الفردانية مدخل لقياس التغير الاجتماعي في المغرب


فئة :  قراءات في كتب

الفردانية مدخل لقياس التغير الاجتماعي في المغرب

ملخص:

تسعى هذه القراءة إلى تفكيك مفهوم المجتمع المركب الذي أسسه عالم الاجتماع المغربي بول باسكون، واعتمده الباحث عبد الهادي أعراب في كتابه لوصف المجتمع المغربي المعاصر، وهو نوع من التعايش بين الحداثة والتقليد الذي استمر طويلاً في تاريخ المغرب، دون تحقيق أيّ تغير اجتماعي على مستوى النسق؛ وذلك بالاعتماد على ما كتبته السوسيولوجية رحمة بورقية حول طريقة توظيف الناس عموماً، والنظام السياسي خاصة لأدوات الحداثة والتقليد في الوضعيات اليومية والاستراتيجيات، ثم للخروج من لبس المفهوم سيتم اعتماد مجموعة من المؤشرات المتاحة إحصائياً من أجل قياس حجم الفردانية في المجتمع المغربي الذي يسمح بتلمس حجم التغير الاجتماعي، وهل لابد من تحديث المغرب وفق المقاربة الليبيرالية، أم يمكن أن نصل إلى نموذج مغاير؟ ثم خلاصة واستنتاجات على ضوء الكتاب.

1. وصف الكتاب:

يتكون الكتاب من 133 صفحة من القطع الصغير بالبيبليوغرافيا والفهرس، يحتوي أربعة فصول رئيسة؛ تناول الفصل الأول مفهوم التغير الاجتماعي وعلاقته بكل من مفهوم التطور والتقدم ومفهوم النمو والتنمية. وجاء في الفصل الثاني أهم النظريات الكلاسيكية في التغير الاجتماعي. وتضمن الفصل الثالث نظريات التغير الاجتماعي المعولم: مجتمع الشبكة، المجتمع السائل. وفي الفصل الرابع التغير الاجتماعي بالمغرب: تساؤلات واستنتاجات.

يوضح الباحث أن المجتمعات الغربية قطعت أشواطاً طويلة في التغير؛ من مجتمعات تقليدية إلى حداثية إلى ما بعد حداثية، ولكل من هذه المجتمعات ما يميزها من ظواهر وتوصيفات علمية، حيث جسد علماء الاجتماع هذه الظواهر وتحدثوا عنها، بدءاً من مؤسس علم الاجتماع أوجيست كونت إلى دوركهايم إلى المدرسة النقدية مع باومان وآخرين[1]؛ إلا أننا في المغرب، لم نبرح مكان التقليد والتقليدانية، ولم نستطع تحقيق التحديث، بل الأصعب من ذلك أننا استطعنا الجمع بين الحداثة والتقليد في وضعية هجينة يصعب الخروج منها، وأن الوضع أصبح يعرف نوعاً من التعايش الحتمي الذي عمر طويلاً.

2. مقدمة:

تنطلق أغلب النظريات في سوسيولوجيا التغير الاجتماعي من وجود خط تصاعدي تسير وفقه مجتمعات لا تحيد عنه أبداً، وهي نظريات تطورية، حيث يتم الانتقال من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث، وفي هذا الانتقال تُحدث المجتمعات قطائع جذرية مع الماضي، انتقالاً من حالة إلى حالة مناقضة تماماً، حيث يسعى علم الاجتماع إلى نقل المجتمعات من تقليدية إلى حديثة بإحداث تغير شامل على مستوى النسق.[2]

بينما تتبنى العلوم السياسية نظريات أكثر تفصيلاً ووضوحاً من علم الاجتماع، من قبيل نظريات الانتقال الديمقراطية وكيفية تحقيق العدالة الانتقالية، ونظريات حول العدالة الاجتماعية، وأخرى حول سياسات الاعتراف، ما يساعد على تلمس المتغيرات والوقوف على آليات الانتقال من مستوى لآخر.

لقد وقعنا في العالم العربي في مآزق كثيرة يصعب الخروج منها، فإن كان التغير الاجتماعي بدأ في أوروبا بالإصلاح الديني والفكري، ثم ثورة علمية وثورة صناعية، فثورات سياسية أسست للدولة المدنية، فإننا في المغرب والعالم العربي وقعنا في مأزق العلوم الإنسانية والاجتماعية التي هي أحد منجزات الغرب وليدة الحداثة، وما رافقها من نظريات منجزة سلفاً في بيئة مغايرة للعالم الثالث، فهي لم تنشأ بطلب ذاتي وسيرورة تاريخية، بل بتدخل خارجي. وبالتالي لم يتحقق الانتقال الذي تحدث عنه أوجيست كونت، بدءاً من الأسطورة إلى اللاهوت إلى العلوم الوضعية.

فعلم الاجتماع ابن الحداثة ظهر بسبب الانتقال إلى مجتمع جديد سببته "ثلاث ثروات: سياسية (الثورة الفرنسية)، واقتصادية (الثورة الصناعية)، وفكرية (انتصار العقلانية والعلم والفلسفة الوضعية)[3] ، فجاء علم الاجتماع من أجل دراسة المدينة التي أنتجتها هذه الثورات متكاملة، وفي السعي إلى فهم ظواهر التحضر والهجرة، حيث أصبحت المدينة تملك قوانين عملها الخاصة بها التي لا تخرج عمّا هو اجتماعي، عكس ما كانت عليه المجتمعات التقليدية، حيث كانت محكومة بقوى من خارجها.

3. في نقد مفهوم المجتمع المركب:

يعتمد الباحث وأستاذ علم الاجتماع عبد الهادي أعراب في كتابه "سوسيولوجيا التغير الاجتماعي تساؤلات واستنتاجات حول المغرب" في تشخيصه للمجتمع المغربي الحالي على ما كتبه رائد السوسيولوجيا المغربية بول باسكون[4]، حيث صنف هذا الأخير المجتمع المغربي في وصف المجتمع المركب، وهو نوع من الطبيعة المزدوجة للظواهر داخل مجتمعات العالم الثالث، التي عبرت عنها نظرية التحديث بثنائية: تقليد/عصرنة، وعبرت عنها الفلسفة بصراع حداثة/تقليد، وعبر عنها بول باسكون بالتركيب.

