يوم دراسي: " في خطاب دعاة الإسلام السياسي"

فئة: أنشطة سابقة

يوم دراسي: " في خطاب دعاة الإسلام السياسي"

احتضن مقر مؤمنون بلا حدود وجمعية الدّراسات الفكرية والاجتماعية، بتونس العاصمة، السبت 09 ديسمبر الجاري، أشغال اليوم الدّراسي " في خطاب دعاة الإسلام السياسي" التي توزّعت على حصّتين صباحية قدّمت فيها المحاضرة الافتتاحية ثم جلسة المداخلات، ومسائية اهتمت بنقاش المسائل والقضايا التي تمّ طرحها. وانطلقت فعاليات اليوم الدراسي بكلمة ترحيبية ألقاها باسم مؤسّسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث د. نادر الحمّامي.  

ثمّ قدّمت د.ة آمال قرامي المحاضرة الافتتاحيّة بعنوان: ''في تحليل النصّ المرئي: الخطاب الدعوي في الفضائيات أنموذجا''. وقد بسطت في بدايتها بعض الأفكار حول الإطار العام لليوم الدّراسي، وطرحت مجموعة من التساؤلات حول الجدوى والآليات والرّهانات التي يبحث هذا اليوم الدراسي عن تحقيقها. واعتبرت أنّه آن الأوان للانتقال من الدّراسات الحضارية إلى الدراسات الثقافية ما من شأنه أن يفتح المجال واسعا للاهتمام بقضايا عديدة تتعلق بهذا المجال.  وقالت إننا أمام هيمنة الثقافة المرئية التي وجب الاهتمام بها من الداخل ونقدها، وأن العالم أصبح متصوّرا مرئيا، وأن ثقافة المرئي غدت هي التي تشكّل سلوك المستهلك. وأشارت إلى ما اعتبرته فجوة معرفية في العالم العربي حول هذا الموضوع، وقالت إن الاهتمام بـ "النصّ المرئيّ والمسموع" في المجال العربي والإسلامي لا يزال في الخطوات الأولى في مجال تحليل النصّ والخطاب المرئييّن مقارنة بما تمّ التنظير له وتطبيقه في الغرب وخصوصا في المدارس الأنجلوسكسونيّة.

واعتبرت المتدخّلة أنّ التوجه إلى تحليل الخطابات المرئيّة يتطلّب جملة من التقنيات والفنّيات التي نظّر لها المنظّرون، وأنّ كلّ خطاب مرئيّا كان أو مكتوبا، له سياق فكريّ واجتماعي وسياسي يدور في فلكه وله أيضا رهاناته، ممّا يفسح المجال أمام القراءة والتّأويل والمقارنة كشفا لآليات الخطاب، واستنطاقا له، ووقوفا على من/ ما يقف وراءه، وتحديدا لطبيعة البنية الذهنية المنتجة له والأيديولوجيا التي توجّهه، والغايات التي يسعى إليها.

ونزّلت من ثمّ أعمال اليوم الدّراسي ضمن ذلك السياق، من خلال النظر في صنف مخصوص من النصوص المرئيّة مثّلتها خطابات دعاة الإسلام السياسي نظرا إلى ما تحظى به تلك الخطابات اليوم من أهمّية وانتشار كبيرين، وما لها من أثر في الذهنيّات ومن مساندة أو معارضة للسياسات الداخلية والخارجية، هذا بالإضافة إلى أنّ تلك الخطابات تمثّل مادّة مهمّة يمكن من خلال تحليلها وتفكيكها الوصول إلى آليات اشتغالها ورهاناتها وما يتحكّم فيها وما تسعى إليه وطرق تأثيرها من جهة اللفظ والصورة بكلّ تقنياتها الفنّية والشكليّة، ولاحظت ما يجري في الغالب من عمليّة مسرحة للخطاب وانتقاء للأضواء والألوان والألفاظ وطريقة الجلوس ونبرة الصوت والموسيقى المصاحبة وزوايا التصوير وحركات الجسم والإشارات، واعتبرت تلك عناصر أساسيّة في تأثيث النصّ/ الخطاب، ومادّة مهمّة جدّا للتحليل والاستنتاج.

وانطلاقا من ذلك كلّه، كان برنامج اليوم الدّراسي مقسّما بين الأطر النظريّة والتحليل التطبيقي المكمّل للتنظير.

