في التفسير الواقعيّ للفاعليات الإنسانية والدولية بين نيتشه ومورغا نتو


فئة :  مقالات

في التفسير الواقعيّ للفاعليات الإنسانية والدولية بين نيتشه ومورغا نتو

في التفسير الواقعيّ للفاعليات الإنسانية والدولية بين نيتشه ومورغا نتو

بوجاوي ناصر الدين

بوزيد النعيم

ملخص:

نَرمي في هذه الدراسة إلى أنْ نعيدَ تأويلَ أحد أساطين المدرسة الواقعية التقليدية وأكثرهم شهرة وفق المنهجِ التاريخي والمقارن بغيةَ الوقوفِ، من جانب، على الجذور الفلسفية لنظريته الواقعية وسَبرِ، من جانب آخر، الآفاقَ والمناحي العميقة من أعماله، والتي لم تلقَ بعدُ الإنارةَ الخليقةَ بها ً. وسنأتي، إثر ذلك، على تبيان المفهوم الأنطولوجي الذي بسطه نيتشه للقوة في سياق عالمٍ قائمٍ على التدافع والفوضى. وإيضاح، بموجب ذلك، ظلالَ المفهوم لدى الواقعيين عموماً، ولدى واقعية مورغانتو خصوصاً؛ ذلك المفهوم الذي آضَ إلى سعي حثيثٍ إلى القوة داخل النسق الدوليّ المفتقرِ إلى أيةِ معايير أخلاقية ملزِمة للجميعِ. ما يجعل إقحام النظرة المعيارية في فهم العالم بعامة لدى نيتشه والفضاء الإنسانيّ والدوليّ خاصة لدى مورغانتو، أمراً غير مشروعٍ من الناحية العلمية ويفضي إلى الحيلولة دون فَقْهٍ لطبيعة العلاقات الدوليّة، لذلك اقتضت المقاربة الواقعية في هيئتها الأنطولوجية والسياسية أن تستبعدَ الخلطَ بين الوقائع والقيّم، وبين ما هو قائمٌ وما ينبغي أن يكون، مكثفة جهودها في سبر أغوار الوقائع الأنطولوجية لدى نيتشه والوقائع السياسية الدوليّة لدى مورغانتو فيما وراء الخير والشرّ ووفق توازن القوىَ ليس إلا.

مقدمة

مما لا ريبَ فيه في الدوائر البحثيةِ، أنَ الكثير من رواد الواقعية في العلاقات الدولية قد تأثروا بعدة فلاسفة كلاسيكيين، كانَ لهم الفضل في تشكل العقل الغربي في مختلف فروع المعرفة، والكثير من الواقعيين نهلوا من فلاسفة واقعيين على اختلاف مشاربهم، أمثال ثوسيديديس Thucydide وهوبس Hobbes وماكيافيلي machiavel، وذلك في سبيل بناء ودعم الخطوط العريضة من نظرياتهم السياسية الدولية. يتجلى هذا التأثير في الاستعانة بالمقدمات المنطقية والأنطولوجية ذات المنحى الفلسفي؛ وذلك في سبيل تقديم مقاربة واقعية تتعلق بطبيعة الإنسان والسلطة بعامةٍ، وتتعلقُ بالدولة والوسط العالميّ الذي تتدافع فيه الدول كوحدات أساسية من حيث هي قوىَ تشكّل المجالَ الدوليّ بصفة خاصةٍ. لكن ما يلفت الانتباه أكثر ويدعونا للنظر لمدى التقارب بينه وأطروحات الواقعيين هو الفيلسوف نيتشه؛ فهذا الفيلسوف الذي تعبره رؤاه من البداية إلى النهاية النظرة الواقعية للعالم هو الذي أثرَ أيما تأثيرٍ، كما يقر كاتبٌ عن سيرته الفكرية فريي (Frei, 2001, 94)، على المنظّر الأشهر والأكثر تأثيراً للواقعية الحديثة والمتمثل في هانز مورغانتو؛ هذا المفكر الذي ظل يؤثر أيما تأثيرٍ في الدراسات السياسية في حقل العلاقات الدولية، ولا يزال يسترعي الانتباه بعد موته. (Griffiths, 1955, 35-77) (gellman 1988: 247-266)

نبتغي، على ضوء هذا التأثير، البحثَ في تضاعيف هذه الورقة عن الدور الذي لعبه نيتشه في صياغة مورغانتو لمفهومه عن القوة من جهة، وبَسْط من جهة أخرى، مواضَع الاتفاق ومواطن الاختلاف بين التصور الفلسفي للقوة من حيث هي مبدأ أنطولوجي يتجلى في مختلف أصعدة الوجود بما في ذلك الحياة السياسية والتصور الأنثروبولوجيّ لها من حيث هي مبدأ ملازم للطبيعة البشرية، والتي بموجبها تكون ماهية السياسية نزوعاً إلى القوة. فإلى أيّ مدى كانَ مورغانتو مَديناً لنيتشه في صياغة أسس مقاربته الواقعية؟ وكيف يمكن لنيتشه أن يسعفنا في فهم أكثر عمقاً لأعمال مورغانتو، ويُعيننا على تسليط المزيد من الإيضاح على العمق الأنطولوجي للخطاب الواقعي بعامة؟