نوع من المجتمعات التي استطاعت أن تحقق تعايشاً بين الحداثة والتقليد لمدة طويلة، "حيث استطاع أن يتعايش بين التقليدي القديم والجديد الحديث، هذا التعايش استمر طويلاً مما خلق نوعاً من إلباس الجديد للقديم"[5]، حيث استطاع ضمان الاستقرار بين مكوناته لمدة أطول.

في المجتمع المركب حصل نوع من المزج والتعايش بين التقليد والعصرنة دون أن يقوم هذا المجتمع بأي انتقال وتحول على مستوى النسق، "في المجتمع المركب نشهد تعايشاً للتناقضات بفعل تباين مسارات وإيقاعات التصفية والاستبدال ووثائر تطور الأدوات والتقنيات والعلاقات الاجتماعية والمؤسسات"[6]؛ هو نوع من التطور المُشوه الذي يختلف عن مسار المجتمعات الأخرى.

والسبب في ذلك حسب قراءة الباحث محمد ياقين لبول باسكون، أن التغير لم يكن مطلباً ذاتياً وصل إليه المجتمع المغربي عن قناعة ووعي كاملين؛ فلم ينشأ ضمن سياق محلي ودينامية تطَلبها الواقع، بل جاء نتيجة عوامل خارجية متعلقة بالاستعمار والتبعية، حيث يقول: "صحيح أن معالم المجتمع المركب تبدو أكثر وضوحاً في بلدان عرفت ما يمكن اعتباره بمعنى ما "تطورا معاقاً" بفعل عاملي الاستعمار والتبعية".[7]

إلا أن الأستاذة والباحثة في علم الاجتماع رحمة بورقية من خلال دراستها لـ "الثابت والمتحول في علاقة الدولة بالقبائل في المغرب" ترى أن المجتمع المركب، سواء استعمل الحداثة أو التقليد أو زاوج بينهما أو استعملهما بشكل منفرد في نفس الوضعية، ما هو إلا استراتيجية مرحلية يعتمدها الفاعل السياسي والاجتماعي، وليس أمراً حتمياً وواقعة رسمية، حيث تقول: "فالتعامل بين العصري والتقليدي يتم بمنطق الاستراتيجية، فالعصري لا يرفض التقليدي، وإنما يتحايل عليه ويوظفه في نفس الوقت"[8].

فهي ابتداءً تقرّ بظاهرة التركيب التي يعرفها المجتمع المغربي، لكن هذا التركيب يحتاج إلى تفصيل ودراسة وبحث معمق حول نوعية التركيب وفي أي اتجاه يسير المجتمع المغربي بكونه يعيش تفاعلاً بين ظواهر حداثية وأخرى تقليدية، حيث تقول: فإن كان "تركيب" المؤسسات والعلاقات والسلوك هو ظاهرة ملحوظة في المجتمع المغربي كما أشار إلى ذلك بول باسكون، فإن تفاعل عناصر التركيب مازالت تحتاج إلى تحليل وتستدعي إنجاز دراسات متعددة.[9]

فالقول بتعايش القطاع التقليدي والقطاع العصري على المستوى الشمولي لا يخلو من نظرة تبسيطية تجمد حركة المجتمع والتاريخ؛ فالمجتمعات أياًّ كانت تعيش بين الستاتيكا والديناميكا، في جزء منها هي مستقرة وثابتة، وفي الجزء الآخر تتحرك في اتجاه معين، بل قد يكون التقليد والعصرنة سيرورة واحدة تتداخل عناصرها وتتشابك، مما يفرز منطقا جديدا تغيب فيه الرؤية الواضحة، ليس بعقلاني دائم ولا هو بعاطفي دائم، وإنما منطق يستعمل الاستراتيجية المناسبة في الوضعية المناسبة، والذي فرض هذه الاستراتيجية هو وجود التقليدي والحداثي في نفس المجال واشتراكهما نفس المواضيع، وبالتالي يغذيان معاً نفس التصورات اليومية حول الاجتماع الإنساني.

بمعنى أن للفرد المغربي القدرة والحرية في التغيير والخروج عن المألوف الذي يفرضه المجتمع والقيم التقليدية، وأنه مستقل نسبيًا من تركة الماضي والتراث، ويسعى ما أمكن إلى البحث عن اللذّة والمصلحة الخاصة. وبالتالي يستطيع الفرد الخروج من البنية والنسق إلى الفعل الاجتماعي الحر، وأن الفرد يمتلك مجموعة من التمثلات المسبقة والقيم التي ورثها عن المجتمع، لكنه يمتلك من الحرية والفعل ما يخوّل له التصرف بكل استقلالية.

فالتقليد والحداثة هنا هي ضرورة مرحلية ووضعية اجتماعية وليست حتمية تاريخية. من هذا المنطلق، تنتقد رحمة بورقية فكرة التركيب لدى بول باسكون؛ لأن المجتمع المركب حسب بول باسكون، بنية اجتماعية تُخضع سلوكيات جميع الفاعلين لنفس التركيب والمزاوجة.

كما أن الإشكال في غياب رؤية واضحة للفاعل الاجتماعي هو وجود السلطوية التي تُربّي الناس على ثقافة الخوف والخضوع وعدم الإفصاح عن الأفكار والمعتقدات الجديدة، فتقوم بإدماجهم قسرياً تحت هوية الفئة المهيمنة، والهدف هو خلق عقل جمعي يتقاسم من خلاله الناس المعتقدات والقيم.

فالدولة المغربية حسب بورقية، قد فرضت سيطرتها على الفرد باحتكارها لكل الرموز الدينية والتاريخية والعقلانية والحداثية؛ ذلك ما جعلها في تصور الفرد قوة متعالية، ما يجعل التقليدانية شيئا مصطنعا واستراتيجية مرحلية وليس واقعاً اجتماعياً، حيث تقول: "التقليدانية مصطنعة عكس التقليد، إن التقليدانية تعني نمطاً أيديولوجياً مصطنعاً متجهاً ضد الرموز الجديدة، ليجعل بعض الأجزاء من التقليد القديم ضد كل تيار جديد أو كل ابتكار"[10]. وقد اتضح ذلك مع الربيع العربي لما تراجعت السلطوية وتقلص نفوذها، فاتضح زيف التقليدانية والتركيب لصالح قيم حداثية رُفعت كشعارات، وهي الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية.

