يوم دراسي بعنوان ''دراسات في الطّقوس''

فئة: أنشطة سابقة

يوم دراسي بعنوان ''دراسات في الطّقوس''

انتظم بمقر مؤمنون بلا حدود وجمعيّة الدّراسات الفكرية والاجتماعيّة، بتونس العاصمة، السّبت 27 يناير الجاري، يوم دراسي بعنوان ''دراسات في الطقوس''، ساهم في تأثيثه ثلة من الباحثين بستّ مداخلات، توزّعت على جلستين صباحية ومسائية، وافتتحت أشغال اليوم الدّراسي بكلمة ترحيبية قدّمها د. نادر الحمامي باسم مؤسّسة مؤمنون بلا حدود وجمعيّة الدّراسات الفكريّة والاجتماعيّة، تلتها المحاضرة الافتتاحية النّظرية التي قدّمتها دة. سهام الميساوي الدبّابي بعنوان ''في مقاربات الطّقوس''.

وقد بيّنت دة. سهام الميساوي الدبّابي أن هذا اليوم الدّراسي حول الطّقوس هو حصيلة تكوين منهجي بدأ الاشتغال عليه في كليّة الآداب والإنسانيات بمنّوبة. و تناولت المحاضرة مجموعة من المقاربات النّظريّة حول الطّقوس بالتّفصيل والتّدقيق، وأشارت إلى أن الطّقس في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة هو أشكال لغويّة وغير لغويّة منظّمة تنظيماً محكماً يضمن نجاعتها الرّمزية، وقالت إنّ الطّقوس لا تكون تلقائيّة وأنّها تخضع لقواعد تتميّز بالتّكرار، وأنّ لا ثقافة تخلو منها على اعتبار أنّها أشكال اجتماعيّة مكوّنة للمجتمعات الإنسانيّة، واعتبرت اعتمادا على بعض المقاربات أن الاهتمام البحثي بمسألة الطّقوس يعود إلى القرن التاسع عشر، وقدّمت أمثلة متنوعة من بعض ما توصّلت إليه الدّراسات الغربية والاستشراقيّة حول الطّقوس. وبحثت في المبادئ العامّة التي قامت عليها دراسة الطّقوس استناد إلى تحديد بعض الأمثلة مثل القربان والسّحر وقتل الملك الإله، وبينت انطلاقا من ذلك العلاقة الثّلاثية التي يقيمها الطّقس من خلال المحتوى الرّمزي الذي يتأسّس عليه، تلك العلاقة التي تستبطن عالم الإنسان والعالم الرّمزي الذي تمثّله الطّبيعة وعالم ما فوق الطّبيعة، وطرحت من ثمّ علاقة السّلطة الكاريزمية للإله والطبيعة والطّقس.  واعتبرت المتدخّلة أن الطّقوس رموزاً تعبّر عن المقدّس، وأنّها تقوم على قواعد وتمدّ الإنسان بالكيفية التي يسلك بها إزاء المقدّس، وقالت أن الطقوس تسمح بتجربة المقدّس، وأنّها بذلك تسمح بإنتاج الشّعور الجماعي وانسجام الجسد الوضعي والوعي بأن الجماعة تمثل وحدة أخلاقيّة، وتحدّثت المحاضرة عن الشعيرة الإيجابية باعتبارها تمكّن من التّواصل بين الدّنيوي والمقدّس، ومن بينها القربان والصلاة والأدعية، ثم بينت النوع الثاني من الطقوس وهو الشّعيرة السّلبية، وهي طقوس تمنع التصاق المقدّس بالدّنيوي؛ مثل المحرّمات الغذائية والجنسانية والصّوم الطّقسي... وبيّنت أن الطقس يضمن وحدة النّظام الاجتماعي واستقراره. وخلصت إلى اعتباره استعارة وظّفتها الانثروبولوجيا السّياسية والانثروبولوجيا الحديثة ووظّفتها الدراسات التّاريخية الحديثة.  وانتهت المحاضرة النّظرية بالحديث عن المقاربة الأنثروبولوجية للطقس التي تعتمد مفاهيم المحاكاة والحركة الجسديّة والطّقسية، وبيّنت من خلال هذه المقاربة كيف أن الطّقوس أفعال تكتسب عن طريق المحاكاة، كما بينت أهمّية المسرحة في التّعبير عن الطّقوس.