1- اللقاء والوفاق الفكريّ بين نيتشه ومورغانتو

لم تكن قراءة نيتشه، كما يشهدُ على ذلك كبار الفلاسفة والمفكرين والأدباء، قراءة نمرّ عليها مرورَ الكرام، بل كل قراءة لنصوصه تجعل القارئ يذوب داخل رؤاه وتأملاته وبدلاً من العلو عليها يجدُ نفسه قد عُليَ عليه، ولم يشذَ مورغانتو عن هذا بمكان، إذ إنه، وهو في ريعان شبابه حينما كانَ طالباً في كلية الحقوق، ألفىَ نفسَه مُلْتَهَماً من قِبَلِ أفكار نيتشه، بينما كانَ يتصفحُ لأول مرة مصنف نيتشه "تأملات في غير أوانها" في 1926. (Frei, 2001, 99)، ودّ على الفور نيتشه توأمَ روحه kindred soul ورجلاً يحمل أفكاراً وانطباعات مدهشة، وما انفك يجدها مألوفة لديه (Frei, 2001, 99) وكتب إثر ذلك في دفتره اليوميّ بأن ذلك شكّل اكتشافاً رائعاً واعتبرَ هذا اللقاء الصدفةَ التي أسعدته في حياته أكثر من شيء آخر، وعبّر عن ذلك تعبيراً لافتاً دعا فيه إلى وجوب قراءته يومياً كيما يحقّق المرءُ أعظمَ الاشياء ولعيش حياةٍ أفضل (Frei, 2001, 99). لقد فتحَ نيتشه على مورغانتو آفاقاً جديدة وعاضدَه في اعتناق نظرة لا أخلاقية عن الواقع تفهم العالمَ كما هو مطروحٌ هناكَ بلا تلفيق ولا تجميل، لا كما يجب أن يكونَ أو كما تملي علينا آمالنا أن يكون عليه.

ونظراً لجرأة نيتشه على النظر في أعماق الإنسان وما يصنعه من منظمات ومؤسسات وإعجاب مورغانتو بهذا النحو في التأمل والتعليل فيما وراء الشمائل الأخلاقية، اعتكف رائد الواقعيةِ السياسية مورغانتو طيلة 40 شهراً بلا هوادة ولا كلل للعملِ على الأعمال الكاملة لنيتشه. (Frei, 2001, 99) وشرعَ أيضاً يحذوَ حذوَ أسلوبهِ في التأليف، وإنَّ في ذلك لَبداية لعلاقةٍ دامت حياةً بأكملها. لقد ألفَى في نيتشه شخصيةً تشبهه في انطوائه وعزلته متجنباً الاختلاط بالعامة ساعياً إلى بسطِ طريقه صوب النجاح واثق الخطى في دربِ يسمحُ له أن يعربَ عن الأشياء في محضها لا كما يجب أن تكون، متشبثاً بالواقع على غرار نيتشه متفادياً الابتعاد عنه، وجاعلاً منه المعيار في كل نظرٍ وعملِ. (Frei, 2001, 102)

لا شك أنَ مورغانتو قد خالف نيتشه، حينما صرفَ اهتمامه عن السياسة العظمى والإنسان الأعلى والتغيير الجذريّ للثقافة والمجتمع، إلا أنه لم يملك إلا أن يَتلُوَ تِلْوَهُ فيما يخصُ الإلحاح على ضرورة التمييز الأنموذجي بين المهام المعيارية للفكر والمهام الوصفيةbetween the descriptive and normative tasks of thought، بين الطريقةِ التي تكون بها الأشياء والطريقةِ التي بها ينبغي أن تكون؛ بيدَ أنَ مورغانتو حينما استلهم من نيتشه لم يفعل ذلك تقليداً، بل قطعَ أنفاسَ نصوص نيتشه المركبّة، وغيّر مجرى حَراكها المعقّد لكي يعطي لها نفَساً آخر وتوجهاً مغايراً يليق بالمرامي النظرية لمورغانتو؛ ذلك أنَ نظرة نيتشه لا تكتفي بالتشخيص الواقعيّ للثقافة والمجتمع، للإنسان والأديان، بل تذهب فيما وراء ذلك إلى اقتراح نظرة علاجية حضارية تبشّر بمستقبلٍ، حيثُ القوةُ لا شريكَ لها هي الحَكمُ والمبدأُ الذي إليه مَرْجِعُ الأمورِ جَميعاً.

2- أنحاء الفهم والتصرف في العالمٍ: أو في الإثبات الواقعيّ لملكوت الأهواء

إنَ التفكير فيما ما وراء العقلانية الغربية- أي فيما وراء الحداثة المبنية على فرضية الثبات والانسجام في الذات والعالم- هو في الحقيقة موتٌ لأنطولوجيا الانسجام والمنظور الأحادي للعالم، وبالتالي التشكيكّ في وجود الحقيقة واليقين والهويات بالمعنى الذي كانَ سائداً في الفلسفات المثالية؛ أي بوصفها كيانات أبدية وموضوعية خارج الزمان والمكان، ما يفيدُ التنكّر للحيثيات التاريخية والطبائع الغريزية والجسدية (الرغبات والشهوات) التي تشكّل الإنسان. Kaufmann, 1976, 1))

بموجب هذا التجاوز للطرح المثاليّ للعالم، يتأتىَ لنا تفكيرُ العالمَ كما هو في تناقضه وتضاربه، في سيرورته وصيرورته، في تنازعه وتصارعه، فيما وراء القيّم المثالية التي تتنزع من العالم طبائعه الأساسية. وبناءً على ذلك، تنتهي الفاعليات البشرية والدولية، التي ترمي إلى نزع الطابع القتاليّ للعالم وتجريده من صفاته الأنطولوجيا، إلى الفشل الذريع. وتؤولُ إلى أنْ تغدوَ عُرْضَةً للاحتواء من لدن الفاعليات البشرية والدولية التي تنسجم مع هذا الطابع؛ تلك التي تتطلعُ أن تُجَوّدَ كِيانها الخاص أفراداً ومؤسسات بالتوافق مع ما هو عليه العالمُ. ولن يكون ذلك إلا إذا أدركَ الإنسانُ التناهيَ الذي فيه والعالم.