إن ما قامت به الباحثة رحمة بورقية بتتبع حجم التغيير في المغرب من مجمع تقليدي في اتجاه مجتمع حديث، بتلمس علاقة الدولة المغربية (المخزن) بالقبائل، ثم علاقة الفرد بالقبيلة والمنطقة والدوار، ثم طبيعة السلطة وبنيتها وحجم التحديث الاقتصادي، وطريقة توزيع الثروات، وطريقة اشتغال النظام البيروقراطي، ومكانة المرأة، ومرتكزات المشروعية بين الحداثة والتقليد. كل هذا جعلها تقف على الطريقة التي يتم بها توظيف الحداثة والتقليد في نوع من الاستراتيجية والتكتيك المرحلي في التعامل مع الواقع.

إن المجتمعات في طور الانتقال تَعرف تفاعلاً مستمرّاً بين قيمها المحلية التي تنبثق من العقل الجمعي، والقيم الكونية الوافدة التي تشجع على الفردانية والتعددية، حيث تلعب العولمة والانفتاح على الآخر دوراً مهمّاً في فرض ديناميته حركية على المجتمع المغربي. والمجتمع المغربي مثله مثل باقي المجتمعات التي تتعرض لتأثيرات العولمة، حيث يعرف تحولات كبيرة في العمق، وإن لم تكن ظاهرة كفاية وبشكل واضح ليرصدها علم الاجتماع، وهو نوع من الانتقال الاجتماعي من مستوى لآخر مخالف له أو يوافقه في بعض جزئياته. كما أن الجمع والمزاوجة هو نوع الصراع والتدافع الذي يحرك عجلة التاريخ وسيرورة المجتمع.

فقضية استمرار هذا النموذج في الجمع بين الحداثة والتقليد، وتحقيقه الاستقرار مدة طويلة يتطلب منا النظر في البراديغم المنظم للمجتمعات؛ فهناك فرق بين الارتهان إلى الوضع القائم كونه وضعاً آمنا يلبي بعض الحاجيات، وبين مجتمع تعدّدي يقر بالاختلاف وحرية الأفراد، ويسمح بمزيد من الإبداع وتقسيم العمل. لهذا يشكل النظام الديمقراطي نظام استقرار وأمن وإنتاج، وهو النموذج الكوني الذي توصل إليه الإنسان في أرقى حلته. أما فيما يتعلق بالمجتمع المركب، فهو ضمنياً نظام مختل غير مستقرّ آيل للسقوط في أية لحظة.

بعيداً عن الصراع حول المفاهيم وفي ظل صعوبة قياس المفهوم؛ للوقوف على طبيعة المجتمع المغربي وحجم التغير الاجتماعي داخله، سنعتمد فيما تبقى من البحث على مجموعة من المؤشرات الاجتماعية التي تسمح بتحديد علاقة الفرد بالمجتمع، وحجم الفردانية والحرية في المجتمع المغربي.

4. مفهوم الفردانية:

تختلف القيم الحداثية عن القيم التقليدية، فالأولى تعلي من الفردانية والاستقلالية، بينما تنتصر الثانية للجماعة والخضوع، حيث تهدف هذه الأخيرة إلى إدخال الفرد في عقل جمعي مؤطر بمعايير وقيم جماعوية، سواء كانت قبلية أو عائلية أو دينية أو عرقية؛ فالقيم الدينية المبنية على معنى الحلال والحرام، أو القيم العرفية مثل "حشومة" و"عيب"، هي قيم تنتمي إلى العقل الجمعي الموحد، حيث تعزز من وصاية الجماعة على الفرد. فيصعب على الفرد المتعلق بها بناء مواقف موضوعية وعقلانية مع الآخرين لاعتبارات أخلاقية عاطفية.

أما تأكيد الفردانية، فيتعلق بحرية الضمير والمعتقد والسيادة الكاملة على الجسد وحرية التصرف فيه، ثم مستوى الحرية المالية ومدى استطاعة الفرد الإنفاق على نفسه دون الرجوع لأحد.

كما يتميز الفرد في المجتمعات التي تدعم الفردانية بالانفتاح على جميع التوجهات، والسعي وراء الأحاسيس القصوى والبحث عن اللذة، والاعتكاف على الذات والحياة الحميمية، والانسحاب من مختلف أشكال الالتزام الجماعي التي تقيده، مما يولد لديه انفتاحاً وقبولاً للآخرين واعترافا بهم في ظل قيم المواطنة، الذي يولد لديهم أيضاً سلوكاً سياسياً وانتخابياً ديمقراطياً، فهو لا ينتصر للجماعة على حساب الأحزاب وبرامجهم الانتخابية، بل يختار ما يخدم المصلحة العامة.

يقسم دوركهايم المجتمعات إلى تقليدية؛ حيث التشابه بين الأعضاء في كل الجوانب، فيقومون بنفس الأعمال ويتقاسمون نفس الهموم؛ وحدِيثة حيث الاختلاف يؤدي إلى التخصص وتقسيم العمل[11]. في المجتمعات التقليدية، يتم ضبط الحريات الفردية من خلال التنشئة الاجتماعية، فيفرض المجتمع معايير صارمة على الأفراد، وأي خروج عن الوجدان الجمعي يعتبر ارتداداً وخروجاً عن الجماعة؛ فمثلا "الفرد في المجتمع الإسلامي ليس له حياته الخاصة والمستقلة، بل إنها امتداد للحياة العامة".[12]

لهذا، إذا كانت المجتمعات التقليدية يسودها الخضوع لنفس المعايير ونفس القيم والعادات، والأفراد داخلها متشابهون والسلطة استبدادية، فإن المجتمعات الحديثة تتمتع بالتعددية والحرية الفردية، وتدبر اختلافها عن طريق الديمقراطية بما هي حكم الأغلبية دون الإضرار بحقوق الأقلية.