وافتتحت بعد ذلك الجلسة العلمية الأولى برئاسة د. نادر الحمّامي، وقدّمت في مستهلّها ذة. زينب التّوجاني مداخلة بعنوان ''طقوس زيارة القبور عند المحدّثين''؛ أشارت فيها إلى أن أول النّصوص التي كتب حول زيارة القبور تعود إلى الحسن البصري في القرن الثّاني، وأنّه كتب رسالة في ذلك حتى يوضّح الزّيارة الشّرعية والزّيارة البدعيّة وما يجوز وما لا يجوز في زيارة القبور، واهتمت المتدخّلة بما ينهى عنه وما يسمح به، وقالت إن هذه الطقوس تقوم على نظام وقواعد، تواصلت منذ القديم وأسّست لبنية طقسيّة منطقيّة في التّراث الإسلامي، وأشارت إلى ما يكمن في ذلك من عنف وهدم وتطرّف، مؤكّدة أنّه يقوم على أفكار عقلانية مقنّعة لها منطق ميثي طقسي، وقدّمت المتدخّلة بعض النّماذج من نصوص ابن قيم الجوزية وحلّلت المظاهر الإيجابيّة والمظاهر السلبيّة للطّقوس، وأشارت إلى أن غاية ابن القيم ليست التّحريم فحسب وإنّما التأثيم، على اعتبار أن بعض الطّقوس المتعلّقة بمواكب الدّفن وزيارة القبور، التي يقوم بها العوام والمختلفون في العقيدة تعدّ إثماً يعاقب عليه، وبيّنت أن الطّقوس في هذا الجانب تمر بثلاث مراحل أساسيّة؛ أوّلها عمليّة الدّخول في الطّقس ثم ممارسة الطّقس وبعد ذلك عمليةّ الخروج من الطّقس. واعتبرت الباحثة أن للطقس السّلبي في منطق ابن القيم دلالات سياسيّة تحيل على الموقف من غير المسلمين والموقف من المخالفين في المذهب والمخالفين في العقيدة.  

وأحيلت الكلمة بعد ذلك إلى ذة. هاجر التّركي، فقدّمت مداخلة بعنوان ''العطور في طقوس مدينة المهديّة''؛ اهتمّت فيها بمسألة ''العطور في طقوس مدينة المهديّة''، وقامت بتفكيك رموز بعض الأشكال والألوان، وتوسّعت في تحليلها اعتماداً على المنهج الأنثروبولوجي، وبيّنت من خلال بعض ما توصّلت إليه أهمّية حفظ الذّاكرة الجماعيّة كاملةً. وخلصت إلى أنّ الممارسات المنظّمة للطّقوس بما تنبّهه من حواس عموماً، وبإثارة حاسّة الشمّ خصوصاً، تشكّل شبكة رمزيّة معقّدة تتحوّل إلى معاني تكوّن نسقاً راسخاً في المتخيّل الجمعي، تتمثّل به الجماعة العالم من خلال العطور، وتفسّر علاقتها به وتحدّد خصوصيّتها. وبيّنت أن انخراط جميع أهل مدينة المهديّة بمختلف أعمارهم وطبقاتهم الاجتماعيّة، في هذه الطّقوس، رغم التغيّر السّريع الذي يعرفه المجتمع التّونسي عموماً، وتغيّر النّسيج الحضري لمدينة المهديّة، دليل على رسوخها، واعتبرت أن سبب ديمومتها يعود إلى إشباعها حاجيّات كامنة في شعورهم اللاّواعي، يتقاطع فيها السّحريّ مع الدّيني، والميثي مع الإسلامي والوقائي مع التّخاطري. وانتهت الباحثة إلى اعتبار أن ذلك يكسب تلك الطّقوس ليونة تفسح المجال لتراكميّة ثقافيّة، تجعلها تستجيب إلى رغبة أصحابها في تشكيل العالم الغيبي وتحويله إلى عالم حسّي، تكون الدّنيا البداية فيه والمنتهى.