وإثرَ ذلك، يتصرف على أساس تناهيه وليس على أساس ادعائه أنه من طبيعة إلهية ومثالية، وبناءً على ذلك يعمل وفقَ الطبيعة وليس ضدها. (Nietzsche, 1982, 49) وريبَ أن مورغانتو يتقاسم مع نيتشه هذه الرؤية، حينما أخذَ يستبعدُ، من جهة، النظرةَ الاعتبارية للأخلاق ضمن فضاء طبيعيّ سمته التعطش إلى القوة ويتحرك بمقتضى هذه الغريزة الفطرية الثاوية في قلب البنية الإنسانية والسياسية، ولا قبلَ لعلم الأخلاق أن يسعفَ بالمرة في فهم العالم السياسيّ على ما هو عليه حقاً، ويزيحُ جانباً، من جهة أخرى، النظرةَ التفاؤلية التي ترىَ في العالم انسجاماً في الطبيعة أو إمكاناً لتحقيق الانسجام من حيث هو السلام الدائم على نحوٍ نهائي، بل لا يمكن لتجويد العالم وخلق التوازن إلا في إطار الفهم الواقعيّ، وفي سياق التصرّف بالطبيعة على الطبيعة. وفي خضم عالم الأهواء والتدافع، نلفي الوعي الإنسانيّ كلما دخل في صراع معَ الواقع سجّل ذلك مندهشاً بصدمة الصراع القائمة بينه والعالم. والتفكير البشري بموجب ذلك، يغدو وعياً بالتهديد؛ فأن تكون كائناً مفكِراً معناه أن تكون واعياً بالمخاطر، وقدرُ الإنسانِ هو أنْ يعيشَ في هذا الخطر التجريبي والميتافيزيقي. (Morgenthau, 1971, 628) وكي يحتضن الإنسان هذا العالم، في نظر نيتشه، عليه قبل كل شيء نسف التمييز المثالي بين العالم المثالي والواقعيّ، بين العالم المعقول والعالم المحسوس، بين العالم الظاهر الذي نعيش فيه والعالم الآخر، ذلك التمييزُ الذي يستمدُ مشروعيته من الدواعي الأخلاقية. في نظر نيتشه ليسَ لنا إلا هذا العالم بتناقضاته وسيروراته، بقضه وقضيضه، وليس لنا عالماً آخر غيره. (Nietzsche, 1968, 567) وغياب الطابق المطلق للعالم والإنسان هو ما يجعلُ الاستقرار والتوازن في تهديدٍ مستمرٍ، ويجعلُ الفاعليةَ قائمةً على السلبِ بما هي قدرةٌ على قلّب نظام البنيات والتشكلات بصفة دائمة. إنَ الشعور بالوحدة لدى البشر يحوّل هذا الشعور بضرورة وجود الغير إلى تجربة كائن حيّ خطير بين البشرّ، وإلى إحساسٍ بأن المصيرَ الذي ينتظره في مجابهته للصراع ليس إلا الذعر الوجودي الذي سيلازمه طيلة حياته. وهذا لا يدعو، في نظر مورغانتو، إلا أن تفرضَ الدول نفسَها من خلال القوة؛ فقط بالقوة يمكن للسياسة أن يكون لها معنى في عالم ليس له معنى إلا الذي يخلقه الأفرادُ والدولُ.

3- القوة بين الكينونة السياسية (مورغانتو) والصيرورة الأنطولوجية (نيتشه)

وقبل أن نبيّن مواضع الاتفاق بين الفيلسوف نيتشه والمنظّر الواقعيّ في العلاقات الدولية مورغانتو، يجدر بنا للأمانة العلمية، أن نظهر بادئ الأمر الفروق الرهيفة التي بينهما. ومن الخليقِ بالذكرِ، يتجاهل مورغانتو الطرائقَ التي تعمل بها أنطولوجيا القوة لدى نيتشه، وتبعاً لذلك نراه يتغافل عن الأضربِ التي بموجبها يتحرّك الفاعلُ أو الذاتُ بالمعنى النيتشويّ، ضارباً عرضَ النسيان الفروقَ والتفاصيل الدقيقة التي تنطوي عليها "القوة" و"إرادة القوة " لديه، مركزاً أكثر على ميتافيزيقا الكِيانات الصراعية القائمة مُسْبقاً في الإجراءات والتدابير التكوينية للقوة. لكننا مع ذلك، لا نؤيدُ ألريش إنمارك بيترسون Ulrik Enemark Peterson الذي يضعُ نيتشه ومورغانتو ضمن تصور واحدٍ للقوة بلا فروقٍ، جاعلاً مفهوم مورغانتو للسلطة والقوة هو نفسه مفهوم نيتشه للقوة. (Peterson, 1999, 100)

إن مورغانتو على شاكلة نيتشه يهتمُ بالمنوال الذي تسبق به القوة الكيانات وتوجّهها، بما في ذلك المنظمات الصغرى والكبرى مثل الدولة، مثلما هو حالُ المفكرين النقاد المعاصرين أمثال كان َ ويليام كونولي William Connolly (Connolly, 1999, 111) إلا أنه من الخليق بالذكرِ أن تصور نيتشه للكيانات الساعية للقوة لا يستندُ على مفهوم الكينونة بما هو ثبات، بل على مفهوم الصيرورة الدائم، حيث تتشكّل وتتعدّل أيضاً تبعاً للقوىَ التي تصنعها داخلياً، مثلما هي الدوّل أيضاً التي لا تظل كما هي، بل هي في صيرورة مستمرة ومحكومة أيضاً بالصراع داخليا وخارجياً، لذلك فالكيانات هي نتائج وحوصلات لعلائق القوة لا أقل ولا أكثر. فضلاً عن أنَ القوةَ بالمعنى الذي قصده نيتشه ليست بالمرة إنسانية فحسب، ولا ينبغي أن نفهما وفق المركزية الإنسانية، بل هي قوةٌ محايثة للحياة نفسها تدفعها باستمرار للتجاوز والصراع والاستزادة وتوسيع كينونتنا وممتلكاتنا على السواء. ومورغانتو لا يبتعد كثيراً عن هذا التصور، حينما يجعل الذوات والدول شغوفةً بالقوة بلا حدود تنتهي إليها. (Morgenthau, 1993, 4-16) وأيضاً نلفيهِ لا ينأىَ كثيراً عن واقعية نيتشه حينما يذهبُ إلى أن الحياة محدّدة مسبقاً بالصيرورة من جهة، وبالصراع والكفاح بوصفهما عنصرين تكويّنيين للفضاء السياسيّ struggle and conflict as constitutive of the political sphere وفي هذا تكمن الرؤية التراجيدية للحياة التي يتفق نيتشه ومورغانتو عليها. علاوة على ذلك، نجدهما يدعوان معاً إلى التحلي بالشجاعة للإقرار ومجابهة حقائق الواقع والطبيعة التي لا مفر منها والحضورّ الكليّ للقوة والسلطة.