إن المجتمع هو تعبير عن إرادة أفراده، ولا يجب أن يكون مخالفاً لها، حيث يقول دوركهايم: "ولئن كان المجتمع اليوم يملك حق العقاب، فإنه لا يكون معنى ذلك آنئذٍ، إلا أن الأفراد فوضوا له هذا الحق؛ فهو ليس إلا وكيلا عنهم".[13] إلا أن المجتمعات التقليدية تفض قوالب جاهزة على الفرد، فلا تسمح له بمزيدٍ من الحريات ولا تتسامح مع من يخرج عن قيمها ومعاييرها. لهذا الفردانية في عمقها صراع دائم بين الفرد والمجتمع، حيث يريد الفرد أن يستقلّ لنفسه بمجموعة من الحريات والحقوق، لكن المجتمع يمنعه من ذلك ويريده خاضعاً مطيعاً له، ويقيده ما أمكن بمجموعة من القيم والمعايير التي تفرضها آليات الضبط والرقابة والتنشئة والإدماج، "فهيمن التفكير في طبيعة العلاقة بين الفرد والمجتمع على انشغالات وسجالات العديد من الفلاسفة والمشتغلين بالعلوم الإنسانية...وقد تمحور التفكير والجدال عموما حول تقدير حدود حرية وإرادة وفعالية الفرد، وحول طبيعة ومدى تأثير المجتمع في هذا الأخير".[14]

لقد مرت عمليات الفردنة في السياق الغربي بمسلسل طويل من الاستقلالية، بداية بالاستقلال الفكري والمنهجي عن الإطار الذي يرسمه المجتمع، ثم الاستقلال الاقتصادي، ثم السياسي، ثم فصل الأسرة عن المجتمع بجعلها المكان المفضل للحياة الخاصة في شكلها النووي المكون من الأب والأم والأطفال، مما جعل الحدود ترسم أكثر بين المجال العام والمجال الخاص؛ كل هذا جعل المعتقدات والقيم اختيارات فردية أقل ارتباطاً بالتقاليد والمؤسسات الاجتماعية.

فكلما انتقلنا من المجتمع التقليدي في اتجاه المجتمع الحديث، إلا وقلت العضوية وازدادت الفردانية، حيث العضوية تتمثل في روابط الدم أو الدين أو المذهب أو بعضها أو كلها؛ "إنها الروابط التي تربط الطفل بأمه، أو المشاعية البدائية بالقبيلة والطبيعة، أو رجل العصور الوسطى بالكنيسة أو الطائفة الاجتماعية"[15]، لهذا ينشأ الإنسان الآلي بتعبير دوركهايم حين تختفي الهوية بين الأنا والعالم، فيختفي الشعور بالخوف والعجز الذي توفره الجماعة، "لأن التقليد نمط تَنشئة وقيم يتم تصريفها عبر الأسرة والمؤسسات الاجتماعية تصبح بمثابة أطر مرجعية للتفكير والفعل والاستجابة".[16] أما الفردانية، فهي تَحرر الإنسان من الأفكار والنظم التي تربطه بالجماعة.

كما يتطلب دور الفرد الإحساس بالمسؤولية المجتمعية تجاه الحرية، فهي ليست معطىً استقلالياً أكثر مما هي التزام أخلاقي، حيث يشكل مفهوم الحرية في حد ذاته واقعة اجتماعية. فإذا كانت الفردانية في سياق التجربة الغربية هي المحرك الأساسي لتغير المجتمع، فإنها ولدت في المجتمعات العربية نوعاً من الاغتراب بين الفرد والجماعة، بانفتاح المجتمع على قيم السوق والاستهلاك، وبدأت قيم التضامن في الفقدان، ما ولد لدى الأفراد نوعاً من النرجسية في غياب قيم عقلانية موجهة وغياب مؤسسات اجتماعية مكملة.

فالمسؤولية لا ترتبط بالتطبيق التعسفي للقانون من طرف الدولة، بل تحددها المبررات الأخلاقية التي ترتبط بالعدالة وحقوق الآخرين، وهي منطلق المعتقدات الصحيحة والتربية السليمة التي يتلقاها الأفراد.

5. الفردانية مؤشر لقياس التغير الاجتماعي بالمغرب:

عرضنا في المحور السابق مسار تشكل ظاهرة الفردانية في أُسسها الدينية والفلسفية والسياسية والاقتصادية في السياق الغربي، وكذا توسع الفردانية مع الليبرالية الجديدة التي أعطتها شمولية في التجسد والظهور ومنحتها شرعية سياسية وقانونية ثابتة. في حين أن سياسات التحديث في المغرب منذ التحرر من الاستعمار إلى مخططات التنمية والإدماج، أدت إلى بروز الفرد ونمو الفردانية بشكل جانبي غير مخطط له، حيث يقول عبد الله العروي في هذا الصدد: "الديمقراطية إذاً بحسب ما يظهر تاريخها أنها نتيجة حتمية للتطورات السوسيو- اقتصادية المرتبطة أساسا بالمدينة".[17] وهو تحديث أدى إلى تحول نسبي في العقليات التي كانت تعتبر عائقاً أمام التطور واللحاق بركب البلدان المصنعة، وأمام بناء دولة قومية وتحقيق التقدم الاجتماعي.

كذلك أدت سياسيات التحديث إلى تحرر المرأة المغربية نسبياً على أكثر من صعيد، فاكتسبت ثقتها في نفسها وقدرتها على التصرف، ولم تعد مرتبطة أشد الارتباط بالعائلة والوالدية، وساهمت الاستقلالية المادية في ذلك، لكنها ليست نسخة نسائية مطابقة تماماً لما عليه النسوية الحداثية؛ لأن مسار الفردانية طويل ويتطلب مواكبة وبناء على المستوى السياسي والاقتصادي أيضاً.

كذلك، رغم ازدياد كبير للأسر النووية، إلا أن الفرد لم يقطع نهائياً مع عائلته أو جماعة الجيران أو جماعته الدينية، فلازالت هناك مناسبات تلتقي فيها العائلة، ولازال للأم دورها في الاستشارة والمواكبة. فإلغاء دور الأب أو الزوج للخروج من النموذج البطريركي إلى نموذج ديمقراطي والتأسيس للحرية الكاملة، لازال لم يتم بشكل نهائي.

هناك عدة مؤشرات ترصد تطور القيم الحداثية في مقابل القيم التقليدية لدى النساء والشباب المغربي:

مؤشر الزواج: يوضح هذا المؤشر نمط الزواج المتبع لدى الشباب، هل يتم من داخل العائلة أم من خارجها؟ وهل باختيار فردي أم باختيار جماعي عبر تدخل العائلة؟ وهل يخضع لاعتبارات جماعية تتعلق بالشرف والجاه ومصالح العائلة المادية والرمزية، أم يتعلق بمصالح فردية واعتبارات مفتوحة؟ ثم نسبة الزواج داخل المجتمع المغربي وسنّ الزواج؛ كلها مؤشرات توضح مدى استقلالية الشباب عن العائلة والجماعة.