ثمّ قدّمت ذة. يسر المولهي مداخلة بعنوان ''طقوس العبّاسيّين في "الذّخائر والتّحف" لابن الزبير: دراسة في التّمايز ومسرحة السّلطة؛ أشارت فيها إلى أنّ الطّقس يساهم في توحيد سلوك الأفراد رغم اختلاف انتماءاتهم الاجتماعيّة، وقالت إنّه يُعتبر من زاوية ثقافية ذاكرةً تختزن كل ما يعاد إنتاجه بطريقة متماثلة وثابتة، واعتبرت أن ذلك يؤدّي إلى تخصيص هويّات اجتماعيّة وتمييزها عن غيرها بواسطة تكرّر السّلوك وتخليده في قوالب للتّجارب، فتصير العلامات التي تفرزها مستودع دلالات. واهتمت المداخلة ببعض الممارسات الطّقسية لدى مجتمع الخاصّة العبّاسيّة، ودرست أنموذجين من طقوس العبور؛ هما الزواج والإعذار، وأنموذجين من طقوس التّهادي؛ هما الهديّة للأليف والهديّة للغريب. وبيّنت أن النّخبة العبّاسية اضطلعت بممارسات لا تخرج عن نواميس المجتمع، ولكنّها تثبت محاولة خلق مسافة بين العامّة والخاصّة في كيفيّة تعاملها مع طقوس توحّد سلوك أفراد المجتمع. وانتهت المتدخّلة إلى اعتبار أن طقوس العبّاسيّين قد انتمت إلى الطقوس الاجتماعيّة المتعارف عليها، وأنّها غلّبت الطقوس الملكيّة بما تفرضه من تفوّق اجتماعي يجعلها نموذجاً تنبهر به العامّة، فتفصلها عنها رغم اشتراكها معها في ممارسات تقتضي طقوساً اجتماعية مشتركة داعمة بذلك تميّزها وهيمنتها، وتفتن بها الخاصّة، فتكون طقوس الملوك قدوة يُستهدى بها للتّعبير عن منزلة رفيعة لا ينال شرفها إلا القليل.

وتواصلت أشغال اليوم الدّراسي في جلسة ثانية ترأّستها دة. سهام الميساوي الدبّابي، وقدّم في مستهلّها ذ. ظافر البلطي مداخلة بعنوان ''قراءة في أهم دلالات طقس الضّيافة عند الغزالي من خلال كتابه إحياء علوم الدّين''؛ اهتم فيها بمسألة الدّعوة والإجابة، والقواعد التي وضعها الغزالي لذلك، وبيّن كيف أنّه قصر الدعوة على الأتقياء دون الفسّاق والأقارب فالأصدقاء فالمعارف على التّرتيب، والفقراء دون الأغنياء. وبيّن انطلاقا من ذلك أنّ الضّيافة هبة تهدى إلى شخص يبقى غريباً. واعتبر أن الضّيافة تؤسّس مكاناً اجتماعيّاً يمكن أن تظهر فيه فجأة هوّة بين أفراده، حتّى وإن جمعت الضّيف بداعيه علاقة مسبقة ومودّة ومعرفة. وقال المتدخل في معرض حديثه عن آداب الضّيافة وقواعدها أن على الضّيف ألاّ يعتذر عن دعوة المضيف له، وقال إن طقس الضّيافة يرسم داخل الفضاء المخصّص للضيافة فصلاً بين الفضاء العامّ والخاصّ، من ذلك تقسيم الفضاء المنزلي بإيجاد المسافة اللاّزمة بين المودّة والألفة من جهة، والاجتماعيّة من جهة أخرى، وأنّ ذلك لا يتمّ إلاّ من خلال وضع الحدود بين الفضاءات في البيت. وخلص الباحث إلى ذكر ما يتعلّق بطقس الانصراف وأوّل وحداته الدّنيا أن يخرج المضيف مع الضيف إلى باب الدّار طلق الوجه طيب الحديث مثلما فعل عند الدّخول.