وإضافة إلى ما أوردناه أعلاه، فالفوضى لدى الواقعية السياسية- بما هي واقع من جهة ومقولة تفسيرية من جهةٍ أخرى، مشحونةٌ بنظرة تراجيدية إلى الإنسان والوسط الدوليّ بداعي السعيّ الحثيث للدول والأمم إلى الظفر بالقوة وتكديسها واستعمالها وفقَ الظروف والسياقات-هيّ التي تفرزُ لنا ضروب الانسجام والتوازن الظرفيين، وليسا بموجب ذلك البتة سبباً أو وجوداً مسبقاً، بل هما نتيجةٌ لتدافع وتفاعل القوى لا غير. وليس في وسعِ فضاء دوليّ من هذا النوع، بموجب هذا النزوع الأنانيّ إلى القوة وبمقتضى إرادات القوة المحرّكة للدول، إلا أن يكونَ مسكوناً بالفوضى وجانبه أبداً غير مأمون، حيثُ شمائلُ الأخلاقِ لا تقدمُ إلا النزرَ القليل من الإسعاف والتهذيب. والخطاب الواقعيّ يشيدُ هذا المعنى الصراعيّ للسياسية العالمية؛ وذلك بالاستناد إلى مرجعيات أساطين الفلسفة الكلاسيكية والحديثة.

لكن نيتشه، كما ألمعنا إليهِ أعلاه، يصرّ على اعتبار الكيانات نفسها التي تسعى للمنافسة في سبيل الاستوساع الحيويّ هي بعينهاَ عرضةٌ أبداً للصيرورة الباطنية والتحوّل المفاجئ والتشكّل المستمر. ولهذا لا يوجد فردٌ قارّ أو دولةٌ ذاتُ استقرارِ تامّ ونهائيّ بالمعنى النتيشويّ؛ وذلك لأن الهويات مفهوم منطقيّ لا يعبّر عن الوقائع وسيروراتها الدائمة، ذلك المفهوم الذي لطالما كانَ نيتشه أكثر الفلاسفة انتقاداً له. (Deleuze, 2006, x)

في الوقت الذي يقدم لنا نيتشه الإنسان الأعلى Übermensch على أنه الإنسان الذي لا ينفك عن التجدّد والتجاوز ساعياً إلى المزيد من الكَوْنِ والمِلْكِ تحرّكه في ذلك إرادة قوة لا يشبع لها معين ولا تفئ إلى قرار مكين، نلفي مورغانتو يركز أكثر على "رجل الدولة "من جانب والدولة من جانب آخر التي هي صنيع رجالها. لكننا لا نوافق بالمرة ميشال لورانس Michael Laurence (2015.2 Michael Laurence) حينما اعتبر أن مركزية رجل الدولة لدى مورغانتو تعبّر عن عبودية ارتكاسية reactive servitude إزاء الدولة تجعل من سياساته سياسة اضطغانية a politics of ressentiment، بينما نيتشه، حسب رأيه، يتبنى سياسة حيوية ومُثبِتة للحياة بعامة، ذلك أننا نرى أنَ مورغانتو في كتابه "السياسة بين الأمم" جعلَ للسعي إلى القوة مسعىً إيجابياً وطبيعياً ومبادرة تنبعُ من قلب الإنسان والدول، ولم يعتبر ذلك بالمرة مجرّد رد فعلٍune simple réaction ما كانَ له أن يوجد إلا بسبب التهديدات المتأتية من خارج ما من حيث هو الدوّل الأخرى. وما يدعونا إلى هذا الرأيّ هو أن النظرة المتفحصة للكتاب تجعلنا نذهب الى الإقرار أنَ الطابعَ الأنطولوجي للإنسان وللدول في الانهمام بالقوة والاندفاع إليها، بما هو طابع باطني متجذّر في الوجود المجتمعي نفسهِ، هو العلة الكافية وراءَ أفاعيل الإنسان والدول وما رد الفعل إلا وجهاً ثانويّاً لها وعلى أساس ذلك ينبغي أن نفرّق بين دول كبرى فاعلةً إثباتية تعيد باستمرار خلق النسق الدوليّ على صورتها ودول صغرى ارتكاسية états réactionnaires تكتفي فحسب بالتكيّف ورد الفعل السلبيّ، وغالباً ما تكون عرضاً للتهديد أكثر من غيرها ويعادُ تشكيلها لتتناسبَ وما تفرزه موازين القوى الفاعلة.