تراجع سن زواج بالنسبة إلى النساء؛ حيث انتقل من 26,3 سنة 2004 إلى 25,8 سنة 2014، وبالنسبة إلى الرجال ظل مستقرّاً (31,2 سنة خلال 2004 و31,4 سنة خلال 2014)، وهو سن مبكر جدّاً مقارنة مع الدول الحديثة، مما يوضح أن العلاقات الجنسية لازالت تتم داخل الإطار المؤسساتي، وأنه لازالت العائلة هي من تتدخل لاختيار الشريك وتحدّد سن الزواج، رغم أن الشباب قد يقيمون علاقات رضائية قبل الزواج؛ إلا أنها تكون في سرية تامة بعيداً عن أنظار العائلة.

مؤشر المساواة في الإرث: لا توجد لدينا دراسة دقيقة حول نسبة المغاربة أو عدد الأسر التي تقسم الإرث بالتساوي بين الجنسين كنوع من الثقافة الحداثية بتوافق عائلي، إلا أن المتعارف عليه هو أن عائلات من البرجوازية الحضرية تقسم الإرث بالتساوي بين ذكورها وإناثها، وتوجد أسر تقليدية في بعض المناطق تمنع المرأة من الميراث؛ إلا أن موضوع الإرث في نظر أغلب المغاربة ينبني على نصوص دينية قطعية مما يستوجب اعتماد التقسيم القرآني.

مؤشر الطلاق: هل الطلاق يتم باتفاق بين الشريكين أم باختيار الرجل ووصايته؟ أم باختيار المرأة؟ وهل يتم بتدخل العائلة أم باستقلالية واختيار فردي عقلاني؟ ثم نسبة الطلاق في المغرب؟

يصعب القيام بدراسات تفصيلية للطريقة التي يتم بها الطلاق، والأسباب الدافعة إلى ذلك، ومن كان وراءه؟ إلا أن نسبة الطلاق ارتفعت بعد صدور مدونة الأحوال الشخصية، بمعدل 17 في المائة من الزيجات الموجودة، وسببه بالأساس هو إعطاء مزيد من الحرية للمرأة في تقرير مصيرها والاستقلالية عن سلطة الزوج.

إلا أن ضعف النشاط الاقتصادي للمرأة مع استقلالها عن العائلة، يجعلها هي وأطفالها معرضة للضياع والتفكك، كما أن المغاربة لازالوا ينظرون إلى الطلاق على أنه "عيب" وضعف في إدارة الحياة الزوجية من طرف الزوجين، والذي تتحمل أضراره الزوجة بالدرجة الأولى، كما لا يوجد لدينا إحصاءات تتعلق بمدى تدخل العائلة في عدد حالات الطلاق والتطليق.

مؤشر اللباس والمظهر الخارجي: يعكس اللباس نوعاً من التحرّر لدى الشباب والنساء، وهي الرغبة في أن يكون الفرد مختلفاً عن الآخرين، وأن يُظهر مفاتنه للآخرين في نوع من التحدي للآخر. فهل يرى الشباب أن الدين يفرض نظرة معينة على لباس الجنسين، أم الأمر حرية واختيار؟

يحدّد الدين والعادات للرجل لبْس القميص وترك اللحية، وفي بعض المناطق ترك الشارب. أما النساء، فالحجاب واللباس المحتشم، كما تغيب دراسات توضح مدى ارتداء الشباب والنساء الملابس انطلاقا من قناعات دينية.

وهو ما يطرح إشكالية تقييم الحرية في موضوع اللّباس، هل يتعلق الموضوع باستقلال ذاتي في التصرف في الجسد؟ أم التبعية والخضوع للتصرفات الجمعية؟

إلا أن الحالة العامة تعكس تنوعاً في اللباس وانفتاحا على لباس عصري أكثر منه تقليدي، وترك التقليدي للمناسبات، كما أن هناك شبه تحرر للمرأة من اللباس التقليدي، حيث أصبحت ترتدي لباساً قصيراً أو آخر يصف جغرافية الجسد.

إلا أن هذا التحرر لم يكن دائماً في اتجاه الحداثة وما تدعو إليه، بل أحياناً تتوجه النساء نحو لَبس الحجاب أو النقاب، خصوصاً عندما أصبح الحجاب يواكب الموضة العالمية، ويحمل الماركات المسجلة، وقد ترتدي الفتاة النقاب بقرار حر ذاتي، على الرغم من معارضة الوالدين والأقارب لها.

فكيف نفهم ونفسر تصرفات مثل هذه، تجمع بين الفردانية القصوى ومعاداة قيم الحداثة الليبرالية؟ أيوجد تلازم بين الفردانية والحداثة والديمقراطية، أم إن العلاقات بين هذه الظواهر أشدّ تعقيداً مما تسارع إليه النظريات الاختزالية والتحليلات المؤيِدة؟

مستوى التعليم لدى المرأة والرجل: قدرت نسبة الأمية في المغرب سنة 2014 في الوسط القروي بـ 47,7% والحضري بـ 32,0%، ما مجموعه 22,2%. وهو معدل مرتفع جدّاً مقارنة بالدول التي تنعدم فيها الأمية، وهي مرتفعة في صفوف النساء أكثر، وتقسم عل الفئات العمرية بالشكل التالي:

  • %99,4 من الأشخاص المتعلمين والبالغين من العمر 10 سنوات وأكثر، يقرؤون ويكتبون بالعربية.
  • %66,0 من الأشخاص المتعلمين والبالغين من العمر 10 سنوات وأكثر، يقرؤون ويكتبون بالفرنسية.
  • %18,3 من الأشخاص المتعلمين والبالغين من العمر 10 سنوات وأكثر، يقرؤون ويكتبون بالإنجليزية.
  • 64,5% بالمائة من النساء ربات البيوت لا يعرفن القراءة والكتابة، 56,6 بالمائة في المدن و88,3 بالمائة في القرى.[18]

مما يوضح ارتفاع نسبة الأمية في المغرب، وكثرة الهدر المدرسي: "ومع بداية الثمانينيات، بدأت المنظومة التربوية، في التراجع، لتدخل بعد ذلك، في أزمة طويلة؛ من بين مؤشراتها: الهدر المدرسي، وعودة المنقطعين عن الدراسة إلى الأمية، وضعف قيم المواطنة، ومحدودية الفكر النقدي، وبطالة حاملي الشهادات، وضعف التكوينات الأساسية في؛ القراءة، الكتابة، الحساب، اللغات، التواصل".[19] فرغم كثرة برامج محو الأمي والإدماج، إلا أن نسبة الأمية في صفوف النساء مرتفعة جدّاً.