ثمّ قدّمت بعد ذلك ذة. حفصيّة السّعيدي مداخلة بعنوان ''طقوس التحيّة في الخطاب الدّيني''؛ أشارت فيها إلى أن نظام التّحيّة في الخطاب الدّيني يحكم التّحايا كلّها على اختلاف المرجعيّات الدّينيّة، فتجلو التّحيّة ذات أهمّية كبرى في الدّيانتين المسيحيّة واليهوديّة، وأنّها تعبّر عن التزام المجتمع فيما بينه، وعن مدى تقبّل الأفراد بعضهم بعضاً، وبيّنت اعتماداً على ذلك وجود قائمات متعدّدة من التّحايا قد تبدو نمطيّة بعض الشّيء، وبحثت في تلك الخصائص من خلال اعتبار التّحيّة شخصيّة أوّلاً، وأنّها قائمة بذلك على تخصيص شخص بالاسم، ثم أنّها موضوعيّة ثانياً، ذلك لأنّها مرتبطة بالصبغة الدّينية العباديّة... وخلصت المتدخّلة إلى بيان أهمّية مفهوم طقس التّحيّة باعتباره عاملاً من عوامل المجموعة على اختلافها وتناقضها. كما بيّنت أن مفهوم الوحدة يتأتّى من كون التّحيّة طقسا للتّفاعل اليوميّ يجمع بين مفاهيم الأدب والمواجهة والتحفّظ، وقالت إن التّحيّة عبارة عن شفرة من شفرات ''حسن البقاء''، وأنّ غياب التحيّة يغيّب الحدّ الأدنى من التّعارف والتّرابط بين أفراد المجموعة.

واختتمت الجلسة الثانية والأخيرة من أشغال اليوم الدراسي بمداخلة ذ. أيمن بن حمّودة بعنوان ''آداب الحمّام وقضاء الحاجة في الفقه المالكي بالغرب الإسلامي: دراسة في طقوس الطّهارة''؛ وقد أشار فيها إلى أن آداب دخول الحمّام وبيت الخلاء والمراحيض، وإن ضجّت بها متون الفقه فقد ضلّت وقفاً على فصولها وأبوابها، ولم يتمثّلها المسلمون في الغرب الإسلامي تمام التّمثّل في حياتهم اليوميّة وفي واقعهم التّاريخي، وفسّر الباحث ذلك باعتبار أن النّصوص الفقهيّة ضلّت متعالية عن ممارسات النّاس وواقعهم المعيش. كما أشار إلى أن المسألة تخضع إلى الكثير من التحوّلات النّاشئة عن تيّارات المثاقفة والتّقارب، وعن نزعة التّطلّع إلى كلّ ما هو حديث ومغاير، وقال إنّ النّاس استمرّوا على عاداتهم وما ألفوه وتمثّلوا بعض الآداب وتخلّوا عن بعضها الآخر، وفسّر ذلك بكون المجتمع الإسلامي من بين المجتمعات الإنسانيّة عموماً، وأن لكل منها ضوابطه الثّقافية والأخلاقيّة التي تميّزه في التّعامل مع تفاصيل الحياة اليوميّة والممارسات التي تنضبط وفق ذلك. وأشار في سياق بيان ذلك إلى أنّ مسألة آداب دخول الحمّام وبيت الخلاء والمراحيض وقضاء الحاجة لدى المسلمين تخرج عن باب تصنيفها ضمن نصوص فقهيّة إلى كونها طقوساً تخضع بالأساس إلى قاعدتي الاستمرار والتّكرار وأنّ الفقهاء قاموا فقط بشرعنتها وألبسوها لباسا دينيّا فقهيّا حتّى يقبلها النّاس ويستمرّوا في ممارستها حتى يحافظوا على هويّة المجتمع الإسلامي وخصوصيّاته الثّقافيّة.

البحث في الوسم
يوم دراسي