4- القوة: من المعنى التكوينيّ (مورغانتو) إلى المعنى التوليديّ (نيتشه)

دعنا نعرض بعض النصوصِ لدى نيتشه ومورغانتو، لكي تتوضح لدينا مفهوم القوة لديهما. بالنسبة إلى مورغانتو، فالقوة هي كل ما يُقيمُ سيطرة الإنسان على الإنسان والمحافظة عليها، (Morgenthau1993, 11) وعليه، يتعلق الأمر لديه بسيطرة الإنسان بعقول البشر الآخرين والتأثير عليها (Morgenthau 1993, 30) وإذّاكَ تصبح القوةُ منتشرةٌ أو متفشيةٌ في الميدان الاجتماعي، سواء تعلق الأمر بالعنف الجسدي أو بالعلاقات النفسية الخفية أو الدقيقة. إنَ الصراع من أجل القوة هو، يكتب مورغانتو، بالنتيجة، صراعٌ كونيٌّ في الزمان والمكان ويشكّل واقعةً في الوجود غير قابلة للردّ (Morgenthau, 1993, 36) وهذا الصراعٌ يجدُ أرومته في الطبيعة البشرية بالنسبة لمورغانتو وفيماَ هو أبعدُ من ذلك، في الحياة نفسِها، بالنسبة لنيتشه. وإذا أردنا الدقة قلنا إنَّ الفضاء السياسيّ يصدرُ بالتحديد عمّا يسميه مورغانتو بالنفسِ الساعيةِ إلى السيطرةِ the animus dominandi، بوصفها نَفْسًا ظمآنةً بلا شَبعٍ إلى السلطة، وهي متواجدة كقوة باطنيّة وعنصر ثاوٍ في النفس البشريّة. (Morgenthau, 1947, 158)

ولمزيدِ من الإيضاحِ، نقول إنَ مورغانتو استخدمَ المصطلح النيتشويّ إرادة القوة will to power، بينما كان يتحدث عن شهوة بلا تخوم (Morgenthau, 1947, 158-159)، ويؤكد بأن هذه الشهوة ملازمة للطبيعة البشرية ولا يمكن لهذه الغريزة أن تكون منفصلةً عن الحياة الاجتماعية. إنها لقوةٌ مُوجّهة نحو الأخرين ساعيةً للحفاظ على أهمية ذاتها وإنمائها وإثباتها مقارنة بالآخرين. (Morgenthau, 1947, 158) كذلك لا يتعلق التعطش إلى القوة بالحفاظ على البقاء فحسب، بل باستظهارها داخل الفضاء الحيويّ، لكن مع ملاحظة مهمة وهي أن ما يهم نيتشه، على خلاف مما هو عليه الرأيُ عند مورغانتو، يكمن في أن لا يكون هذا التعطش إلى القوة ضرباً من ضروب السعي إلى الاعتراف من طرف الآخرين؛ فلا ينبغي أن تكون القوة موضوعاً للتمثل الاجتماعيّ أي البحث عن الاعتراف طبقاً للقيم السائدة ذات التوجه العدميّ، بل ينبغي أن يخرج هذا السعيّ الغريزيُّ من أفق الثقافة السائدة إلى إبداع قيّم جديدة تعبّر عن قوة متحرّرة من الإطار الثقافي الذي تشتغل ضمنه وفيما وراءه (Nietzsche, 2000, 559) ولا تبحثُ القوةُ في هذا السياق عن الاعتراف بين الإفراد والجماعات والدول، بل عن آفاق جديدة وابتكارات مستحدثة وخلق مستمر للعالم. ولهذا السبب، فالأقوياء لا يسعون إلى أن يعترف بهم أو لِيتمَ تمثلهم على أنهم أقوياء (Nietzsche ŒUVRES, PBM, 3/14) بل الضعفاء من يفعل ذلك، ويحاولون أن يمثلوا التفوق تمثيلاً مزيفاً وليسَ لهم من التفوق إلا الاسم ولا يحاولون بلوغه إلا بطرق ملتوية ارتكاسية لا علاقة لها بهِيبَة الأقوياء.(Nietzsche, ŒUVRES, GM: 261) عوداً على حديثنا أعلاه، إنَ سياسة القوة على المستوىَ العالميّ عبارة عن نتيجةٍ لهذه العملية ِالخاصةِ بالقوة على صعيدِ الأفراد في المجتمع. (Morgenthau 1947: 40)

ينجر عما أوردناه آنفاً، أنَ مورغانتو حينما يتحدث عن القوة بصفة عامة، فإنه يفهم منها القوة التي تتمظهر وتفعل على نحو كليّ، وتحضر على منوال علائقيّ عن طريق التمثّل. إن القوة تصدرُ، في نظر مورغانتو، من داخل الأفراد المشكلين مُسْبقاً، وبناء على ذلك، فهيّ لا تَخلق الأفرادَ؛ أيْ إنَ القوةَ ليست مولّدةً أنطولوجيا، بل الحياة موجودة مُسبّقاً، وإنها تحرّكهم فحسب. وعلى ضوء ذلك، يعرب مورغانتو أن الحياة هي في صيرورة وتغيّر وانتقال للأشكال والهويات المكوّنة مسبقاً. (Morgenthau, 1947, 11)

وعلى الضد من هذا المنظور، ينظرُ نيتشه إلى القوة أعمق من هذا بكثير؛ فهو يضع في القوة قدرةً على الإنتاج والتوليد للأشكال والهويات والمعاني التي منها يتكوّن الواقع، وعلى هذا الأساس، فالقوة لها عدة وظائف تكوينية وتوليدية من بينها خلق الكيانات وبعدئذ تحريكها وتوجيهها، بل في خضم الحركة يأخذ هذا الفرد أو تلك الدولة هذا الشكل وذاك المضمون وعلى قَدْرِ القوة التي يتشكّلان منها أيضاً يتصرفان على هذا النحو أو ذاك. هذه القوة التي هي وراء نشوء الكيان الشخصيّ أو المعنويّ وتطورهِ، ميلاده ومساره، هي ما يسميه نيتشه ب: إرادة القوة the will to power. وما أطروحة ميشال فيكو عن السلطة بما هي محايثة لكل العلاقات الاجتماعية وبما هي ما به تتمفصل المعارف والمعاني إلا تطويراً لأطروحة نيتشه ودفعاً للجانب التوليديّ للقوة إلى مداها.