مؤشر الخصوبة: يوضح هذا المؤشر مدى اهتمام المرأة بجسدها، وحجم العقلانية في الإنجاب، فهل يخضع تدبير هذا الشأن إلى الجانب الاقتصادي والإمكانات المادية المتاحة؟ أم يخضع للتفكير التقليدي المرتبط بالبركة وانتظار الرزق من السماء، وغياب التخطيط المحكم العقلاني؟ وهل يتم التحكم في الإنجاب من طرف العائلة من أجل إعادة الإنتاج، فيصبح الجسد امتلاكا للعائلة وليس للفرد.

حسب الإحصاء العام للسكان والسكنى الذي تقوم به المندوبية السامية للتخطيط كل 10 سنوات، فإن النمو الديمغرافي تراجع في المغرب بـ 25,1 % ما بين 2004 و2014. وبلغ متوسط عدد الأطفال 2,2 طفل لكل امرأة سنة 2014 مقابل 2,47 سنة 2004. في المدن 2,01 طفل لكل امرأة، و2,55 في القرى. مما يوضح أن الخصوبة في الوسط الحضري دون عتبة تجديد الأجيال[20]، كذلك متوسط حجم الأسر تناقص من 5,24 سنة 2004 إلى 04,6 سنة 2014. يتوزعون 7,2 بالمائة من الأسر تتكون من شخص واحد، و46,3 بالمائة من الأسر تضم من شخصين إلى ثلاثة أشخاص، و46,5 بالمائة تضم 5 أفراد فما فوق.[21]

أما من الاستقلال وإلى حدود سنة 2004، فإن تقرير الخمسينية يرصد تراجعاً كبيراً في نسبة الخصوبة. "أما بالنسبة للإنجاب، فقد تراجع من 7 أطفال للمرأة الواحدة سنة 1962 إلى ,52".[22] وهو ما ساهم فيه التقدم الحاصل في تمدرس الفتيات الذي تسبب في تأخر الزواج، زيادة على توسع التمدين، وكذا سياسات التخطيط العائلي.

مؤشر العلاقات الجنسية الرضائية خارج مؤسسة الزواج: يساعدنا مؤشر الخصوبة وتأخر سن الزواج في الاقتراب من فهم حجم الظاهرة، حيث يدل مثلا انخفاض الخصوبة، وتأخر سن الزواج من وجود علاقات جنسية خارج الزواج وغير مرتبطة بالإنجاب. أما تأخر سن الزواج متضافراً مع تداعيات الاختلاط بين الشابات والشباب يجعل العلاقات الجنسية ممكنة. وفي كلتا الحالتين، يمكن الاقتراب قليلاً من تقييم حالة الجنسانية التي تفلت من رقابة العائلة، وتمارس على هامش مؤسسة الزواج.

إلا أنه لا يوجد إحصائيات في الموضوع لحساسيته، ثم لازالت الحالة الاجتماعية والصراع المجتمعي حول الحريات الجنسية لم يصل لدرجة القيام بمسح يوضح حجم العلاقات.

فقط استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "ليكونوميست- سينيرجيا" شهر أكتوبر 2019 حول الجنس خارج إطار الزواج، على عينة مكونة من 1000 شخص، حول ما إذا كانوا يعتقدون أن من حق الأشخاص البالغين إقامة علاقة جنسية خارج الزواج، فكان جواب 88 بالمائة منهم بالرفض، مقابل 9 بالمائة يوافقون على عدم تجريم هذه العلاقة، فيما لم يعبر الباقون عن آرائهم[23].

مؤشر النشاط الاقتصادي لدى النساء: بلغ مستوى النشاط الاقتصادي لدى النساء سنة 2004 معدل 17,6%، في مقابل 14,7% سنة 2014، حيث عرف تراجعاً مهولاً، الذي يطرح عدة أسئلة حول الموضوع. كما أن النسبة ضعيفة جدّاً مقارنة مع دول قريبة مثل تونس، حيث نسبة النشاط الاقتصادي لدى نسائها 30%، ما يوضح أن المرأة لازالت تابعة لنفقة الزوج أو الأب أو الإخوة، زيادة على تنامي البطالة والفقر في المغرب.

مؤشر التمدين والاقتصاد: ارتفعت نسبته من %29 سنة 1960 إلى %55 سنة 2004.[24] إلا أن هذا التطور ضعيف جدّاً مقارنة مع الدول المتقدمة التي نهجت تقسيمات جديدة تجاوزت ثنائية القروي والحضري، تجعل من القرية أيضاً مركزاً للاستثمار وليس مركزاً هامشياً. زيادة على ما يعيشه الحضري والشبه حضري من قلة التنمية وضعف الاستثمارات، وتزايد الفوارق الاجتماعية والهشاشة وتوسع دور الصفيح وازدياد الهجرة القروية بسبب الفقر، كل هذا يوضح أن التمدين لا زال محدوداً في المغرب، ويختصر فقط على بعض المناطق الموجودة في السهول وعلى الشواطئ "المغرب النافع"، ويتم تهميش الجوانب؛ مما يؤثر سلباً على الوضعية الاقتصادية للمرأة والشباب من أجل تحقيق استقلالية مادية.

مؤشر نمط التدين: يسمح نمط التدين العقلاني بمعرفة مدى استقلالية الفرد من التدين الموروث والانسجام مع خطاب العولمة الذي يؤسس لقيم كونية، الذي يتجاوز ثقافة وقيم المجتمعات المحلية والخطاب الجماعي الذي يدعو إلى التقوقع والتشبث بالقيم المحلية والخصوصية؛ إلا أن الإحصائيات تغيب في هذا المجال، وكذلك إعلان بعض الشباب عن التحول من دين لآخر، أو التحرر من بعض الشعائر الدينية الجماعية كالصوم مثلا. إذن توجد فئة قليلة من الشباب هي من تتحول عند رشدها عن التدين الموروث للاستدلال العقلي، أو تتحول إلى عقيدة أخرى، ما يطرح سؤالا حول هذه الفئة: هل الإيمان لديهم فردي لا يُلقن بالوراثة والتقليد؟ وهل الدين بالنسبة إليهم ينتمي إلى المجال العام أم الخاص؟ بمعنى؛ هل تأثيره منحصر فقط في المجال الحميمي المتعلق بحرية المعتقد واللباس، وهو نوع من الفردانية الدينية حول اللباس والمعتقد؟ أم يرون أن الدين مؤطر للمجال العام، ويحدد العلاقات بين الناس، ويمارس نوعاً من الوصاية على الضمير والجسد، وله دور الرقابة على الأخلاق؟

