ذهب فويرباخ إلى المزيد من تجذير مفهوم العلمنة، وذلك بتطهير الفلسفة التي ورثها عن هيجل من كلّ حمولة ثيولوجيَّة مهما كانت معلمنة، وعمل على إسقاط ثنائيَّة السماء والأرض باستعادة ثروات السماء التي هي ذاتها ثروات الطبيعة الإنسانيَّة التي اغتربت عن ذاتها في لحظة طفوليَّة لم تكن قادرة على الوعي بذاتها وعياً مطلقاً، فأسقطت طموحها ورغباتها في الكمال الإنساني على كائن متخيّل فارقته وهماً حتى صار واقعاً متخيّلاً أطلقت عليه الإله، في حين أنَّ كلَّ الصفات الإلهيَّة هي صفات أنثربولوجيَّة، أي: إنسانيَّة، وبهذا فإنَّ العقل المحض والأخلاق والحب هي خصائص من طبيعة إنسانيَّة، فلو تأمَّل الإنسان في ذاته لأمسك بها، ومنه فإنَّ صوت اللّه هو صوت ضميرنا الإنساني الدّاخلي، صوت ماهيتنا الإنسانيَّة. لقد كان مشروع فويرباخ مشروعاً لتطهير العلمنة من كلّ أثر ثيولوجي، ممهِّداً في ذلك السبيل لماركس الذي سيلتقط هذه النزعة الماديَّة في فلسفة فويرباخ منتقداً بذلك مفهوم الدّولة عند هيجل ومنتقداً أيضاً مفهوم الماهيَّة الإنسانيَّة عند فويرباخ، فاتحاً الباب على مصراعيه للتحليل المادِّي التاريخي الذي يقوم على الصراع الطبقي والبشري على الممتلكات الماديَّة التي انتقلت في احتكارها من الكنيسة إلى الرأسماليين، وأقرّ بأنَّ تحرير العالم من سيادة المعتقدات الدينيَّة هو بمثابة استرجاع لماهيّته الحقيقيَّة وتطبيق حرفي للدلالة القانونيَّة لمفهوم العلمنة من خلال استعادة هذه الممتلكات لصالح البروليتاريا وتحريرهم من الوهم الديني الذي يبرّر الاستغلال المادي والاقتصادي واحتكار الثروات. ويذهب الكتاب متابعاً مغامرة العلمنة في مسيرتها الفلسفيَّة الألمانيَّة في القرن التاسع عشر مع نيتشه الذي سيعمل على القطع مع كلّ التجارب السابقة في العلمنة، من خلال ملاحقة الدين بين ثنايا الفكر والثقافة، حتى يتمّ تحريرهما، هذه الملاحق التي أطلق عليها الأستاذ الباحث "مطاردة الساحرات"، وفي الأخير تحوَّل مفهوم العلمنة مع فلاسفة القرن العشرين (شميتولوفيت وآخرين...) إلى مقولة تأويليَّة تعمل على إدانة الحداثة لعدم قدرتها على إبداع مفاهيمها الأصيلة والخاصَّة، ولم يكن لها من عمل سوى اقتيات التصوُّرات المسيحيّة مع نكران نعمها، وهي ما أطلقوا عليها "علمنة التصوُّرات المسيحيَّة"، مثل مفهوم التقدُّم الذي ادَّعت الأزمنة الحديثة ابتداعه، وهو ليس إلّا علمنة لمفهوم الخلاص الأخروي...وهذه الأطروحة هي التي دفعت هانز بلومنبرغ إلى تسويد كتاب ضخم للدفاع عن مشروعيَّة الأزمنة الحديثة، مؤسّساً بذلك نهجاً جديداً في تاريخ الأفكار.

يضعنا الكتاب، حسب الدكتور أحمد فرحان، أمام تحدِّيات فكريَّة ومنهجيَّة لإعادة النظر فيما نتداوله اليوم من خطابات كثيرة حول العلمانيَّة والدهرانيَّة، ومن بين هذه التحدّيات الفكريَّة أنَّه لا بدَّ من التمييز بين المقاربة السوسيولوجيَّة التي وضعت العلمانيَّة في احتراب دائم مع الدين إطلاقاً، واتخذته مفهوماً تأسيسيَّاً للدولة الحديثة، وكأنَّ الدولة الحديثة العلمانيَّة قامت لاجتثاث الشعور الديني من قلب الأفراد المؤمنين، وبين المقاربة الفلسفيَّة التي ميَّزت بين العلمانيَّة والعلمنة، والتي تضع أصبعها على موطن الدّاء الذي يتمثّل في مآزق التصوُّرات المسيحيَّة الكنسيّة في تجديد المعنى الرُّوحي لتحرير الإنسانيَّة، وسقوطها في الطقوسيَّة والجمود العقائدي الشكلي وتغريب الإنسان عن ذاته ووجوده، بمعنى أنَّ العلمنة فلسفيَّاً هي مشروع تحرير إنساني يجد اكتماله في القوانين والتشريعات التي يضعها لضمان الحياة الكريمة، بما فيها ممارسة شعائره بحريَّة. ومن التحدّيات المنهجيَّة أنَّه لا يستقيم فهم مضامين العلمنة ولا يستقيم الإمساك بالمفهوم دون الوقوف على تاريخ المفاهيم وأنظمة الفكر، وهو ميدان معرفي ومنهجي متجدِّد.