لا جرمَ أننا لا نوافق دولوز Deleuze، حينما يعتبر أن إرادة القوة لا تعني بأن الإرادة تريدُ القوة وتتخذها غاية لها، نافياً في ذلك أن تكون القوة هي ما يحرّك الإرادة (Deleuze, 2006, 74). فلا يوجد وفقاً له إرادة موحّدة تريدُ القوة (Nietzsche, 1969, 138) مستدلاً في ذلك بشذرة لنيتشه لم يفقه معناها في علاقتها بمجموع أعماله. بلا مماحكة، نؤكدُ نحن أَنَ الإرادة لدى نيتشه تقالُ بصيغة المفردِ بوصفها مبدأً عاماً في الظاهرات البشرية وغير البشرية، وتقال أيضاً بصيغة الجمع وفق ما تدل عليه الكثير من نصوصه، وهذا يدل أن المبدأ يتفرّع أو يعبّر عن نفسه من خلال الجمع ليس إلا؛ وهي بحق حدثٌ وسيرورةٌ وليست مبدأً مجرّداً متعالياً على غرار مبادئ الفلسفة المثالية، وإنما هو مبدأّ حيويّ يتجلى في الكائنات على شكل تفاضليّ. ولهذا يصدق دولوز حينما يجعل إرادة القوة علاقةً تفاضلية للقوى التي لا تنفك تتصارعُ على منوالٍ مباشرِ. (Deleuze, 2006, 79). إنها السيرورة التي بموجبها القوة تفعل على قوة أخرى والإرادة تفعل في إرادة أخرى مولّدة في ذلك علائق الإمرة والخضوع، خالقة، إثر ذلك، وقائع وقيّم جديدة ولهذا الأساس فإرادة القوة، إذا راعينا الدقة، مبدأ خلّاق.

وهذا جميعهِ يؤكد لنا، أن ما جعل موغانتو يتغاضى عن فقه الجانب الخلاق للقوة هو فهمه للقوة في سياق أنثروبولوجي محض وحصره للقوة في الطبيعة البشرية وفهمه للإنسان على أنه حيوان سياسيّ بالفطرة (Morgenthau, 1947, 138)، مما أفضى به إلى القول بأن الإنسانَ ولد لكي يسعىَ إلى القوة ويشتهيها بالمعنى الحرفيّ للكلمة (Morgenthau, 1947, 138) جاعلاً الطبيعة البشرية ذات رسوخ معبّراً عن ذلك بأنَ الطبيعة البشرية لم تتغير منذ العصور الكلاسيكية. (1993: 4 Morgenthau) وهذه الشهوة أو الغريزة الاندفاعية يقدمها مورغانتو على أنها العلة الحقيقية وراء فساد نفس الإنسان. (Morgenthau, 1947, 182) مع ذلك، لم تفعل نظريته إلا معارضة الافتراض الليبرالي للطبيعة البشرية بما هي طبيعةٌ عقلانية وطيبة من خلال افتراض آخر غير قابل للتصديق وإشكاليّ عن الطبيعة البشرية بما هي طبيعة شهوانية وأنانية وخطّاءة، وهما في الحقيقة تصوران يظهران على أنهما مختلفان، بيدَ أنهما في عين الحقيقةِ وجهان للوهم نفسه. فحجتنا في ذلك، أن كليهما ينظران إلى الإنسان على أنه معطى قارّ ومشكّل على نحو مسبق فيما وراء الصيرورة الوجودية والتعددية السيّالة في صلب الإنسان الذي نلفي فيه نزوعاً إلى الخير، مثلما نجد لديه جنوحاً إلى الشرّ، دونما أن ننسىَ ما للظروف والسياقات والبنىَ الثقافية من دور في ترجيح هذه الطبيعة أو تلك. وهذا ما يجعل نظرية مورغانتو غير قابلة للتطبيق، ولا للتعميم ومتغافلة على الدقائق الرهيفة المتعلقة بالسياقات التاريخية التي يزعم الاتكاء عليها. لا مًشاحة، أنَ غياب فقهٍ للقوة، لدى مورغانتو، بما هي قدرة توليدية، حال دونه وفهم الطابع المتغيّر للطبيعة البشرية نفسها، ولو فعلَ لأدرك أن الطبيعة البشرية تتشكّل ولا تنفك عن التشكّل؛ لا تبرح البناء والتعديل، الهدم والإضافة، وبالتالي فهي ليست كياناً ثابتاً ولا طبيعتها الشريرة بثابتة، بل تتشكّل الطبيعة البشرية مثلما تتكوّن الدول بالقوة ومعها ولأجلها؛ أيْ طبقا للمسارات والمقامات، ناهيك عن دور البنى الثقافية التي تخلط هذا بذاكَ لكي تولّد لنا فرداً ما بهذا الشكل ووفقَ هذه الذهنية بالذات ودولة بهذا المضمون وذلك التوجه في نقطة زمنية ما، ثم لا تلبث السيرورة، في أعقاب مستجداتها، حتى تفرزَ لنا أشكالاً جديدة ومضامين جديدة وثقافات جديدة. وعلى ضوء منظورنا هذا، يخطئ مورغانتو حينما يحشر الإنسان في نمطٍ قارّ لا يتغيّر بالتربية ولا بالوعيّ الأخلاقيّ، جاعلاً منه كائناً لا يعرف إلا الخطيئة والتعطش للقوة ومسقطاً أنطولوجيا الطبيعة الخطّاءة هذه على صعيدٍ أعلى بما هو الصعيد الدوليّ. (Morgenthau 1947: 154).