ذهب الباحث الأكاديمي في سوسيولوجيا الأديان رشيد جرموني إلى القول بأن ظاهرة التدين الفردي هي محاولة لإعادة تعريف السلوك الديني وبنائه من خلال التجربة الذاتية، مشيراً إلى أن "الناس يبنون اختياراتهم على أساس حرّ، فالدولة كانت تحتكر قراءة الدين، وهو ما أدى إلى فقدان الثقة في المؤسسات الرسمية الدينية، بالتالي بدأ الناس يبحثون عن قراءات متوافقة مع نزعتهم الدينية".[25]

التقسيم الجندري للعمل داخل المنزل: التقسيم الجندري للعمل داخل الأسرة يغلب عليه النموذج الذي يتحمل فيه الذكر العبء المالي الرئيس للأسرة، ويساعد الوالدين والأشقاء في حالة الضيق، وتمكث الزوجة داخل البيت من أجل القيام بالمهام المنزلية والقيام بالتربية.

كما ساهم نسبياً الانتقال من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية في تحقيق مزيد من الفردانية بالبحث عن الاستقلال الذاتي autonomie والحميمية، وتأكيد الحياة الخاصة للأفراد، والذي لا يعني قطيعة نهائية، بل في الغالب تستمر العلاقة مع الأسرة الممتدة من خلال التواصل في الأفراح والأحزان، وتبادل التهاني وطلب المشاورة في الأمور الصعبة؛ إلا أن الإحصائيات ضعيفة جدّاً لفهم نسبة تقاسم المهام داخل المنزل وفي الخارج، ونسبة تبادل الأدوار وليس تكاملها، مما يجعلنا لا نستطيع القيام بتقييم موضوعي لهذا المؤشر.

كذلك هناك مؤشرات أخرى، يمكن أن تساعدنا في قياس حجم الفردانية في المجتمع المغربي، إلا أن الحساسية التي تعرفها مواضيع معينة، ولغياب إحصائيات رسمية في مواضيع أخرى؛ فإننا لا نستطيع القيام بتقييم موضوعي، من ذلك العلاقات الجنسية الرضائية خارج إطار الزواج، وكذا طريقة تقسيم الإرث، وكذا الطريق التي يتم بها التطليق، ودوافع الزواج، ونسبة وجود علاقات مع الشريك قبل الزواج...

6. خلاصة واستنتاجات:

سجلت الفردانية نقاطاً مهمّةً على حساب الجماعوية والمعايير التقليدية، لكن من دون تحقيق ثورة كاملة وتغيير في النسق الاجتماعي؛ فالثقافة الجماعوية والعلاقات التقليدية لازالت مؤثرة وفاعلة، بل مطلوبة لمجابهة المصاعب والأزمات التي يوضع فيها الفرد في غياب استقلالية مادية وتعليم جيّد، كما أن المغاربة يزاوجون بين القيم التقليدية والحداثية بحسب ما تقتضيه الوضعية. وأحياناً اختيار حلّ وسط مُرض للجميع، بالتفاوض بين ما هو التقليدي وما هو الحداثي في كل مسألة على حدة، وأحياناً الجمع بينهم بواسطة التركيب والترميق والتلفيق.

كذلك لابد من الإشارة إلى نوع الفردانية التي نتحدث عنها، هل هي فردانية وفق البراديغم الحداثي؟ أم هي فردانية تطمح للاستقلالية في اتخاذ القرار، لكنها مرتبطة رمزياً بالأسرة والجماعة؟

يشير تقرير الخمسينية إلى الطريقة التي استطاع المغرب الجمع فيها بين الحداثة والتقليد: "منذ الاستقلال، عرف الشعب المغربي كيف يجمع بين التشبث بهويته المتعددة والتصميم، على الانخراط في الحداثة، وعلى احتلال مكانته داخل العالم المعاصر، مع استمراره تحت ظل المؤسسة الملكية، في إغناء وتطوير شخصيته، بخصائص ثقافية أصيلة، وفي ممارسة تقاليده الاجتماعية الخاصة، كما يشهد على ذلك غنى وحيوية تراثه الروحي والثقافي".

بمعنى أن التقرير ومن ورائه الأوساط الحكومية يطمح إلى تحقيق انتقال اجتماعي إلى نموذج حداثي معين بدون إحداث أية هزات جانبية قد يكون لها تأثير على استقرار المغرب؛ بمعنى أن المغرب يعرف انتقالاً تتعايش ضمنه مرجعية تقليدية إلى جانب قيم ناشئة حداثية؛ ذلك أن العديد من المغاربة يعيشون ازدواجية أو التباساً، حيث أحياناً يغيرون القيم والمواقف المحافظة إلى أخرى أكثر حداثية، وذلك حسب السياقات والمواقع والمصالح. "وهناك من يرى في هذه الظاهرة مهارة وقدرة على التكيف، تسير في اتجاه متلائم مع الحفاظ على الهوية والانخراط الإرادي في الحداثة. في حين يرى آخرون في هذه الظاهرة نوعا من الرجعية، أو على الأقل تردداً في الانخراط بجرأة في التيار الراهن للقيم الكونية".[26]

كما يوجد تحوّل كبير في المغرب، من مجتمع يقدس الفرد بانتمائه لأسرته "ابن فلان"، ومن عائلة "فلان" إلى مميزاته الشخصية فلان صاحب كذا "الوظيفة أو المهمة أو السيارة الفخمة".

كما أن شروط استقلالية الشباب والنساء التي تجعلهم يحققون ذواتهم، ويساهمون في تنمية المجتمع ضعيفة جدّاً؛ من ضعف الدخل الفردي وقلة التعليم، فرغم النسبة الهرمية الكبيرة للشباب، إلا أن حضورهم في مشاريع السياسات العمومية قليل جدّاً، مما يطرح سؤال البطريركية التي لازالت مهيمنة على السياسة والسلطة، والتي غيبت من دور الشباب والمرأة في المغرب.