وانطلقت من ثمّ جلسة المداخلات في قسمها الأوّل برئاسة د. حمّادي صمّود، وقدّمت في مفتتحها الباحثة نورة برينسي، مداخلة بعنوان: "لغة الجسد والأشياء" في خطاب الداعية نادرة عمارة. وقدّمت الباحثة وصفا تفصيليا دقيقا لداعية شابّة جالت فيه على الوصف الجسدي الحسّي، ووصف اللّباس والأستوديو بجميع مكوّناته، كما وصفت حركات اليدين وقسمات الوجه ولغة الجسد ونبرة الصّوت وحركة العينين... مؤكّدة على ما يعتبر علامات "الإسلام اللايت"، وأن ذلك المجال ينكسر فيه المخيال حول المرأة العورة المتزيّنة للإغراء بالجسد وللجسد لينوب عنه إغواء جديد إغواء المتربّعة على عرش الميديا مالكة سلطة الأفكار والعقائد مضلّلة كانت أو صحيحة. وقالت إن الديكور يعبّر عن قيم الفرد والجماعة وينطوي على أبعاد تاريخية وثقافية واجتماعية. وأنه يرتقي بالمشاهد في رحلة عبور من عالم الشرور إلى الحقيقة المطلقة بواسطة الطّهر النفسي والجنسي.

ثم أشارت إلى القيم التشكيليّة والجماليّة التي تترجم السيناريو إلى مشهد بصري تتآلف فيه العناصر جميعها في وحدة تصميم دالة، تقود إلى ثنائيات الفكر الديني من خير وشر وحلال وحرام وجنة ونار... واعتبرت أن ديكورات الاستديو التي تظهر في المشهد خلف الدّاعية تجعلها تبدو كأنّها تحمل الكون على كتفيها. وخلصت الباحثة إلى اعتبار أن ذلك يتناغم مع عقيدة الدعاة الّذين يرون الدعوة مطيتهم إلى السّماء؟ "فهي أشرف مقامات العبد" ويرون أنفسهم وحدهم المكلّفين بحمل الإسلام على أكتافهم. ورأت أن ذلك كلّه يضع المتلقّي في حالة استجابة وتسليم بمخرجات الحلقة في جميع مراحلها.

وقدّمت الباحثة سماح اليحياوي، مداخلة بعنوان: "جندرة الدعوة في الفضائيّات: ملكة زرار ومبروك عطيّة". قالت فيها إن تجربة ملكة زرار  ومبروك عطيّة تتنزّل ضمن مشروع صناعة داعية إسلاميّة، وأنّها صناعة تهدف إلى استقطاب متلقّي خرج عن دوائر السّيطرة ورفض الإقبال على بواثّ ماضويّة وتقليديّة، وأشارت إلى أن وسائل الإعلام المرئي والمؤسّسات الدينيّة أوجدت آليّات للهيمنة على المتلقي والتّأثير فيه باستعمال التّقنيّات الحديثة من مؤثّرات صوتيّة ومرئيّة، فعملت المؤسّستان معا على إعادة إنتاج داعية يبدو في صورة مختلفة عن الآخر المتكرّر النّمطي التّقليدي، ليوهم بالقطع مع الأداء المنتظر للدّعاة بإنتاجه  طرائق أداء جديدة تقطع مع التّنميط ومع المعايير الضّابطة لشروط مألوفة لظهور الدّاعية الإسلامية. واعتبرت أن ذلك جعل الدّاعية يتماهى في شكله الجديد مع أداء أدوار الجنس الآخر في التّمثّل المجتمعي والحديث في مواضيع آنيّة، وهو ما من شأنه أن يخلخل التّوقّعات ويربك الحدود الجندريّة، ويشوّش على أفق الانتظار الذّهني الجمعي لترغيب المتلقي في "إسلام لايت"، مستعينا على ذلك بظهوره في شكل دعوي مثير للجدل ومستفزّ على مستوى اللّغة والأسلوب والهيئة، وقالت إن الدّاعية "المستحدث" في المقابل ما انفكّ يمرّر خطابا تقليديّا بامتياز يعمل من خلاله على إعادة إنتاج علاقات وتشكيل هويّات اجتماعيّة حسب تمثّلات ومعايير السّلف مماهيا بين الماضي والحاضر مثبّتا للحدود الجندريّة وللتّمييز الجنسيّ وللترابيّات الاجتماعيّة.