5- نحوَ فقهٍ للطبيعة البشرية والدوليّة على أسسِ البراديغم التواصليّ والتقدميّ: فيما وراء البراديغم التدافعيّ

لا حرجَ أنْ نعرب أن مورغانتو غَفلَ حقاً على ضوء أنطولوجيا الطبيعة البشرية الخطّاءة وباسم التشكّل المسبّق للكيانات، للطابع الصيروريّ للقوة والسيرورة التكوينية للواقع، وهما في الحقيقة ما دعانا إليه بعض فلاسفة البيولوجيا، مثل جيلبار سيموندون Gilbert Simondon والكاتب ألبيرتو توسكانو. (Toscano 2006: 199) هذا الإغفال هو الذي انعكس سلباً على مورغانتو ما جعله يغض الطرف عن علائق القوة ذاتها التي بمقتضاها يتشكل الأفراد والطبائع البشرية ما يجعلها تكون سلمية أو محاربة، وهذا الداعي أيضاً كانَ وراء فهمه الميكانيكي للطبيعة البشرية والسياسية، ما جعلَ مقاربته تطفق سجينةً للطرائق التي بها توجد الأشياء والبشر والدول على نحوٍ مسبقٍ على حساب المناويل التي بإمكانها أن توجدَ عليهِ وجوداً لن يكون إلا حاملاً للجديد ومعبّراً أكثر عن واقعٍ أسمى من واقعٍ صنيعه هو الطبيعة السوداوية والنظرة التراجيدية. أعني من هذا، أنَ النظر إلى البشر والدول وفق أفق الإمكان يفضي بنا إلى فهمٍ تقدميّ وإلمام أفضل بالحركات المشكِّلة للوقائع والطبائع على نحوٍ يجعلنا نوظف أفضل ما لدينا في سبيل علاقات قائمة أكثر على إمكانية التحسين والتهذيب في عالم لا ينفك عن الغدوِ أحسن مما كان عليه، على نقيضِ الفهم الجبريّ للطبيعة البشرية ماهية السياسة، ما يجعل إمكانية القطائع وإمكان التجويد شبه مستحيلٍ.

بلا مرية، إن الواقعية هي المقاربة التي ظلت مهيمنة في العلاقات الدولية، وعلى الرغم من غنى وتعقد هذا البراديغم ومختلف الأشكال التي أخذها في غضون السنين، يبقى مشدوداً إلى تصوّر ثابت وقاصر عن السيرورة البشرية الطامحة إلى القوة والسيرورة السياسية التي تنبني عليها. يقسّم ميخائيل دويل Michael R. Doyle هذا البراديغم الواقعيّ إلى أربع مدارس كبرى: الواقعية المركبّة، والواقعية الجوهرانية، والواقعية البنيوية، والواقعية المؤسساتية (Doyle, 1997, 44)، وعلى اختلافها في مواضع في غاية الأهمية، فإنها تتشارك، رغمَ ذلك، مجموعةُ من النقاط التفسيرية المتعلقة بالواقع الذي يكوّن هويةً واحدةً (Doyle, 1997, 43). إنها تتبنى جميعاً فرضية المجتمع الدوليّ بما هو حيّز وشرطٌ للفوضى، حيث الدول المتعالقة والمترابطة تتصارعُ وتتنافح من أجل الظفر بالقوة (Doyle, 1997, 43) وتعتنقُ كل هذه المدارس أيضاً سياسة دوليّة مؤسسة على حياة الأفراد المشكّلة طبيعتهم على نحوٍ مسبقٍ وفقَ منحىً شريرّ وأنانيّ، ولا نملك انفكاكاً عن هاته الطبيعةِ ولا مكنةَ لنا لتغيير جذريّ لهذه الماهية الأنطولوجية، على خلاف نيتشه الذي دعانا إلى تفكير الأفراد والكيانات انطلاقاً من أنطولوجيا الحركيات والسيرورات فيما وراء الفاعلين والمقولات الثابتة والجاهزة. وما ينقص الواقعية هو ما يستطيع نيتشه تقديمه لها على طبق؛ تلك الهبة المتمثلة في إضافة عنصر السيرورات والمسارات التي من خلالها لا تتشكل فحسب موازين القوى، بل تصوراتنا نفسها عن القوة التي لا يقل تأثيرها عن القوة المادية نفسها.

وهذا ما سيسمح للواقعية بأن تكونَ سياسةً للتجاوز، وتجاوزاً للسياسات الحالية التي تفتقر إلى البصيرة وتوشكُ أن تقود الكوكب إلى مهالك بلا رجعة. وبناء على هذه المقدمات، نذهب إلى القول إن فلسفة نيتشه في وسعها أن تكونَ بمثابة قنبلة ديناميت كما عبّر هو نفسه عن ذاته (Nietzsche, 2000, 782) تقلبّ البراديغم الواقعيّ من الداخل لكي تفتحه على تصور أكثر رحابة للقوة بما هي دافعيةٌ تثبت الحياة في مرقاة إيجابية، ولن يكون ذلك إلا إذا نظرنا إلى الإنسان على أنه سعى إلى التعالي عما هو قائم نحوَ المستقبل الواعد، وتوقٌ يذهبُ من الحتميّ إلى الممكن، وقبل كل شيء هو تعالٍ وتجاوز للنظرة النمطية عن طبيعة الحياة والإنسان والسياسة. وبمقتضى ذلك، نتلافى الحتمية التي تسم نظرية مورغانتو والثاوية في أعماله. (Petersen1999: p83) مُقدمين تصوراً قائماً على الحرية والإمكان ما يضعُ التطوّر الإيتيقيّ في قلبّ العلائق البشرية والدولية؛ وذلك إدراكاً منا أنَ تاريخ الفرد والأمم ليسَ محكوماً بجبرية التاريخ ولا بجبرية البنى الذهنية التي تصنعَ علائقَ مبنيةً على أنموذج التدافع بدل إقامة العلائق على أنموذج التواصل، حيث التدافع يفضي إلى خلقٍ وليس إلا تقويض.