لائحة المراجع:

  1. أعراب عبد الهادي: سوسيولوجيا التغير الاجتماعي تساؤلات واستنتاجات حول المغرب. مقاربات. الطبعة الأولى 2019
  2. الزاهي نور الدين. الزاوية والحزب: الإسلام والسياسة في المجتمع المغربي. إفريقيا الشرق. الطبعة الثالثة 2011
  3. ياقين محمد: الفرد والمجتمع في السوسيولوجيا الكلاسيكية-نصوص مختارة- دار نشر المعرفة. الطبعة الأولى 2020
  4. ياقين محمد. مقال: مفهوم المجتمع المركب لدى بول باسكون: أسئلة الأصالة والإجرائية والصلاحية والراهنية. جامعة شعيب الدكالي.
  5. بورقية رحمة: الدولة والسلطة والمجتمع: دراسة في الثابت والمتحول في علاقة الدولة بالقبائل في المغرب. دار الطليعة- بيروت. الطبعة الأولى 1991
  6. فروم اريك. الخوف من الحرية. ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد. بيرت المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1972
  7. العروي عبد الله. مفهوم الحرية. المركز الثقافي العربي. الطبعة الخامسة 2012
  8. زيمل جورج، الفرد والمجتمع: المشكلات الأساسية للسوسيولوجيا، ترجمة وتقديم حسن احجيج، مؤسسة رؤية للتوزيع والنشر- القاهرة، الطبعة الأولى 2017
  9. دوكهايم إميل: في تقسيم العمل الاجتماعي. ترجمة حافظ الجمالي. بيروت. الطبعة الاولى 1982
  10. عبد الحكيم الرويضي: حين دخلتُ عالم الشك"... ثلاث شهادات لشبان مغربيين تركوا الموروث الديني لصالح التديّن الفردي. https: //raseef22.com
  11. تقرير الخمسينية 2005
  12. الإحصاء العام السكان والسكنى 2014، المندوبية السامية للتخطيط.

[1] خصص الباحث عبد الهادي أعراب الفصول الأولى من الكتاب للحديث عن التحولات التي عرفتها المجتمعات الغربية، والتي وصفها علماء كثر، ونظروا لها من خلال كتاباتهم، من مؤيدين لهذه التحولات إلى منتقدين، خصوصاً المجتمع ما بعد الحديث الذي تعرض للنقد من طرف مدرسة فرانكفورت.

[2] يعرف علم الاجتماع التغير الاجتماعي أنه ثورة كاملة على الواقع وتغيير شامل لكل مجالات الحياة وفي البنى التحتية، وليس تغيرا في جزئية معينة.

[3] كابان فيليب- دورتيه جان فرانسوا، علم الاجتماع من النظريات الكبرى إلى الشؤون اليومية، أعلام وتيارات وتواريخ. ترجمة: إياس حسن. دار الفرقد الطبعة الأولى 2010. ص 8

[4] بول باسكون؛ سوسيولوجي مغربي ولد بمدينة فاس سنة 1932، درس في المغرب حتى حدود حصوله على شهادة الباكالوريا، ثم أتم الدراسة العليا بفرنسا، درس البيولوجيا التي مكنته من بناء العين السوسيولوجية للملاحظ المشارك، كما حصل على شهادة الإجازة في علم الاجتماع 1959، ثم عاد إلى المغرب سنة 1960، اشتغل بالمكتب الوطني للري، وساعد الدولة على تحويل التقنية للفلاحين المغاربة؛ بعد ذلك انتقل إلى معهد الحسن الثاني للزراعة للتدريس، وقدم العديد من التجارب الميدانية والأعمال العلمية القيمة.

[5] أعراب عبد الهادي: سوسيولوجيا التغير الاجتماعي تساؤلات واستنتاجات حول المغرب. مقاربات. الطبعة الأولى 2019. ص 106

[6] Pascon Paul « la nature composite de la société marocaine » SMER. p.19

[7] ياقين محمد. مقال: مفهوم المجتمع المركب لدى بول باسكون: أسئلة الأصالة والإجرائية والصلاحية والراهنية. جامعة شعيب الدكالي.

[8] بورقية رحمة: الدولة والسلطة والمجتمع: دراسة في الثابت والمتحول في علاقة الدولة بالقبائل في المغرب. دار الطليعة-بيروت. الطبعة الأولى 1991. ص 142

[9] رحمة بورقية. ص 11

[10] بورقية رحمة. م س. ص ص 161-162

[11] إميل دوكهايم: في تقسيم العمل الاجتماعي. ترجمة حافظ الجمالي. بيروت 1982. ص 98

[12] الزاهي نور الدين. الزاوية والحزب: الإسلام والسياسة في المجتمع المغربي. إفريقيا الشرق. الطبعة 3. ص 181

[13] إميل دوكهايم: في تقسيم العمل الاجتماعي. ترجمة حافظ الجمالي. بيروت 1982. ص 110

[14] ياقين محمد: الفرد والمجتمع في السوسيولوجيا الكلاسيكية-نصوص مختارة- 2020. دار نشر المعرفة. ص 7

[15] فروم اريك. الخوف من الحرية. ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد. بيرت المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1972. ص 28

[16] أعراب عبد الهادي: سوسيولوجيا التغير الاجتماعي تساؤلات واستنتاجات حول المغرب. م س. ص 103

[17] العروي عبد الله. مفهوم الحرية. المركز الثقافي العربي. الطبعة الخامسة 2012. ص 52

[18] الإحصاء العام السكان والسكنى 2014، المندوبية السامية للتخطيط.

[19] تقرير الخمسينية صدر أول مرة 2005، وهو عبارة عن مجموعة دراسات وتقارير جاءت بطلب من الملك محمد السادس أشرف عليها مجموعة من الخبراء والسياسيين والأكاديميين من أجل تشخيص السلبيات التي تشوب مسألة صناعة القرار السياسي بالمغرب وكذا مصداقية العلاقة بين السلطات العمومية والمواطنين. للتوسع أكثر https: //m.al3omk.com/367570.html:

[20] يتطلب تجديد الأجيال في مجتمع معين أن يكون معدل الخصوبة يفوق 2,5 للمرأة.

[21] الإحصاء العام للسكان وللسكنى. م س.

[22] تقرير الخمسينية. م س.

[23] نظر: http://m.alyaoum24.com/1374908.html

[24] تقرير الخمسينية. م س.

[25] عبد الحكيم الرويضي: حين دخلتُ عالم الشك"... ثلاث شهادات لشبان مغربيين تركوا الموروث الديني لصالح التديّن الفردي. https://raseef22.com

[26] تقرير الخمسينية. م س.