وتواصلت جلسة المداخلات برئاسة د. محمد حمزة، وقد قدّمت الباحثة ريحان بوزغندة، مداخلة بعنوان: "بناء الحجاج في الردّ على حيرة النساء: الداعية أنور الجندي أنموذجا". وقد اهتمت فيها بالحجاج والإعلام البصري، وقالت إن في الحجاج جوانب الجدل وفنون المناورة ووسائل الإقناع والحمل على الإقناع، وأنّ الإعلام المرئي يقوم على عملية الانتقاء، وهو ما يظهر في خطاب الإعلامي الذي ينقل ما يختاره دون غيره. وتساءلت، أي حجاج يحضر في خطاب الداعية الحاضر في برامج الدعوة على الفضائيات؟ وفيم تتمثل آلياته ومساراته؟ وأي أبعاد رمزية قد تكمن فيه؟

ثمّ قدّمت نبذة عن الداعية خالد الجندي وهو من الدعاة الجدد المثيرين للجدل، وعن موضوع الحجاج الخاص بشأن من شؤون النساء "سفر المرأة دون محرم للتنزه"، وقالت إن مسار الحجاج ينتقل من المنع والتحريم إلى الإباحة، وأن الدّاعية يستند في خطاب المنع إلى مجموعة من الحجج منها النقلي ومنها القياس والإحصاء. وأشارت انطلاقا من ذلك إلى جندرة الخطاب الدعوي، الذي يتنازع حول سلطتي المعرفة والإعلام وقد تعلقا بالمرأة في المجتمعات المحافظة.

وخلصت بعد ذلك إلى الأبعاد الرّمزية لخطاب المنع في خطاب الداعية، ورأت أنها أبعاد متعلقة بعملية ضبط المجتمعات المحافظة للنساء عبر إسناد وظائف الرقابة والوصاية عليهن للرجال. وقالت إن منع سفر المرأة دون محرم خارج البلاد مرتبط بمفهوم "الأمان" في الإيديولوجيا الذكورية التي ترى في حدود بلدانها الجغرافية والثقافية والاجتماعية حدودا آمنة تكفل لها التحكم في أجساد النساء فيها، بينما يمثل السفر خارجها دون محرم تحررا للمرأة من وصاية الرجل عليها. وأن ذلك ما تسعى خطابات الدعاة اليوم لمنعه بتوظيف الحجاج في برامج الدعوة على الفضائيات.

وقدّمت الباحثة حميدة الغربي، مداخلة بعنوان: "في الكشف عن مواطن التناقض في خطاب الداعية رضوى محمّد". وقد اعتبرت أن زاوية النّظر في الخطاب الدعوي تتلخّص في رصد مظاهر التّناقض التي ينطوي عليها المتلفّظ المرئي انطلاقا من فيديو للداعية المنتقبة رضوى طارق، والذي اعتبرت الباحثة أنّه يظهر ضروباً فجّة من التناقضات على مستوى الشكل والمضمون، ومن ثمّ أشارت إلى بعض ما وسم المحتوى منها وتمثّل في المعجم اللّغوي المستثمر في الاقناع ثم الإحالة على آلية التّقابل بين الضّمائر التي شكّلت وفقها الدّاعية خطابها. ونظرت في مدلول ترتيب الحجج المستعملة واستنتجت أن ما تروّج له الدّاعية من وراء ملفوظها يستبطن إعادة تشكيل الهرم التّراتبي، وتكريس المفاهيم التّقليدية في علاقة المرأة بالرّجل ومنه تثبيت النّظام الجندري الذي يعيد المرأة إلى مربع الخضوع والعبودية، كما تحوّل خطابها إلى مجال للصّراع وآلية للتصدي للآخر الغربي، ما يشحن النفوس بالكراهية ويفضي إلى التكفير فالإرهاب.

وختمت مداخلتها بالقول إن هذا الخطاب نفسه يضحي مجالا للإشهار لأيديولوجيا معيّنة خدمة لأغراض سياسيّة، ما يؤدي به إلى الانزياح عن مقصده الدّيني، وعرضت جملة من التّناقضات التي انطوى عليها ملفوظ الدّاعية وأدّت به إلى أن يهدم نفسه بنفسه من الدّاخل وينبتّ عن الواقع بتحدّياته الحاضرة ورهاناته الآتية ما جعل تأثيره هشا وواهناً.

وقد اختتم اليوم الدراسي أشغاله بحلقة نقاش شارك فيها الأساتذة والباحثات المشاركات، إلى جانب الحضور من باحثين ومتابعين، وقد طرح النقاش مسائل ذات أهمّية انطلق فيها أصحابها مما ورد في المداخلات، ومن مقاطع الفيديو للحلقات الدعويّة المسجّلة التي تمّ عرضها، فكانت المسائل تأخذ طابعا نقديّا واضحا، وتتضمّن رؤية استشرافية لما يجب أن تكون عليه طرق التّعامل مع ''الإسلام المرئي''، خاصّة أمام حجم المتغيّرات التي يشهدها الواقع العربي الثقافي والاجتماعي، ما يجعل تلك البرامج الدّعوية مسايرة لنوعية التقدّم المادي والبصري، مع المحافظة على ذات المضامين القديمة التي تحفظ التوجّه التقليدي وتعلّبه في أغلفة حداثيّة.  

البحث في الوسم
الإسلام السياسي