الخاتمة

في الختام، نخلصُ، من وَجْهٍ، في هذه الورقةِ البحثيةِ إلى أن مفهومَ القوةِ لدى مورغانتو يستمدُ جذوره من عدة روافد تاريخية وفلسفية وتأملية، إلا أن نيتشه يبقى رافداً لا يمكن التغاضي عنه إذا ما أردنا أن نقفَ على أصول المقاربة الواقعية لدى مورغانتو بخاصةٍ والواقعيين بعامةٍ. مع ذلك لم تكن قراءة مورغانتو لآثار نيتشه قراءة ببغائية، بل قراءةً ممكنةً تفتحُ الفلسفة النيتشوية على حقل علميّ حديثٍ وتدفع بالنظرة التدافعية والمقاربة القووية للفعل السياسيّ إلى آفاقٍ جديدة. وننتهي، مِن وَجْهٍ آخر، إلى أنَ القوة، بما هي قوةٌ دافعةٌ أو علةٌ فاعلةٌ وغائيةٌ في الفعل الوجوديّ والسياسيّ، لَتُعْتَبرُ مقولةً تفسيرية في غايةِ المصداقية، رغم ما فيها من نواقصَ، تسمحُ بتفسير الكثير من الظواهر الاجتماعية والسياسية بل تتيحُ، كما هو الحال بالنسبة لنيتشه، تفسير ما يعتمر في الوجود بلحمهِ وسداَهُ، بَلْهَ الوجود نفسه عبارة عن غريزة لا تنفكُ عن النزوعِ إلى القوة ولا تبرحُ تتطلع إليها، وهذا ما يفسّر منطقَ الصراع وأنطولوجيا التدافع من جانب، وعرضيةَ التوازن وظرفيةَ الانسجام وهشاشةَ السلامِ في تضاعيف أنطولوجيا كهذه من جانب آخر. مع ذلك، لا ينبغينَ علينا أن نتخذَ ذلك ذريعة إلى فصل أخلاقيات التقدم الرامية إلى تهذيب الطبيعي وتجويد الثقافي عن منطق الفعل البشري بما هو المرجعُ الذي يعودُ إليهِ تغيير الواقع بدلَ الاكتفاء بفهمه.

 

المراجع

Deleuze, G. (2006). Nietzsche et la philosophie, New York: Continuum.

Doyle, M. (1997). Voies de guerre et de paix: Realism, Liberalism, and Socialism, New York: W. W. Norton & Company.

Frei, C. (2001). Hans J. Morgenthau: An Intellectual Biography, Baton Rouge: Louisiana State University Press.

Greg, Rüssel.(1990) Hans J. Morgenthau and the Ethics of American Statecraft (Baton Rouge: Louisiana State University Press).

Kaufmann, W. (1976).and trans., The Portable Nietzsche (New York: Penguin).

Michael J. Smith, (1986). Realist Thought from Weber to Kissinger (Baton Rouge: Louisiana State University Press).

Martin, Griffiths. (1995) Realism, Idealism and International Politics: A Reinterpretation (London: Routledge)

Morgenthau, H. (1993). Politics Among Nations: The Struggle for Power and Peace, New York: McGraw Hill.

Morgenthau, H. (1947). Scientific Man Vs. Power Politics, Londres: Latimer House.

Nietzsche, F. (1993). OEUVRES I, Paris, Robert Laffont.

Nietzsche, F. (1993). OEUVRES II, Paris, Robert Laffont, 1993

Nietzsche, F. (2000) "Ecce Homo" in Kaufmann, W. (ed.) Basic Writings of Nietzsche, New York: Random House.

Nietzsche, F. (2000) "On the Genealogy of Morals" in Kaufmann, W. (ed.) Basic Writings of Nietzsche, New York: Random House.

Nietzsche, F. (1969) Thus Spoke Zarathustra, trans. R.J. Hollingdale, New York: Penguin Books.

Nietzsche, F. (1968) La volonté de puissance, trans. W. Kaufmann et R.J. Hollingdale, New York: Vintage Books.

Nietzsche, F. Daybreak, R. J. Hollingdale, trans. (Cambridge: Cambridge University Press, 1982).

Nietzsche, F. (1968). The Will to Power, W. Kaufmann and R. J. Hollingdale, trans. (New York, Vintage).

Petersen, U. (1999) "Breathing Nietzsche's Air: New Reflections on Morgenthau's Concepts of Power and Human Nature", Alternatives, 24

Peter, Gellman.(1988). "Hans J. Morgen- thau and the Legacy of Political Realism, " Review of International Studies 14

Toscano, A. (2006). The Théâtre of Production: Philosophy and Individuation Between Kant and Deleuze, New York: Palgrave Macmillan

Revue

Alternatives, (Jan.-Mar. 1999). Global, Local, Political, Vol. 24, No. 1

Murray, A. J. H. (1996)."The Moral Politics of Hans Morgenthau, " The Review of Politics 58, no. 1

Morgenthau, H, (1971). 1 nought and Action in rolitics, social Research ob, no. 19

Robert, Jervis. (1994). "Hans Morgenthau, Realism, and the Scientific Study of International Poli- tics", Social Research 61, no. 4. 853-873

Ulrik Enemark, Petersen. (1999). Breathing Nietzsche's Air: New Reflections on Morgenthau's Concepts of Power and Human Nature, Alternatives: Global, Local, Political Vol. 24, No. 1